محرم أربي
ديسمبر 01 2017

قصر العدل في تركيا.. "الويل لي إذا وقعت هنا"

 

إيماني بنموذج التسامح ورجاحة العقل لدى تشليك بيلك بطل الرواية الهزلية المسماة "تكساس" في طفولتنا، والتي تصف نضال الشعب الأمريكي ضد الإنجليز من أجل الحرية، ودفاع المحامي كونولي – الذي كان يسعى لتحقيق العدالة للجميع- جعلني محاميا.
وكان المحامي كونولي ضد الظلم وعدم الإنصاف، وكان الإنجليز الذين أخذوا جميع الحقوق في أيديهم بالقوة موجودين داخل القلاع المحمية بالبنادق والأسلحة من كل النواحي، والمحامي الذي هو مَثَلي الأعلى، والكفاح الذي قام به الشعب الأمريكي المظلوم ضد القلعة السيئة للحصول على حقوقه الأساسية، ومعاقبة الأشرار، كان في الطابق السفلي، وفي ظلام غرفة مضاءة بشكل خافت.
الأماكن الموجودة فيها العدل ، انظر، أنا لا أقول القصر، لأن العدالة لم تكن توزع في القصور في أي فترة من الزمن حتى اليوم، والقوى المهيمنة كانت تقوم بتنظيمها من أجل كل شخص، وتتصرف كأنها معاونة للعدالة، وتفعل ذلك من أجل تعزيز قوتها، أولا وقبل كل شيء  يجب تعديل مفهوم قصر العدالة هذا ، فهو مقدس، ومثل المعابد، فالناس يذهبون إلى المعابد في أنقى صورهم، ويعودون إلى منزلهم في خشوع، وقد حصلوا على الهدوء الداخلي، والعدالة تكون ذات مغزى عندما تكون من أجل كل شخص، العدالة ذات معنى عندما تدافع عن الضعيف ضد القوي، وفي الواقع إنها لا تختلف وفقا للحق، والطبقة، والسلطة، والوضع، وهي ليست معنوية وإنما هي مادية.
في بوابة القصر حيث مرّت طفولتي، ومباني العدالة، نعم، كانت أكثر من مبنى واحد، وتدريبي الذي بدأ في عام 1996 في المباني الحجرية البازلتية الموجودة داخل المدينة القديمة، وانتهى في المبنى ذو العمارة القبيحة والذي أنشئ على مزارع الكروم الأرمينية في عام 1997، والمبنى الذي بدأت فيه عملي كمحامي، بعيد كل البعد عن أن يكون معبدا يمنح الهدوء الداخلي، وذلك بسبب كآبته، وجدرانه الباردة الرمادية، وبِنْيَته عديمة اللون، والفاقدة للحيوية، والمنفصلة عن الحياة التي تبعث على الضيق بدلا من أن تمنح الأمان للإنسان.
ومبنى مجمع المحاكم الذي كان كل شخص يمكنه أن يجلس في ظل أشجاره الموجودة في حديقة مبنى المحكمة، وينتظر الجلسة، ويمكن أن يتنفس بشكل مريح، ويمكن أن يطفئ غضبه بسبب العدالة التي لم يحصل عليها، عن طريق التدخين، تحوّل في السنة الأخيرة إلى القلاع المسلحة التي يأوي إليها الإنجليز في تكساس.
إذا نظرت إلى التدابير الأمنية المبالغ فيها من حولك أثناء المشي نحو مبنى البلدية ومن ثم إلى مبنى العدالة، قد تعتقد للحظة أنك في مكان لتصوير الأفلام، وقد تبحث عن الكاميرات، ولكن هناك كاميرات الأمن فقط، وهي ليست للأفلام، التدابير الأمنية التي لا تجعلك تبحث عن أفلام الحرب العالمية الثانية، وحتى تضغط عليك وأنت تتنفس، وبينما تراقب محيط مبنى المحكمة، ترى موقفا دراميا، ولكن لا يمكنك الاعتراض، ويمكنك إثبات ذلك فقط.
ومبنى المحكمة الذي تقف أمام بابه دائما سيارة التدخل في الحوادث الاجتماعية الضخمة، والعديد من السيارات الأمنية، يخيف الناس دائما، والطوق الأمني الموجود حول المحكمة المحاطة من كل الأطراف بالحواجز الخارجية منذ ما يقرب من عامين، قد تراخى نسبيا خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة الأخيرة.
هناك حواجز أمنية على كل جانب، وسلك طويل مضفر على كل جانب، أما في الجزء العلوي من الشبكة السلكية فتوجد أسلاك خارجية لا يمكن للشخص المرور من خلالها إطلاقا مع حماية معدنية حادة مثل شفرة الحلاقة، والكاميرات في جميع الجوانب، والدروع الحديدية بدءا من الخارج، والآليات التي تجبر الشخص على السير في صف واحد، والبوابات الدوارة المعدنية التي تجبر الإنسان على المرور من داخلها عندما يريد المرور، ودخولك إلى مجمع العدالة حيث يمكنك الدخول إلى المبنى الرئيسي من خلال قراءة شرائح الهوية على الباب الخارجي أولا، ثم على الباب الداخلي، قد أصبح أكثر عناء وأكثر صعوبة من دخولك إلى سجن ديار بكر الذي يتسم بالإجراءات الأمنية المشددة.
ووجود الممر الأمني نفسه أيضا في محيط بلدية ديار بكر التي يديرها قيِّم تم تعيينه من قبل الحكومة المركزية بعد أن أقيل غولتان قيشانانق وفيرات أنلي رؤساء البلدية - المنتمين لحزب السلام والديمقراطية واللذان تم اختيارهما منذ أكثر من عام - من منصبهما، وتم القبض عليهما، بينما يبعث على الشعور بالانزعاج والخوف لدى الإنسان، فإنه يكون أيضا سببا في سؤالك قائلا "هذه المباني لماذا، وممن يتم حمايتها"، والتدابير الأمنية في مبنى البلدية، التي يديرها الأشخاص الذين يحلوا مشاكل الأهالي، مخيفة.
والصدمة التي تسبب فيها قتل المدعي العام التركي بمسدس في دار القضاء باسطنبول قبل عامين قد جعلت تدابير الأمن تزداد في كل أرجاء تركيا، وتسبب هذا الهجوم الشنيع في إنفاق ميزانية ضخمة تقريبا على جميع المحاكم في تركيا، وجعل وصول المواطن والمحامي إلى المحاكم أكثر صعوبة، وأصبح يسيطر عليك شعور بأنك تذهب إلى مبنى العدالة ليس من أجل العدالة، وليس للحصول على حقك، ولكن لإثبات إنك غير مذنب وغير ظالم.
الدخول إلى مبنى العدالة صعب جدا حيث أن كل مكان مجهز بنظام كاد أن يجبرك على قول "الويل لك إذا سقطت هنا".
واعتبارا من لحظة دخولك إلى المحكمة، كل طابق مغطى بالأبواب المعدنية، إلا تلك التي يمكن المرور منها للذين لديهم بطاقات ذات شريحة، وللوصول من الباب الخارجي إلى غرفة في الطابق العلوي يجب مرورك من خلال ستة إلى سبعة أبواب معدنية عن طريق قراءة هويتك، وعندما تأتي إلى المحكمة، تصلي من أجل الانتهاء من عملك في أقرب وقت ممكن.
والمواطن يمر من الباب الخارجي للمبنى، والباب الحساس لكل الأشياء المعدنية دون أن يصدر صوتا، أنت لا تهتم عندما يقال إنه حساس، في الواقع يجب أن يقال عليه حساس، لأنه يصدر صوتا حتى لو مر منه الجيلاتين الموجود في العِلك، وبعد ذلك يجب إخراج جميع الأشياء المعدنية، والأحذية، وتمريرها من الباب الحساس جدا عند مدخل المبنى الرئيسي بعد الطابور الموجود في الممر المكون من الجدائل المصنوعة من سلك طويل رقيق. 
في كل مرة تقوم فيها بدخول المبنى الرئيسي، يمكنك أن ترى المواطنين الذين يضعون أحزمة في السراويل، ويرتدون أحذيتهم، عندما يضعون النقود المعدنية، والمفاتيح والسبحة والقداحة في جيبهم باضطراب، يلقون نظرة حولهم بدلا من البحث عن شيء فقد هنا وهناك، وبعد ذلك، سوف يتملكك القلق للعثور على غرفة تكون حلا لمشكلتك، وفي بعض الأحيان تواجه بطلب المساعدة منك بعيون مختلطة بالرعب والذهول للمواطن الذي جاء مجبرا من أجل حقه ومن أجل العدالة، وكان محصورا بين بابين في طابق واحد، وعيونه مفتوحة مثل الودع.
وبينما يصف المواطن طلبه للشخص الموجود في مكتب الاستعلامات قائلا "في الليلة الماضية أخذت الشرطة ابني من المنزل، وهو لم يرتكب أي ذنب، وذهبت إلى مخفر الشرطة، فقالوا لي اذهب إلى المدعي العام، ما هي جريمة ابني، وأين مكتب المدعي العام، وحتى إنه يخجل من أن يرد على الإجابة السريعة القصيرة التي لم  يفهمها، والتي لا يمكن أن تحل مشكلته" أنا لم أفهم، هلا أعدت عليّ كلامك؟"، ويبدأ في سؤال موظف آخر أو محامٍ يرتدي ثوب المحاماة.
قاعة في قصر العدل

 

نحن أحرار نسبيا في غرفة نقابة المحامين التي يجلس فيها المحامون، التقت عيني مع المحامي سراج أنيق، وهو من أقدم وأكبر المحامين، وسألته قائلا: "هل هذه التدابير الكثيرة طبيعية؟ فأجابني قائلا: أنا محامي منذ 47 عاما، ولم أر مثل هذه التدابير حتى الآن، لقد بدأت مع إطلاق النار على المدعي العام في اسطنبول، هناك نفس الأمن في كل مكان، وذلك يجعل الوصول إلى العدالة صعبا، لا توجد ثقة في المحامي، والسيطرة الصارمة تزعج كل شخص، مباني المحاكم غير كافية، ولكن التدابير الأمنية أكثر من اللازم، والقضاة حديثون، وعديمي الخبرة، دعاوى القانون راكدة جدا، وهناك قضايا لم تنته منذ سنوات لأن التفتيش لم يتم لأسباب أمنية لسنوات، والمواطن لا يستطيع الحصول على حقه، ويعاني الكثير بسبب ذلك".
وقال المحامي عرفان إيسير؛ "أنا محامي منذ 22 عاما، حتى الظروف المادية مؤشر على أن العدالة غير كافية ".
وقال المحامي ودات زيبيك؛ "أنا محامي منذ 16 عاما، إن الأمن كثير، مكاتب الاستقبال، ومكاتب تقديم المشورة غير كافية، وينظر المدعون العامون إلى المواطن كأنه مذنب،  والقضاة ذوي المبادئ العالمية لا يعرفون المدعين العامين، ويتم التعامل مع القانون في قوالب ضيقة، وتزويد القضاة والمدعين العامين الجدد بالمعلومات غير كافٍ، وهم شباب صغار جدا، ويضيع المواطن في مبنى المحكمة كما أن مبنى المحكمة له نصيب أيضا من ذلك ".
وقال المحامي إحسان أصلان؛ "أنا محامي منذ عشر سنوات، وليس مبنى المحكمة هو الوحيد الضيق، ولكن قاعات المحكمة ضيقة أيضا، والمكاتب غير كافية، وسيئة التهوية، ولا يوجد بها عزل للصوت، وقاعات المحكمة محرومة من الإحساس بالعدالة والسرعة بسبب كثرة الملفات.
وقد قبضت الشرطة بسرعة واضطراب على الشاب الذي رأى مبنى المحكمة للمرة الأولى في العام الماضي أثناء تصوير المبنى بهاتفه الخلوي، وتم عرضه على المدعي العام، وترافعت أنا في هذه الدعوى، وكان موكلي مندهشا، وكان يصرخ في قاعة المحكمة بوجهه القاسي قائلا إن مبنى المحكمة الذي كان يعتقد إنه قريبا جدا منه، تبين أنه ليس قريبا منه.
في عام 2016 شاركت في إحدى القضايا في لندن كمحام خبير، لم أتذكر مبنى المحكمة حيث كان الباب الخارجي يفتح ويغلق فقط من الواجهة، وكان هناك رجل أمن مسن مرهف الشعور ويقظ ينتظر أمام باب المبنى.
لم تكن هناك حواجز أمنية، ولا بوابات حديدية، ولا طوابير لا تنتهي، ولا أبواب تفتح بالشرائح، ولا أشخاص كثيرون يبحثون عن العدالة، وكانت غرف المحاكمة فسيحة ومرتبة وأنيقة بشكل لا يصدق، وعقدت جلستان في اليوم، وسألتني القاضية الأسئلة المتعلقة بملف القضية من خلال مترجم بلهجة صوت هادئة جدا ومحترمة وتداعب الأذن، وكانت تسأل عن أدق التفاصيل من أجل معرفة حقيقة الموضوع، وتسأل مرة أخرى قائلة  "أنا لم أفهم، هل تقصد هذا؟"، مضيفة الدقة إلى السؤال، وكانت تقوم بالمحاكمة في محاولة للوصول إلى الحقيقة عن طريق تمرير كل شيء من خلال فلتر العقل والضمير للكشف عن الحقيقة.
بعد المحاكمة، أدركت أن القصور لدينا كبير جدا، وعلى سبيل المثال لم يكن ذلك في مبنى المحكمة فقط، حيث كانت هناك أخطاء كبيرة في الوعي، وهناك أوجه قصور خطيرة في سير وسن القوانين المنشئة للعدالة، وبينما تثق الدولة في المواطن في إنجلترا، نجد أن الدولة في تركيا لا تثق في المواطن أبدا، وفي لندن تجرى محاكمة يحسب فيها ألف حساب للثقة، فحسدتهم، وكنت أغار منهم،  ثم تذكرت الحكمة التي تقول كلمة "بقدر ما تجتهد سوف تحصل على نصيبك"، وعندما تذكرت السجن الذي قضيت فيه خمس سنوات لأنني اجتهدت كثيرا من أجل العدالة وحقوق الإنسان، ابتسمت عندما أدركت أن العمل من أجل العدالة في تركيا كان عملا شاقا.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: