قصر قطر الطائر يضع أردوغان في مأزق

تتهم المعارضة في تركيا حكومة أردوغان بالسعي إلى ترسيخ مركزية الحكم، وتبذير أموال دافعي الضرائب من أبناء الشعب التركي.

وفي الوقت الذي تعصف فيه بتركيا أزمة اقتصادية تزيد الوضع تعقيدًا يوماً بعد يوم، لاقى قصر قطر الطائر، أو بمعنى آخر الطائرة الفاخرة التي تقدر قيمتها ڊ 500 مليون دولار، والتي أهدتها قطر إلى تركيا، قبولا حسناً لدى أردوغان، متحدياً انتقادات أقرب حلفائه السياسيين بهذا الشأن وضغوطهم. 

قامت شركة بوينغ بإنتاج الطائرة طراز 747-8، التي تطلق عليها أحزاب المعارضة التركية اسم "القصر الطائر"، وفق مواصفات خاصة؛ حيث تضم صالات مؤتمرات وغرف نوم ومستشفى. وجاء هبوط الطائرة على أرض المطار في تركيا بعد عدة أسابيع من وعد قدَّمه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد الثاني بضخ 15 مليار دولار  في شكل استثمارات جديدة في الاقتصاد التركي.

كانت تركيا قد لجأت إلى حلفائها في أوروبا وفي دول الخليج لطلب المساعدة على خلفية الضربة القوية التي تعرضت لها الليرة التركية منذ بداية العام الحالي، وفقدت على إثرها 40% من قيمتها أمام الدولار الأميركي. كما يقوم الرئيس التركي، في الإطار نفسه، بزيارة إلى العاصمة الألمانية برلين في هذه الأيام. 

وفي تعليق له على هذا الموضوع، قال نائب مدير مبادرة السلام والأمن في الشرق الأوسط، التي أطلقها مركز "أتلانتيك" في واشنطن، أوين دانيلز، في رسالة بعث بها عبر البريد الإلكتروني "عمدت الدوحة إلى إرسال الطائرة إلى تركيا عقب وعودها بتقديم 15 مليار دولار إلى أردوغان لترسيخ علاقتها بحليف استراتيجي بالنسبة لها".

أصبحت تركيا منذ سنوات حليفاً مهماً لقطر، التي تعد واحدة من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المُسال في العالم. وكانت تركيا قد قامت، بالتعاون مع إيران، بإمداد قطر بما تحتاج إليه من سلع ومواد غذائية في العام الماضي، بعد أن قطعت السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، وإغلاق حدودها البرية معها، عقب اتهامهم إياها بدعم الجماعات المتشددة في تلك البلدان.

أثار دعم تركيا وقطر جماعة الإخوان المسلمين استياء الرباعي العربي بقيادة السعودية؛ الأمر الذي ردت عليه قطر بنفي أية علاقة لها بالجماعات الإرهابية.

وفي استجابة سريعة لطلب أمير دول قطر، قام أردوغان بإرسال وحدات عسكرية إلى القاعدة العسكرية التركية في قطر لمنع أي تدخل عسكري محتمل قد تُقدِم عليه السعودية بالتعاون مع حلفائها من دول الخليج. وما زالت الأزمة مستعرة إلى الآن بين قطر من ناحية، ودول الخليج ومصر من ناحية أخرى.

أكَّد دانيلز في رسالته أن التعاون القطري - التركي سيدر منفعة اقتصادية كبيرة للطرف الثاني، ويضيف قائلاً "باتت تركيا، مثل إيران، تتحكم في سوق الواردات في قطر، وبذلك حلت هاتان الدولتان محل السعودية في هذا الأمر". 
"يمكن القول إن التمويل القطري لتركيا كان يصب أيضاً في مصلحة قطر؛ بسبب ارتفاع حجم الاستثمارات القطرية المباشرة في تركيا".

ووفق تصريحات قطرية سابقة، كانت قطر لديها استثمارات ضخمة في تركيا، قبل وعودٍ بضخ استثمارات بقيمة 15 مليار، بما يعادل 20 مليار دولار. ويرى بعض المراقبين أن هذا الرقم ينطوي على شيء من المبالغة؛ لأن جزءاً من المشروعات التي جرى الحديث عنها لم يخرج للنور إلى الآن. وعلى الجانب الآخر، يعمل في قطر ما يزيد عن 300 شركة تركية، وتتخطى قيمة المشروعات التي نفّذتها الشركات التركية 11 مليار دولار أميركي.

ينظر البعض إلى الوعد القطري بتقديم مساعدات إلى تركيا باعتباره لفتة طيبة من دولة قطر، ومحاولة رد جميل للدعم السياسي الذي قدَّمته أنقره لها إبان أزمتها مع دول الخليج. ومع هذا، فلم يرق لحلفاء أردوغان ومعارضيه، على حدٍ سواء، قبول أردوغان هدية الدوحة، ورأوا أن إقدامه على هذا الأمر كان خطأ كبيرًا.

ومن ردود الأفعال، التي أُثيرت حول هذا الأمر، ما جاء على لسان زعيم حزب الحركة القومية اليميني دولت بهجلي المتحالف مع حزب العدالة والتنمية، حيث قال "الجمهورية التركية لا تقبل المنح والعطايا".

وقوله أيضاً "إذا كانت الرئاسة أو الحكومة الحالية في تركيا بحاجة إلى طائرة من أجل جولاتها الخارجية، فإمكانها شراء ما تحتاج إليه. أما إذا لم يكن هناك ضرورة لهذا، فلا داعي للإقدام على هذا الأمر من الأساس"، وأردف قائلاً "ما كان يجب عليهم أن يقبلوا بهذه الهدية".

وعلى الجانب الآخر، طالب حزب الشعب الجمهوري، وهو من أحزاب المعارضة كذلك، بدعم اقتراح حزب الشعب الجمهوري الذي سيتقدم به إلى المجلس عقب انتهاء عطلة المجلس في أكتوبر القادم.

وفي سياق متصل، وجه زعيم المعارضة، كمال كليجدار أوغلو، رسالة إلى أردوغان قال له فيها "ليتكم سددتم ثمن هذه الطائرة، ما فعلتموه كان عيباً كبيراً".

وقال أيضًا "أما أن يُعطينا أحدهم طائرة مستعملة، ويقول إنها هدية، فهذا عيب كبير آخر في حق الجمهورية التركية".

وفي ذات السياق، وجَّهت المعارضة سهام نقدها إلى أردوغان، الذي يعيش في أنقرة في قصر مكون من 1000 غرفة، واتهمته بترسيخ مبدأ مركزية السلطة، وتبذير أموال دافعي الضرائب. 

الجدير بالذكر أن أسطول الطائرات التابع للدولة يضم أيضاً طائرة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وهي من طراز إيرباص A340. 

قال أردوغان، في الماضي، إن الأمر عندما يتعلق بالدولة وهيبتها، فلا مكان للحديث عن المال. ومع هذا، وجدناه يقول، أثناء زيارته لأذربيجان في منتصف سبتمبر الجاري، إن حكومته فكرت في شراء الطائرة، التي يقترب ثمنها من 500 مليون دولار، على حد قوله، ولكن الشيخ تميم قال إنه سيمنحها لتركيا كهدية، واستطرد قائلاً: "قال لي: لا يمكن أن آخذ أموالاً من تركيا. أنا أمنحها هدية لجمهورية تركيا".

وفي المقابل من هذا لم يصدر، إلى الآن، أي تعليق من حكومة الدوحة.

يحاول أردوغان جاهدًا درء الانتقادات الموجهة إليه بقوله "إن الطائرة كانت هدية إلى  جمهورية تركيا، وليست إليه هو، وقال "عندما تنتهي أعمال إعادة طلاء الطائرة سنقوم بجولة بها، ستستقلون طائرة الجمهورية التركية وليس طائرتي".

وأضاف أنه سيتخذ كافة الإجراءات القانونية ضد المسؤولين وأحزاب المعارضة التي وجّهت إليه الانتقادات بسبب قبوله هذه الهدية.

من ناحية أخرى، أعرب بعض المعارضين عن عدم اقتناعهم بأن تقدم دولة طائرة فاخرة بهذه القيمة إلى دولة أخرى على سبيل الهدية. وفي السياق ذاته، تحدث السياسي المعارض والسفير المتقاعد أونور أويمَن في مقالٍ له نُشِرَ في صحيفة "جمهورييت" قائلاً "إذا أعطيت لأحد هدية، فهذا يعني أنك تنتظر في المقابل شيئاً آخر منه. يجب مناقشة هذا الموضوع في مجلس النواب؛ لاستجلاء حقيقة الأمر".

وفي سياق متصل، زعمت صحيفة "سوزجو" المعارضة، أن أردوغان سيتنازل في المقابل عن الأسهم المملوكة للدولة في الخطوط الجوية التركية لرجال أعمال قطريين.

الجدير بالذكر أن أردوغان نصَّب نفسه مؤخرًا رئيساً لصندوق الأصول التابع للدولة، الذي يضم الأسهم المملوكة للدولة في شركة الخطوط الجوية التركية. في الوقت ذاته، تواردت الأنباء في وسائل الإعلام التركية عن رغبة الشركات القطرية في شراء عقارات ومصانع في تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/erdogan/katarin-500-milyon-dolarlik-ucan-saray-hediyesi-erdogani-zora-soktu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.