قضية متنزه "غيزي" ودور جماعة "غولن" فيها

كما كان منتظرًا ومتوقعًا قبلت المحكمة مذكرة الادّعاء العام التركي التي أعدها بشأن قضية متنزه "غيزي" بمدينة إسطنبول. وإنه لمن السذاجة بمكان مجرد التفكير في قيام محكمة تركية برفض مذكرة ادّعاء يكون المدّعي والشاكي الأساسي بها الرئيس، رجب طيب أردوغان.
و تعود أحداث هذه القضية للعام 2013 عندما خرج مئات الآلاف من الأشخاص في مسيرة بإسطنبول؛ للاحتجاج على خطة حكومية كانت ترمي لتشييد مبنى على الطراز العثماني على أرض متنزه "غيزي" الواقع وسط المدينة. وتحولت الاحتجاجات إلى مظاهرات في أنحاء البلاد ضد الحكومة، وضد أردوغان الذي كان رئيسًا للحكومة آنذاك.
وتعتبر هذه القضية واحدة من سلسلة نماذج لقضايا سياسية أخرى  كانت فيها الجمهورية التركية الشابة نموذجًا للاتحاد الروسي، وتحديدًا لنظام جوزيف ستالين آنذاك. فعلى غرار قضية "غيزي"، كانت هناك قضية أخرى متعلقة بمحاولة اغتيال مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، في مدينة إزمير عام 1926. وما لبث أتاتورك أن قام بتصفية كافة الطوائف المناوئة له وإخراسها على خلفية هذه القضية التي سجلها التاريخ على أنها كانت المحدد والمَعْلَم الذي تشكل في ظله النظام السياسي لتركيا، فضلا عما كان لها من تداعيات وتأثير كبير على الأشخاص الذين تضرروا منها.
وكان للأمر بعدًا آخرًا لدى ستالين داخل المحاكم وجلسات المحاكم بموسكو. إذ كان يجعل رفاقه السابقين يقرون بارتكاب كافة الجرائم المتعلقة بممارسة عمليات تعذيب غير إنسانية بحق مواطنين.
أما تركيا فقد واصلت استخدام سلسلة هذه النوعية من القضايا السياسية غير القانونية لإخراس وتحييد شيوعيي، ومسلمي، وأكراد تلك الفترة.
وخلال الفترة المبكرة من عمر الجمهورية التركية، تم تغيير قانون "الخيانة الوطنية"، وإغلاق الصحف التي كانت تنشر موادا مناهضة لمبادئ الثورة، كما تمت معاقبة أصحابها ومن يكتبون فيها، وتم كذلك إصدار قانون "تقرير السكون"، وأُعيد تشكيل محاكم الاستقلال.
وجاء في قانون "تقرير السكون" أنه يحق للحكومة وبعد موافقة رئيس الدولة، منع وإلغاء نشاطات جميع الأحزاب، والجميعات، والصحف التي تنال من أمن الدولة، وتؤدي إلى تغيير النظام أو التي لها علاقة مع الحركات "الرجعية".
ومن المؤكد أننا إذا قلنا إن تاريخ الجمهورية التركية هو نفسه تاريخ مثل هذه القضايا السياسية، فلسنا مخطئين في ذلك. ولعلّ قضية متنزه "غيزي" ستأخذ مكانها في صفحات التاريخ كنموذج لن ينسى من نماذج هذه القضايا. وسيذكرها التاريخ على أنها قضية سياسية جوفاء.
والجانب الصادم من هذه القضية هو أنها بدأت كمبادرة مشتركة بين حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، وجماعة فتح الله غولن، التي بات لها ضحايا اليوم على يد النظام الحاكم. إذ أن المدعي الرئيس الذي كان يشرف على نظر القضية، هو معمر آقّاش المنمتمي للجماعة، والهارب حاليًا خارج البلاد بسبب مطاردة النظام له. وكافة المكالمات الهاتفية الملحقة بالقضية اليوم كأدلة إثبات، هي التي جمعها المدّعون العامون، وعناصر الشرطة التابعين لجماعة "غولن" أيضًا.
وبحسب معلومة نشرتها الصحفية التركية، توغجه تتاري، على حسابها الشخصي بموقع "تويتر"، فإن ملف القضية به دليل إثبات مثير بحق أحد المتهمين وهو المتهم أحمد علي آلابورا. ودليل إثبات اتهامه بالقضية هو أنه تراجع عن المشاركة في حفل كان من المقرر أن يتسلم فيه جائزة من والي إسطنبول في تلك الفترة، حسين عوني موطلو، ورأت جهات التحقيق أن هذا التصرف دليل إدانة له، وإثبات أنه أحد المسؤولين عن تنظيم احتجاجات "غيزي". والأكثر إثارة في الموضوع أن الوالي السابق حسين عوني موطلو نفسه تم اعتقاله بعد المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، ومحاكمته على خلفية اتهامه بالانتماء لجماعة "غولن".
وخلال الفترة التي شهدت احتجاجات "غيزي" كان حزب العدالة والتنمية، والجماعة يعملان معًا بشكل وثيق. إذا قامت الجماعة من خلال عناصرها النافذة في الشرطة والقضاء، بالتنصت على هواتف المواطنين بشكل غير قانوني، واستخدمت هذه القوة المتاحة لديها لردع طوائف من المجتمع لم تذعن لها، ولا تفكر بالطريقة التي تفكر بها هي.
نعم، الجماعة اليوم تعتبر هدفًا لإرهاب دولة قلما نجد له مثيلًا في تاريخ السياسة التركية. لا سيما أن القاعدة العريضة التي لا حول لها ولا قوة من هذه الجماعة هي التي تدفع الثمن الأكبر لما قامت به الجماعة من تجاوزات، خلال تعاونها مع الحزب الحاكم عندما كانت تتحكم بزمام عدد من الأجهزة السيادية. فهناك الآن آلاف من الأمهات منتميات للجماعة موجودات مع أطفالهن الرضع في السجون. فالنظام القائم لا يفرق في معاقبته لكافة أطياف الجماعة بين رجل أو امرأة، ولا بين شاب أو مسن.
لكن حريّ بنا ألا نقول "كافة أطياف" لأن هناك كثير من رجال الأعمال التابعين للجماعة بايعو النظام ودفعوا الثمن نقدًا، مقابل استمرار حصانتهم وعدم المساس بهم. أما صحفيو الجماعة، وأنصارها من الناس العاديين فهم الضحايا. وهذه حقيقة ماثلة أمامنا يراها ويقبل بها كل إنسان يمتلك ضميرًا حيًا. لكن الوجه الآخر للقضية هو: الطوائف التي كانت من ضحايا الجماعة.
فكما قلت من قبل، وأكرر من جديد التأكيد على أن تاريخ الشراكة بين جماعة "غولن"، وحزب العدالة والتنمية، هو في نفس الوقت تاريخ ممارسات خاطئة ارتكبت بحق من ليسوا مثلهم، ولا يفكرون بنفس طريقتهم، وفي مقدمة هؤلاء العلويون والأكراد.
ومن المعروف للجميع أن للجماعة مواقف متعددة في مساحة واسعة تمتد من بداية تسريب مفاوضات أوسلو بين حكومة العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني وحتى العمليات التي شنها  اتحاد المجتمعات التركية (KCK). لكن الحقيقة التي يجب أن تبقى خالدة في الذاكرة، هي أن موقف الجماعة اليوم لا يحمل في طياته أية مكاشفة ومواجهة لما ارتكبته من ممارسات في الماضي.
لكن من غير المعروف ما إذا كانت هذه الممارسات التي قامت به الجماعة قد تمت في ضوء تعليمات الرئيس، رجب طيب أردوغان، أم بدعم من الأشخاص الذين كانوا يحملون صفة "إمام" القاضي، و"إمام" الوالي. غير أنه من المؤكد والمعروف جيدًا أن الجماعة لا تتحدث سوى عن ضحاياها، ولا تلقي بالًا لأية طوائف أخرى تعرّضت لظلمها.
وإذا كانت تركيا ستخرج من هذا المستنقع الذي سقطت فيه، وتؤسس نظامًا ديمقراطيًا صحيًا سليمًا، ونظامًا قانونيًا يمكن الوثوق به، فإن ذلك لن يتحقق إلا من خلال دعم كل من يؤمنون بالديمقراطية، والقانون. وبالتالي إذا كان المنتمون للجماعة ينوون أن يكونوا جزءًا من هذا النضال، يتعين عليهم مواجهة أخطائهم التي ارتكبوها في الماضي القريب. وهذا شرط إن لم ينفذوه سيكون من المستحيل أن يكونوا مقنعين أو أن يعود لهم اعتبارهم.
وليبدؤوا هذه الخطوة بتوضيح "السبب في اعتبار رفض محمد علي آلابورا استلام جائزة من الوالي حسين عوني موطلو، دليل إثبات أنه أحد المنظمين لاحتجاجات غيزي؟".
وذلك لأن من يعجزون عن كشف أنشطتهم وممارساتهم التي قاموا بها من قبل، لن يكونوا صادقين في طلبهم كشف النقاب عما حدث خلال المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016؛ لا سيما أنهم متهمون بتدبيرها.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/gezi-iddianamesi/gezi-davasi-ve-cemaat
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.