قضية خاشقجي تكشف التنسيق بين المخابرات التركية والإعلام القطري

أنقرة - تستمرّ حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمحاولاتها للاستثمار سياسيّاً في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، وتسعى إلى الضغط على المملكة العربية السعودية وتشويه صورتها عالمياً.

وأظهرت تفاصيل وملابسات قضية مقتل خاشقجي تنسيقاً عالي المستوى بين جهاز المخابرات التركي وجهاز المخابرات القطري، والوسائل الإعلامية التابعة لقطر، حيث تمّ تسريب تفاصيل مقتل خاشقجي، إلى الإعلام القطري الذي بدأ بتوظيفها واستخدامها لتشويه ولي العهد محمد بن سلمان بشكل خاص، والسعي إلى ضرب مشروعه في السعودية والمنطقة. 

وألقت التفاصيل المسربة للإعلام القطري من قبل المخابرات التركية مدى التبعية تلك الوسائل لأجهزة المخابرات، عبر إلغاء الحدود الفاصلة بين الإعلام والمخابرات، والتحرك بناء على أوامر مخابراتية، وتحويلها إلى أدوات ضغط وابتزاز وتشويه. 

ولجأت السلطات التركية إلى أسلوب الابتزاز والتشويه من خلال التسريبات، تعاملت كجماعة ضغط أكثر من كونها دولة ذات مؤسسات وقضاء، ما ألقى ظلالاً من الشكوك على غاياتها التي لم تتمثل في كشف النقاب عن الحقيقة، ذلك أّن تركيا تعدّ من أسوأ الدول في حرية الصحافة، وفي استهداف الصحافيين المعارضين، حيث اغتيل في عهد أردوغان منذ تسلم حزبه السلطة في 2002 حتى الآن 7 صحفافيين معارضين له، كما تمّ سجن العشرات، والتضييق على وسائل إعلامية معارضة.

كما كشفت ملابسات التوظيف السياسي والإعلامي عن مساعي تركيا لإظهار نفسها وحليفتها قطر محاميتين عن حقوق الإنسان، والإشارة إلى ما وصفته بـ"التجني" من قبل السعودية على قطر بمقاطعتها لها مع عدد من الدول العربية بعد اتهامها بدعم الإرهاب في المنطقة. 

وحرصت الحكومة التركية منذ الإعلان عن التسريبات والتسجيلات على عدم إعطائها وتسليمها لأيّة جهة دولية، واكتفت بالتأكيد على أنّها أسمعت مسؤولين في عدة دول وأوروبية، ومسؤولين في  أجهزة المخابرات في تلك الدول عليها، من دون إعطائها نسخاً عنها.

وأثار ذلك التساؤلات والشكوك بخصوص ذلك، حيث أنّ التسجيلات نفسها تدين السلطات التركية، وتؤكّد على خرقها للأعراف والقوانين الدبلوماسية الدولية، بتجسّسها على قنصليات وبعثات دبلوماسية دولية على أراضيها، وهذا ما يتنافى مع اتفاقية فيينا التي دعا أردوغان مراراً في خضم هذه القضية إلى تغييرها وتحديثها. 

وكان أردوغان عبّر عن اعتقاده بـ"أن اتفاقية فيينا حول حصانة المقرات الدبلوماسية أصبحت على المحك الآن"، كما قال "اتفاقية فيينا لم تمنح إمكانية استجواب العاملين في القنصلية وينبغي إعادة النظر فيها".

واتفاقية فيينا تنظم العلاقات الدبلوماسية بين الدول وسبل المحافظة عليها، وآليات التعامل مع التجاوزات بحق الدبلوماسيين أو مقراتهم، وتنص في مادة من موادها على "حرمة مباني البعثة الدبلوماسية"، وتوجب "على الدولة المضيفة حماية المقر من التسلل أو الضرر".

وهذا ما يدين أنقرة - بحسب ما تشير المعطيات - التي حصلت على الأدلة والتسجيلات بطريقة غير قانونية، ويضعها في مأزق دبلوماسي دوليّ، ويفقد الثقة الدولية بها، وقد يؤدّي إلى انسحاب بعثات دبلوماسية من أراضيها إذا ثبت عليها ذلك، ومن هنا فتسعى إلى تسريب التسجيلات من دون أن تسلمها لأحد بطريقة واضحة ومباشرة. 

لم تفلح جهود أردوغان في تدويل القضية.
لم تفلح جهود أردوغان في تدويل القضية.

كما سحبت النيابة العامة السعودية البساط من تحت أقدام السلطات التركية من خلال إدانتها لـ11 من المتورّطين في القضية، والحكم على 5 منهم بالإعدام. 

ولم تفلح جهود أردوغان في تدويل القضية، رغم محاولة الدعوة إلى تحقيق دولي، ذلك أن التحقيق السعودي كشف عن المتورطين وأعلن عنهم، ما يفقد دعوة أنقرة مضمونها وجدواها. 

وأعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير رفض السعودية الاقتراح التركي بإجراء تحقيق دولي في قضية مقتل الصحافي.

وقال الجبير "هذا أمر مرفوض، المملكة العربية السعودية لها جهاز تحقيق"، مضيفا "القضية الآن أصبحت قضية قانونية ويتم التعامل معها من قبل القضاء في المملكة العربية السعودية".

كما قال ردا على سؤال حول الأمير محمد "لم يكن لولي العهد أي دور في هذه المسألة".

وأكّدت النيابة العامة السعودية الخميس أن الصحافي جمال خاشقجي حقن "بجرعة كبيرة" من مادة مخدرة قبل أن يتم تقطيع جثته في القنصلية السعودية في إسطنبول. 

وبعد أسابيع من التحقيقات، قال وكيل النيابة العامة السعودية شلعان الشلعان في مؤتمر صحافي في الرياض ردا على سؤال حول احتمال تورط ولي العهد، إن نائب رئيس الاستخبارات السابق، في إشارة الى أحمد العسيري الذي أعفي من منصبه، أمر بإعادة خاشقجي الى السعودية "بالرضى أو بالقوة"، وأن رئيس فريق التفاوض في موقع الجريمة أمر بقتله، من دون أن يكشف عن هويته.

وبعد مقتله، "تمت تجزئة" جثته "من قبل المباشرين للقتل وتم نقلها إلى خارج مبنى القنصلية"، وتسليمها إلى "متعاون" لم تحدّد هويته، لكن الشلعان قال إنه تم التوصل إلى "صورة تشبيهية" له.

وقال بيان للنائب العام السعودي إنه من بين 21 موقوفا على ذمّة القضية، تم "توجيه التهم إلى 11 منهم وإقامة الدعوى الجزائية بحقهم، وإحالة القضية للمحكمة مع استمرار التحقيقات مع بقية الموقوفين للوصول إلى حقيقة وضعهم وأدوارهم".

وطالبت النيابة العامة "بقتل من أمر وباشر جريمة القتل منهم وعددهم خمسة أشخاص وإيقاع العقوبات الشرعية المستحقة على البقية".

وفي أول ردود الفعل، رأت فرنسا أن تحقيق النيابة العامة السعودية في الجريمة "يسير في الاتجاه الصحيح".

وأعلنت الولايات المتحدة الخميس فرض عقوبات اقتصادية على 17 سعودياً من المتهمين بالضلوع في قتل خاشقجي بينهم مقربون من ولي العهد محمد بن سلمان.

وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أكد الأحد لوليّ العهد السعودي إصرار واشنطن على محاسبة المسؤولين عن مقتل الصحافي، مشدّداً على وجوب "أن تفعل الرياض المثل".

وأكد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون الثلاثاء نقلا عن جهات استمعت إلى التسجيل الصوتي المرتبط بقتل الصحافي، أن التسجيل لا يشير إلى تورط ولي العهد السعودي بالعملية.

وفي بيانه، دعا النائب العام السعودي أيضا تركيا الى التوقيع على آلية تعاون خاصة بالتحقيقات في قضية مقتل الصحافي، مطالبا أنقرة بتسليمها الأدلة و"كافة التسجيلات الصوتية" التي تمتلكها.

وأوضح النائب العام إن الرياض تدعو المسؤولين الأتراك الى "تزويدها بالأدلة والقرائن التي لديهم ومنها أصول كافة التسجيلات الصوتية التي بحوزة الجانب التركي المتعلقة بهذه القضية، وأن يتم توقيع آلية تعاون خاصة بهذه القضية مع الجانب التركي".

وجاءت الدعوة السعودية هذه غداة مطالبة وزير الخارجية التركي بإجراء "تحقيق دولي".وسيقام مجلس عزاء عن خاشقجي من الجمعة إلى الأحد في منزله في جدة، حسب ما أعلن صلاح خاشقجي، نجل الصحافي، في تغريدة على تويتر.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.