جان تيومان
يوليو 28 2018

قضية القس برانسون، وسيناريوهات فرض حصار مالي أميركي على تركيا

 

علي بك صاحب مصنع في ولاية بورصه، غربي البلاد، لإنتاج غطاء جنوط السيارات، يعمل به 300 عامل. وحينما بدأ يتعثر في سداد ديون قرضه لبنك "الزراعة" التركي، استدعاه مدير أحد فروع البنك المذكور؛ ليبحثا الأمر. اللقاء بين الطرفين بدأ بنوع من التوتر، وفيه قصّ علي بك مشاكله لمدير فرع البنك، وسرد له أسباب المشكلة التي يعانيها في سداد القرض. وقال له إنه لا توجد لديه أية نوايا أو دوافع خفية، وأنه يريد شهادات جديدة بشأن كفاءة الطاقة في المصانع الكبرى التي يجري مبيعات منها. وذكر كذلك أن الإنتاج في مصنعه لا يتوائم مع هذا، وأنه يتعين القيام باستثمار جديد؛ وشدد على عدم إمكانية طلب قرض إضافي؛ لا سيما في الوقت الذي يعجز فيه عن سداد القروض المستحقة عليه.
لكن مدير البنك في ذلك اللقاء الذي بدأ بشيء من اليأس، جاء باقتراح جديد لعلي بك، إذ تحدث معه عن قرض جديد يوفره البنك الدولي، عن طريق بنك "الزراعة". وقال له إنه بإمكانهم الحصول على قرض مدته 8 أعوام، مع فترة سماح مدتها سنة، قيمته 3.5 مليون دولار، حتى يتسنى له القيام بالاستثمارات اللازمة لشركته. القرض الذي تحدث عنه مدير البنك كان بمعدل فائدة أقل مقارنة بالقروض الأخرى التي منحها له بنك "الزراعة"، وأطول من حيث الأجل، وشروط السداد الخاصة به أفضل. وبالتالي وافق علي بك على الفور. وقام باستثماراته، ولم تبقَ لديه مشكلة في البيع. وبدأ يدفع كل شهر فاتورة كهرباء أقل بسبب ما حققه من توفير في الكهرباء بلغ أكثر من 20 في المئة. واليوم لم تعد تعاني شركة علي بك من مشكلات في البيع، أو في نفقات الطاقة المرتفعة، حتى وإن كانت لديها مشكلات أخرى.
وعلي بك يعرف من خلال الأخبار الاقتصادية، والإعلام اسم البنك الدولي الذي أمّن له القرض المناسب. لكنه لا يعلم أن القرض منح له بموجب مبدأ "الطاقة المستدامة" الذي ترى الأمم المتحدة أنه حق أصيل من حقوق البشر. فضلًا عن أنه لا علم له على الإطلاق بتفاصيل أخرى، لا سيما جهله بمسألة أن النفقات التي دفعها من أجل الاستثمار، يقوم بها البنك الدولي الذي يعمل كمؤسسة مختصة تابعة للأمم المتحدة، يقوم البنك بهذه النفقات في بعض البلدان عملًا بالاتفاقية الإطارية لتغير المناخ.
ولا شك أن هناك الكثير من الأمور والتفاصيل التي لا يعرفها علي بك. ومن ذلك جهله بحقيقة مفادها أن البنك الدولي الذي منحه القرض، وتأسس عام 1944 في مدينة بريتون وودز الأميركية، هدفه الرئيس مكافحة الفاشية، والأزمات، والمعاناة التي تتسبب فيها الأزمات الاقتصادية، والحروب. وغالبًا أيضًا أن علي بك لا يعرف أن البنك الدولي، وتوأمه صندوق النقد الدولي، باتا بعد العام 1947، مؤسستي اختصاص تابعتين للأمم المتحدة، وملتزمتان بميثاق المنظمة الأممية المعني بحقوق الإنسان. أي أن هاتين المؤسستين يد الأمم المتحدة الطولى في الأسواق.
وإذا كان علي بك يقّيم هذا القرض كـ"ورقة يناصيب" فاز بها في إطار معاملاته اليومية، فإن البنك الدولي اليوم الذي من أهداف تأسيسه تعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة الفاشية، يمنح عشرات الآلاف من القروض المماثلة بتركيا، والملايين بمختلف أنحاء العالم في سبيل تحقيق هذه الأهداف. شأنه في ذلك شأن العديد من المؤسسات الأخرى المنضوية تحت سقفه مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير(IBRD)، ومؤسسة التمويل الدولية (IFC)، والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA)، والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID).
وبحسب معطيات مستشارية وزارة الخزانة التركية، فإن إجمالي القروض التي قدمتها هذه المؤسسات التي ذكرناها آنفًا لتركيا، وصل إلى 48 مليار دولار حتى شهر مارس 2018. ويشكل هذا الرقم 10 في المئة من إجمالي الديون الخارجية لتركيا. و27 مليار من هذا المبلغ تخص القطاع العام، والبقية المتبقية تخص القطاع الخاص. ونظرًا لأن قيمة القروض الممنوحة من الممولين الذين تسميهم وزارة الخزانة التركية بالمؤسسات الدولية، أسرع بكثير من التمويل الخارجي الذي يتم بطرق أخرى، فإن الحصص المحددة في الإجمالي العام للدين، ترتفع بدورها تبعًا لذلك. وبحسب المعطيات التي صدرت على مدار الـ15 عامًا الماضية، فإن معدل نمو القروض التي منحتها تلك المؤسسات للقطاع الخاص وصل إلى 40 في المئة، بينما اتسع إجمالي التمويل الخارجي للضعف بشكل سريع ومتلاحق.
ولا شك أن هذا الأداء الذي كما ترون رائعًا، سيستمر على هذا المنوال فيما تبقى من العام 2018؛ وذلك لأن البنك الدولي للإنشاء والتعمير، والمؤسسة الدولية للتنمية التابعين للبنك الدولي كما أوضحنا، قد رفعتا حد الائتمان الذي ستفتحه لتركيا في هذا العام إلى 1.6 مليار دولار. أي أن المؤسستين ضاعفتا لتركيا إمكانية الحصول على قروض.
كما أن مؤسسة التمويل الدولية التي منحت العام الماضي قرضًا بقيمة 1.9 مليار دولار، تنتظر هذا العام حدوث زيادة في هذه الأرقام.  ومن الجدير بالذكر أن هذه المؤسسات لا تمنح قروضها قليلة الفائدة، وطويلة الأجل للشركات الكبيرة مباشرة فحسب، بل يمكن أيضًا لعدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة المحتاجة أن تستفيد منها.
ويمكننا في هذا السياق أن نعقد مقارنة توضح بشكل ملموس مدى ملائمة شروط القروض التي تمنحها تلك المؤسسات المذكورة أعلاه. فعلى سبيل المثال في شهر يونيو الماضي، مُنحت مؤسسة تخزين الغاز الطبيعي في توزغولو التابعة لشركة " بوتاش"  التركية لنقل النفط عبر خطوط الأنابيب، قرضًا إضافيًا يقدر بـ600 مليون دولار بفترة سماح 7 سنوات من مدة سداد القرض التي تبلغ 22.5 العام. وذلك لأن البنوك الخاصة التركية لم تقرضها بسبب عدم حصولها على مكاسب. وفي شهر يونيو الذي منح فيه هذا القرض، كانت فوائد الخزانة التركية على سندات اليورو، في حدود معدل الـ7.5 في المئة.

ولا شك أن سبب كتابتي لهذا المقال، ليس تسليط الضوء على قيمة المؤسسات الدولية كالبنك الدولي، وإنما للحديث عن احتمال انقطاع وتوقف القروض القادمة من المؤسسات المالية التي تقوم على أساس حقوق الإنسان ومحاربة الفاشية. وذلك لأن السياسة اقتصاديًا قد تصبح بمرور الوقت سلاحًا أكثر أهمية، وتصبح قوة مالية في ذلك العالم الذي بات متشابكًا. وبالتالي فإن الدول التي تضع القواعد بما تملكه من قوة مالية، ستجد الفرصة مواتية لمزيد من توجيه المؤسسات الدولية المنضوية تحت سقف الأمم المتحدة، بشكل يخدم مصالحها، ومصالح شعوبها هي.

 

أما النموذج الأخير، فهو التطورات المتعلقة بقضية القس الأميركي، أندرو برانسون المعتقل في ولاية إزمير، غربي تركيا على خلفية الاتهامات الموجهة له في إطار قضية جماعة "فتح الله غولن". فتركيا لم تحقق طلبًا صريحًا للولايات المتحدة تقدمت به بشأن القس، ولا حتى مطالب الرئيس، دونالد ترامب، التي وجهها للرئيس رجب طيب أردوغان من خلال حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر".

 

ومقابل الموقف التركي، جاء تهديد من 6 نواب بالكونغرس الأميركي، يطالبون من خلال مقترح قانون قدموه، بفرض حصار مالي على تركيا. وأوصى النواب بتطبيق هذا الحصار من خلال وقف القروض الممنوحة من المؤسسات المالية الدولية التي قدمت لتركيا حتى اليوم قروضًا تبلغ قيمتها ما يقرب من 50 مليار دولار.
وبحسب ما قاله إلهان تانير، من موقع "أحوال تركية"، فإنه طُلب بمقترح القانون المذكور "التحرك من أجل تعزيز حقوق الإنسان في تركيا، وإعادة تأهيل حقوق الإنسان الدولية بالشكل الذي تقتضيه شروط انضمام الدول لاتفاقيات حقوق الإنسان الدولية ذات الصلة. فضلا عن إعادة النظر في العلاقات مع تركيا في العديد من الموضوعات الأخرى كالعلاقات المالية، بما في ذلك مسألة القروض التي تقدم لها".
وإذا كان مشروع القانون يتضمن انتهاكات حقوق الإنسان بشكل عام، فهناك مطالب باستمرار فرض الحصار على تركيا لحين إطلاق سراح القس برانسون، واثنين آخرين من العاملين في القنصلية الأميركية بأنقرة، ويحملان الجنسيتين التركية والأميركية، وهما معتقلان في إطار ذات القضية. ولهذا السبب فإنه من غير المعلوم كيف سيكون تأثير ذلك على مسألة تعزيز حقوق الإنسان في تركيا، ومدى تأثيره على تليين نظام أردوغان الذي تشكل على أساس السلطة المطلقة بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها البلاد، في شهر يونيو الماضي. وعلى أية حال من الممكن أن النظام التركي يسعى لاستغلال قضية القس برانسون للمساومة، وفي نهاية المطاف سيطلق سراحه بعد أن يصل إلى الغرض الذي يريده.

 

ومن جانب آخر فمن المؤكد أن فلسفة مؤسسات التمويل التي تحدثنا عنها في معظم المقال، وأهميتها بالنسبة للاقتصاد التركي، تشير بشكل جلي إلى أن هذه المؤسسات ستخضع للتوجيهات الأميركية، وتشارك في حصار واشنطن على تركيا؛ وذلك لأن هذه المؤسسات كما تعلمون لا تعمل إلا بإمرة البيت الأبيض. ومما يؤكد هذا الاستنتاج هو أن البنك الدولي الذي يعتبر أكبر مانح قروض لتركيا، يدار من قبل رئيس تعينه الحكومة الأميركية. كما أن جهاز اتخاذ القرار والمساهمة بالبنك، تشكل أغلبية أصواته الولايات المتحدة، والدول الصناعية الـ7 الكبرى.
كما أن صندوق النقد الدولي الذي اضطرت تركيا للاقتراض منه، من حيث إدارته لا يختلف كثيرًا عن البنك الدولي، باستثناء بعض التفاصيل الصغيرة. ومن ثم فإن قضية القس برانسون التي تبدو كجزء لا يتجزأ من انتهاكات حقوق الإنسان، تشكل تهديدًا كبيرًا بالنسبة لعشرات آلاف الشركات بما في ذلك شركة علي بك رجل الأعمال المقيم في ولاية بورصة، وكذلك تعتبر تهديدًا بالنسبة للأوضاع المالية التركية، أي أن هذا التهديد لن يكون قاصرًا على الإدارة التركية الجديدة فحسب.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: