نيك آشدون
أكتوبر 14 2018

قضية برانسون أسهل الخلافات التي يمكن حلها بين أنقرة وواشنطن

 

أفرجت محكمة تركية الجمعة عن القس الأميركي أندرو برانسون، الذي قبع في السجن لمدة عامين بتهم الإرهاب، وقضت المحكمة عليه بالسجن للمدة التي قضاها في السجن بالفعل ورفعت حظر سفره حتى يتمكن من العودة إلى الولايات المتحدة.
وقال هوارد ايسنستات الأستاذ في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة سان لورانس والخبير في شؤون تركيا في مشروع بشأن الديمقراطية في الشرق الأوسط "إطلاق سراح برانسون اليوم هو محل ترحيب، كان متهماً دون وجه حق والأدلة ضده كانت فوضى درامية منذ البداية. في هذا الوضع هو مثل عشرات آلاف الأشخاص الآخرين الذين تم احتجازهم ومحاكمتهم بشكل غير عادل في تركيا".
تراجع ثلاثة من شهود الادعاء عن أقوالهم السابقة في جلسة المحاكمة، قائلين إن شهاداتهم إما أسيء فهمها أو أنها ظرفية أو متحيزة.
وبرانسون إنجيلي يبلغ من العمر 50 عاماً وهو أب لثلاثة أبناء من ولاية نورث كارولاينا الأميركية عاش في تركيا لأكثر من 20 عاماً وقد تم احتجازه في البداية في أكتوبر عام 2016، واعتقاله رسمياً في ديسمبر بتهم الإرهاب والتجسس والتورط في محاولة الانقلاب الفاشل التي جرت في وقت سابق من ذلك العام. وبات رهن الإقامة الجبرية في يوليو الماضي. وواجه في بادئ الأمر عقوبة تصل إلى السجن لمدة 35 عاماً.
واعتبر الخبراء قضية برانسون محاكمة سياسية استعراضية تستخدمها أنقرة كوسيلة للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة وتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومؤيدوه الإنجيليون كقضية مثيرة للجدل. وأصبحت القضية مثالاً على التدهور المثير للعلاقات بين واشنطن وأنقرة.
واستندت لائحة الاتهام في الغالب على ادعاءات شريرة من شهود سريين، الذين يصرون على أن طائفة المورمون (وهي طائفة دينية منفصلة عن طائفة برانسون الإنجيلية وغالباً ما تكون على خلاف معها)، تتآمر بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الاتحادي ووكالة الأمن القومي من أجل تحقيق النهاية التوراتية في تركيا.
وقال ايسنستات "لا يوجد شيء (في المحاكمة) يمكن أن (يصمد) في أي محكمة بالولايات المتحدة. أساس ادعاءات يتراوح ما بين الشائعات إلى الشعور بالذنب من خلال الارتباط بالخيال الجامح".
وقد شملت هذه الادعاءات عبارات من شاهد سري جديد عن رؤية زوجة برانسون في الآونة الأخيرة في تجمع مسيحي الأمر الذي جعل الشاهد يشعر "بعدم الارتياح".
وقال إسماعيل جيم هالافورت محامي برانسون لموقع (أحوال تركية) يوم الخميس "أدلى الشهود السريون الجدد بتصريحات سخيفة. لقد ذكروا قضايا لا علاقة لها بأندرو بأي حال".
وشعر كثير من المسؤولين والمراقبين بتفاؤل حذر بشأن إطلاق سراح برانسون بعد تسريبات يوم الخميس مفادها أن أنقرة وواشنطن أبرمتا صفقة سياسية تشمل تخفيف الضغط الاقتصادي الأميركي على تركيا.
وقال ايسنستات لموقع (أحوال تركية) "أحد الأسئلة الرئيسية التي يطرحها الإفراج عن برانسون هو ما حصلت عليه الحكومة التركية في المقابل: ثمة عدد هائل من القضايا المطروحة على الطاولة".
وتابع قائلاً "كانت حكومة الولايات المتحدة محقة في الضغط على تركيا لإطلاق سراحه. من المؤسف أنهم لم يبذلوا جهوداً مماثلة للفوز بالإفراج عن مواطنين أميركيين آخرين محتجزين في تركيا أو عن موظفين قنصليين أميركيين (تم سجنهم قبل عام بتهم سياسية)".
وقال عمر تاسبينار الأستاذ في كلية الحرب الوطنية الأميركية والزميل البارز في معهد بروكنجز في واشنطن إن وجود صفقة سياسية في حد ذاته يضرب مثالاً على النظام القضائي التركي المخترق سياسياً، على الرغم من مزاعم الرئيس رجب طيب أردوغان الكثيرة على عكس ذلك.
وأضاف تاسبينار "إذا خرج إلى العلن وجود صفقة مقابل شيء ما، فإن ذلك يثبت أن... القضاء في تركيا ليس مستقلاً في حقيقة الأمر، وأن الأمر في الأساس مجرد أن أردوغان يتخذ قرارات بشأن من سيبقى في السجن ومن سيخرج".
وفي البداية كان من المتوقع إطلاق سراح برانسون في يوليو وسط تقارير عن التوصل إلى صفقة، لكن القس لم يطلق سراحه سوى من السجن إلى الإقامة الجبرية، وهو ما وصفه ترامب وهو غاضب بأنه "عار كامل" ووصف برانسون بأنه "رهينة".
وردت واشنطن بفرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل في تركيا وضاعفت الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم التركية، التي تعد الولايات المتحدة أكبر سوق لها. وعانى الاقتصاد التركي الهش بالفعل إلى حد كبير، حيث خسرت الليرة على الفور 18 في المئة من قيمتها قبل أن تتعافى بعض الشيء.
ويقول الخبراء إن قضية برانسون هي في الواقع أسهل الخلافات العديدة التي يمكن حلها بين تركيا وحليفتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإن الإفراج عن برانسون الذي طال انتظاره لا يحل هذه الأزمة الثنائية.
وقال نيكولاس دانفورث المحلل السياسي البارز المتخصص في شؤون تركيا بمركز سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي في واشنطن "الفكرة القائلة بأن العلاقات سوف تسير بسلاسة الآن بعد إطلاق سراحه، أعتقد أنها مسرفة في التفاؤل. إنه خيار بين الاختلال الوظيفي والكارثة المطلقة في هذه المرحلة... إطلاق سراح برانسون ضروري لكنه غير كاف لمواصلة العلاقة العملية بين الولايات المتحدة وتركيا".
وقال ايسنستات "برانسون هي القضية السهلة... هذه هي القضية التي دفعت واشنطن إلى التساؤل عما إذا كانت تركيا تريد علاقة على الإطلاق، لا سيما أنها غير مبررة وكانت سهلة الحل".
وتدهورت العلاقات بسرعة في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، عندما اتهم المسؤولون الأتراك الولايات المتحدة، دون أي دليل، بالتورط في المحاولة وطالبوا واشنطن بتسليم عدو أردوغان اللدود رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن. اقترح أردوغان في وقت لاحق مبادلة غولن مقابل برانسون.
الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي لا تصنفه تركيا فحسب كجماعة إرهابية بل والولايات المتحدة أيضاً، لم يكن مفيداً للعلاقات. وكذلك لم يكن مفيدا دعم أنقرة للجماعات الجهادية المسلحة في سوريا، واستعدادها للسماح لتنظيم الدولة الإسلامية بالعمل على أراضيها وانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في أعقاب محاولة الانقلاب، بما في ذلك سجن عالم بإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) وموظفين أتراك من القنصلية الأميركية باتهامات واهية.
كما أدت سياسات إدارة ترامب في المنطقة، التي لا تحظى بشعبية في تركيا، إلى تفاقم التوترات.
وقال دانفورث "الخط الذي سلكته الإدارة في الشرق الأوسط - وهو مضاعفة دعمها لإسرائيل والمملكة العربية السعودية ومصر في مواجهة إيران - يجعل من الصعب بشكل متزايد إيجاد أرضية مشتركة مع تركيا".
وفي الصيف الماضي، أرجأ الكونجرس الأميركي تسليم طائرات مقاتلة من طراز إف-35 إلى تركيا رداً على شراء أنقرة لنظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي إس-400.
وقال دانفورث "هناك الكثير من الأشخاص في الكونجرس الذين كانوا واضحين إلى حد أنه إلى حين أن تلغي تركيا عملية شراء نظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي إس-400، فإنهم لا يريدون أن تحصل تركيا على طائرات مقاتلة من طراز إف-35... سيكون من الصعب التغلب على هذا الأمر". وشدد دانفورث على أن الانزعاج من تركيا واسع الانتشار في الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وتابع دانفورث قائلاً "لقد قام أردوغان بعمل رائع لتوحيد الطيف السياسي في الولايات المتحدة. يرى الناس في اليسار (قضية برانسون) كقضية لحقوق الإنسان والديمقراطية، ويرى الناس في اليمين والطائفة الإنجيلية ذلك كمسألة كبرياء أميركي أو قضية مسجون مسيحي في بلد مسلم".
وأضاف دانفورث "تركيا لديها عدد قليل جداً من المدافعين الباقين في أي مكان في واشنطن. لقد بدأ الناس في الولايات المتحدة على نحو متزايد في رؤية تركيا كدولة تعمل ضد مصالحنا".
ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود عقبات كبيرة، فإن إطلاق سراح برانسون يمثل على الأقل خطوة نحو حل القضايا الأساسية أكثر بين الحليفين الصوريين، على حد قول دانفورث.
واختتم دانفورث بقوله "إنه يمنحنا الفرصة للتأقلم وللحفاظ على علاقة محبطة ولكن فعالة باعتدال".
 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/andrew-brunson/turkish-court-frees-american-pastor-issues-remain-united-states
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.