مارس 07 2018

قضية الزنا تحشر حزب العدالة والتنمية بين القانون التركي والتشريع الديني

قبل بضعة أيام، صدر تصريحٌ عن رئيس الجمهورية، ورئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، أشار فيه إلى أن الدولة بصدد الإعداد لسن تشريعاتٍ جديدة؛ للتصدي لحالات الاعتداء الجنسي على الأطفال، حيث قال:
"نحن بحاجة أيضا إلى اتخاذ بعض الإجراءات بشأن ظاهرة الزنا، والتحرش، وكل الأمور الأخرى التي تشبه ذلك. 
ونحتاج، في الإطار نفسه، إلى عمل تقييمٍ لهذه الوقائع. أعتقد أنه سيكون من المناسب للغاية الآن، أن نعيد النظر في موضوع الزنا؛ فهو موضوع قديم للغاية، ومعقد. 
دعونا نطرح الموضوع برمته للنقاش. كان هذا الموضوع مدرجاً بالفعل ضمن ترتيباتنا القانونية السابقة. لقد خطونا هذه الخطوة؛ استجابةً لمطالبات جاءت إلينا من بعض الكيانات الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي وغيرها. ومع هذا، لم نكن نفعل الصواب".
الزنا، كما يُعرِّفه مجمع اللغة التركي، هو علاقة جنسية، يقيمها رجل متزوج، أو امرأة مع طرفٍ آخر طواعيةً، دون إجبار. وعلى العكس من ذلك، لا نجد، من دول الاتحاد الأوروبي، من يعتبر "الزنا" جريمة، تتطلب الملاحقة الجنائية.
تحدث أردوغان عن موضوع الزنا من قبل، في 3 سبتمبر 2004، في مداخلةٍ أجراها مع إحدى النشرات الإخبارية الرئيسة، إذ قال آنذاك:
"الأسرة مؤسسة مقدسة.وطالما كانت المؤسسة الأسرية قوية؛ فمن الطبيعي أن تصبح هذه الأمة قوية هي الأخرى.
 وعندما يدب الضعف في أركان مؤسسة الأسرة، فسيُحكم على هذه البلدان بالانهيار.نحن بحاجة إلى اتخاذ خطوة جادة؛ حتى نصون هذه المؤسسة الأسرية المقدسة من الضعف.
 وإذا كان هناك من يخادعنا، فبكل تأكيد ستكون هناك العقوبة المناسبة.أما إذا ارتضى كلا من البائع والمشتري، فلن تكون هناك مشكلة ".
وفي تعليق له على عدم اعتبار دول الاتحاد الأوروبي الزنا جريمة يعاقب عليها القانون، قال "إذا حاولنا تقليد الغرب، في كل جانب من جوانب حياتنا، فسيأتي يومٌ ننكر فيه أنفسنا، وبالتالي لن يبقى لنا وجود". 
في عام 2004، كانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد تقدمت بمبادرة قانونية؛ تقضى بوضع الزنا على قائمة الجرائم التي يعاقب عليها القانون.
 إلا أنها قوبلت بهجوم شديد، من دول الاتحاد الأوروبي، التي حذّرت تركيا حينها قائلة "إن مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد دخلت إلى منعطف صعب". 
كما صدرت تصريحات من هذه الدول، تندد بما تنوي تركيا الإقدام عليه؛ باعتبار أن مثل تلك الإجراءات قد تؤثر على الانتقال السلس إلى مفاوضات العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي مرة أخرى.
 وقد أخذت تركيا في الحسبان – كرد فعل على هذا- رأي الجمعيات النسائية، والرأي العام، ورأي الاتحاد الأوروبي؛ بوصفه جهة أجنبية، وتراجعت في النهاية عن خطوة إعلان الزنا جريمة يعاقب عليها القانون.
وفي 24 سبتمبر 2004 قال أردوغان، في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس البرلمان الأوروبي، جوزيب بوريل، ردًا على سؤالٍ وُجِّه إليه بخصوص ما يعرف بقانون الزنا: 
"لن نطرحه مرة أخرى، ونحن في السلطة. لكن إذا كنتِ تسألين عما سيحدث عندما أغادر السلطة، فلا علم لي به".
كان الزنا موضوع مادة في قانون العقوبات التركي السابق الذي يعود إلى عام1926، وكانت هذه المادة تعتبر الزنا جريمة يعاقب عليها القانون، وظلت على هذا النحو، إلى أن أُجريت تعديلات على القانون، أقرها مجلس النواب في 26 سبتمبر 2004، بمقتضاها تم رفع الزنا من قائمة الجرائم.
 ونُشر هذا القرار بعد ذلك في الجريدة الرسمية بتاريخ 12 أكتوبر عام 2004.
ومن الدول التي تعتبر الزنا جريمة يعاقب عليها القانون: نيجيريا، أوغندا، لبنان، أفغانستان، المملكة العربية السعودية، إيران، العراق، سوريا، ماليزيا، بنجلاديش، اليمن، الإمارات العربية المتحدة، السودان...
أجرينا حوارًا مُوسعًا عن الإجراءات القانونية الخاصة بالتعدي على الأطفال، وعن موضوع الزنا، الذي يطفو على السطح مرة أخرى هذه الأيام، مع كل من المحامية والناشطة في مجال حقوق المرأة حوليا بهار، والمحامية والعضو المؤسس لوقف مور جاطي لإيواء المرأة، والعضو المؤسس كذلك للمركز التطبيقي لحقوق المرأة التابع لنقابة المحامين في إسطنبول جانان أرين ، ومع الكاتبة في موقع diken.com حورّم سونمز.
 

حوليا بهار المحامية والمدافعة عن حقوق المرأة تقول إن السلطة الحاكمة كانت، وما تزال، ترفع شعار عدم المساواة بين الرجل والمرأة على قمة جدول أعمالها
حوليا بهار المحامية والمدافعة عن حقوق المرأة تقول إن السلطة الحاكمة كانت، وما تزال، ترفع شعار عدم المساواة بين الرجل والمرأة على قمة جدول أعمالها

تقول حوليا بهار المحامية، والناشطة في مجال حقوق المرأة " إن أردوغان يعلم يقيناً أن حزب العدالة والتنمية لن يتمكن من إحداث أي تغيير في سياساته الاقتصادية الليبرالية الجديدة، أو في توجهاته السياسية المحافظة؛ لذلك فقد ظل منذ اليوم الأول يتحدث عن اختلافه مع السياسات المتعلقة بالمرأة والطفل".
وتفرد حوليا بهار مساحة أكبر، في حديثها، لتصريح أردوغان بقولها " إن السلطة الحاكمة كانت، وما تزال، ترفع شعار عدم المساواة بين الرجل والمرأة على قمة جدول أعمالها، كما إنها تنتهج مسارا يعتمد على إعطاء الاسبقية للقضايا التي تراها  مُلِحَّة في مجالات التصنيف الطبقي، والمعتقد، والأصول العرقية، والتوجه الجنسي، وكافة المجالات الأخرى المشابهة، على أمورٍ أخرى تراها، تعدّها من وجهة نظرها هامشية لا يجب التوقف عندها كثيرًا.
وتضيف حوليا بهار كذلك " إنهم يحاولون وضع تصور لـ "تركيا الجديدة"، دون وضع المرأة والطفل في الحسبان.
 لذلك فإن إضفاء الصبغة الدينية على التعليم، وانسحاب المرأة؛ للتقوقع داخل البيت بالتدريج؛ استناداً إلى الحجج الدينية، لا يعتبر تحوُّلاً في الأجندة السياسية للحزب، كما يدعي بعض المعارضين، بل هي خطوات من صميم جدول الأعمال الحقيقي للسلطة ".
كما إن الحزب الحاكم يسترعي الانتباه إلى إنشاء مجتمعٍ أكثر هرمية؛ مجتمع لا يقوم على المساواة بين أبناء الوطن الواحد، بقدر ما يقوم على الولاء غير المحدود للحكومة، والبيعة للسلطة الحاكمة وحدها دون منازع.
وتؤكد جول بهار على حقيقة أن إدراج موضوع الزنا فجأة في جدول الأعمال، لم يأتِ من قبيل الصدفة، في الوقت الذي يجري الحديث فيه عن موضوع  الاعتداء على الأطفال، حيث تضيف قائلة:
"لم يكن من قبيل المصادفة خروج المتحدث باسم الحكومة التركية، بكر بوزداغ، بتصريحٍ عن الاعتداء على الأطفال، وتشكيل لجنة حكومية مكونة – حسب قوله- من ستة وزراء؛ تعكف على دراسة هذا الموضوع، وعلى وضع تشريعات عقابية إضافية.
من أجل أطفالنا الذين لم يتجاوزوا الثانية عشرة؛ لأن السلطة الحاكمة ما زالت متشبثة برأيها السابق، بخصوص موضوع الاتصال الجنسي بالأطفال، وتخفيض سن الزواج إلى 12 سنة. فهي لا تترك فرصة من دون ان تطرح الموضوع ذاته للمناقشة.
والآن، نجد ان السلطة الحاكمة تحاول استغلال مشكلة مشتركة بين المواطنين؛ مشكلة تؤذي الضمير الاجتماعي مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال؛ من أجل تحقيق أهداف الخاصة مثل الإعدام، والإخصاء، ومنع الزنا، وتحديد سن الزواج، مبررًا ذلك بعدد من الحجج، والآراء الدينية".
وتؤكد جول بهار، في الإطار نفسه، على أن الأمور الملحة، من وجهة نظر السلطة الحاكمة؛ مثل "الإعدام، والإخصاء، ومنع الزنا، وتحديد سن الزواج"، هي، في حقيقة الأمر، حزمة مشتركة نُسِجت استنادًا إلى نفس المنطق، كما إنها جزء من نفس القانون كذلك.
وتضيف" إنهم يتذرّعون بالاعتداء على الأطفال، وهم في الحقيقة يريدون أن يوقعوا عقوبة الإعدام على معارضيهم السياسيين، بعد أن يلصقوا بهم تهماً مثل "الإرهاب".
 كما توضح كيف تحول موضوع الإخصاء، الذي يتحدثون عنه، إلى نموذج آخر للاستغلال، والاعتداء الجنسي؛ فهم يستغلون الاعتداء على الأطفال لخدمة أجندتهم الخاصة.
 فرغبة منهم في إرضاء الرأي العام، سيقومون بإعدام، أو بإخصاء عدد ممن تقطعت بهم السبل من الفقراء، أو عدد من الشباب المدمنين المنتشرين في الشوارع. 
وهم بذلك سيقضون تماماً على النظام القانوني الموجود في تركيا؛ ليؤسسوا نظاماً جديداً يخص حزب العدالة والتنمية وحده.
تخلُص جول بهار، من هذه النقطة، بقولها "سيستغلون قضية التعدي على الأطفال للتلاعب في النظام القانوني بأكمله"، وتضيف قائلة:
"لقد طُبِّقت عقوبة السجن، قبل قرونٍ، على أي شخصٍ كان يرتكب الزنا. 
لا يمكن لأحدٍ أن يقبل بتدخل الدولة في العلاقات العفوية بين الشباب الراشدين.
 لقد عجزوا في تركيا عن وضع مفهومٍ صحيحٍ للزنا، وحدوده. فهم يشغلون أنفسهم بمناقشة أمورٍ من قبيل اعتبار مصافحة الرجل للمرأة نوعاً من الزنا (زنا اليد).
 أو ضرورة أن يوجه الرجل نظره لأعلى دائمًا؛ حتى لا يقع في (زنا النظر)، أو هل نعتبر ارتداء السراويل القصيرة (تحريضاً على الزنا)، أو هل نعتبر مقابلة الرجل للمرأة في المصعد (دعوة للزنا).
 للأسف، فهم يوقعون الآن عقوبة الإعدام، والإخصاء على كل من يعتدي على طفل؛ لم يبلغ 12 عاماً".
تؤكد جول بهار، في الإطار نفسه، على أن  البرلمان التركي، شكَل بالفعل عددًا من اللجان في أوقاتٍ سابقةٍ لمناقشة موضوع الاعتداء على الأطفال، وعلى أن الحكومة لم تأخذ بأي من الآراء التي خلصت لها تلك اللجان.
وتلفت الانتباه إلى أن الحكومة قامت، على العكس من ذلك، بتوفير الحماية لمن يُقدمون على هذا العمل المشين، بل كانت تتركهم أحرارًا،  بلا عقاب.
 ليس هذا فحسب، بل كانت تشجع هذه الفئة الضالة على ارتكاب هذا العمل؛ بإصدار فتاوى من قبيل "الشباب الذين لم تنبت لحاهم بعد، لهم نفس فتنة الأطفال من الإناث".
 

لقراءة الموضوع باللغة التركية