قطاع الأحذية التركيّ على وشك الإغلاق

تلبي هطاي 25 في المائة من حاجة تركيا للأحذية، وفيها يقف مصنعو الأحذية حاليًا على حافة هاوية الإفلاس. وكانت الأزمة في قطاع صناعة الأحذية بدأت تزامنًا مع الحرب السورية، وتفاقمت مع ارتفاع سعر صرف الدولار. وأخيرًا، بلغت الأزمة ذروتها مع إعلان كبريات شركات الأحذية إجراءات الإفلاس.

وكانت هطاي قبل الحرب السورية تقوم بتصدير الأحذية إلى لبنان والأردن، ولا سيما سوريا، ولكن قطاع الأحذية فيها بات على وشك الإغلاق.

ففي محلة الإسكافيين حيث يوجد 400 من مُصنِّعي الأحذية يتم انتاج 20-25 ألف زوج من الأحذية يوميًا. وتتصدر هطاي قطاع انتاج أحذية الرجال بصفة خاصة في عموم تركيا؛ حيث تنتج 25 في المائة، وهناك 15 ألف شخص يعيشون من العمل بصناعة الأحذية؛ وعندما نضع في الاعتبار أسر هؤلاء العاملين يرتفع هذا الرقم إلى 20 ألف شخص يتعيشون من هذا القطاع.
دخل قطاع صناعة الأحذية في أزمة مع الهبوط والصعود المفاجئ في سعر صرف الدولار، وإغلاق المعابر الحدودية مع سوريا، ومؤخرًا وصل إلى نقطة الجمود تزامنًا مع إعلان كبرى شركات صناعة الأحذية إجراءات الإفلاس مثل شركات: هوتيج، وبيتا، وييشيل كوندوره. وقد استمعنا إلى التطورات الأخيرة في هذا القطاع من المنتجين وتجار الجملة والعاملين فيه.
ذكر أمين يلماز أحد تجار الأحذية بالجملة أن كل جزء في الأحذية بدءًا من الجلد وصولًا إلى الخيط والمسامير مرتبط بالدولار، وتحدث إلينا قائلًا: "لقد دمَّرتنا هذه المرحلة التي بدأت مع ارتفاع سعر الدولار. إنني أشتغل بهذا العمل منذ 44 عامًا. لقد مررنا بأوقات عصيبة. لكننا لم نشهد مرحلة سيئة بهذا القدر. كنت اشتريت حذاءً بـ 60-70 ليرة تركية. وبعد ذلك ارتفع سعره إلى 110 ليرات. لم نستطع الصمود. وقد انخفض الإنتاج." 

أيمين يلماظ.

وأكد يلماز أن هناك 25 صنفًا في الأحذية، وأن سعر كل واحد فيها قد زاد على حدة، ووصف الأزمة التي يعيشونها فقال:
"إن نعل الحذاء الذي اشتريه بـ 6 ليرات أصبح سعره 12 ليرة حاليًا. وبالتالي فإن التكلفة آخذة في الارتفاع. ونتيجة لذلك ترتفع أسعار البيع بالجملة. هناك زيادة متتالية ومتتابعة في الأسعار. لقد زاد سعر كل شيء بدءًا من المسامير حتى الغراء، ولكننا لا نستطيع رفع سعر البيع، لأننا لن نستطيع بيع المنتجات حينئذ."
وأوضح يلماز أن قطاع صناعة الأحذية تعرض لضربة كبيرة منذ الحرب السورية الدائرة منذ سبع سنوات، وأشار إلى أن معظم صادرات الأحذية إلى الدول العربية وعلى رأسها سوريا ولبنان والأردن كانت تتم من هطاي إلى هناك. وأضاف يلماز أنهم مع توقف الصادرات إلى الشرق الأوسط تعرضوا لخسارة عظيمة وحاول الصمود والبقاء بمشقة وصعوبة، وأفاد بأنه أوشك على التخلي عن العمل بصناعة الأحذية بسبب الصعود والهبوط المفاجئ في سعر الدولار منذ بضعة أشهر.
ويؤكد يلماز خلال كلامه أن من بين المشاكل الأخرى التي يتعرضون لها الشيكات التي لم يتمكنوا من صرفها، فيواصل حديثه هكذا:
"إن التعاملات النقدية لا تسري في قطاعنا. فمثلًا: عقدت صفقة بـ 50 ألف ليرة تركية. وكان الاتفاق يقضي بالحصول على 10 آلاف ليرة منها نقدًا مقدمًا لدفع رواتب العمال، بينما الباقي في صورة شيكات حساب مفتوح. وحاليًا لا أحد يرغب في العمل بالشيكات بسبب عدم استقرار السوق. أنا أيضًا ليس لدي نقد فماذا سأفعل. لذلك أصبحنا غير قادرين على الإنتاج."
وقد أكد يلماز أنه مع إعلان كبرى شركات صناعة الأحذية إجراءات الإفلاس وصل العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى نقطة الغرق. ويقول "هناك العديد من بائعي الأحذية بالجملة ينتجون لصالح الشركات الكبرى. لديهم جميعًا شيكات بقيمة 100-200 ألف ليرة. حيث تقوم الشركات بإعلان إجراءات التفليس، تعلن ذلك وتلجأ إلى الدولة ولا تدفع المستحقات التي عليها تجاه أي شخص. حسن، فماذا نفعل نحن، وإلى من نلجأ؟"
أما حسين دوغان أحد تجار الأحذية بالجملة فيشير إلى أن صناعة الأحذية هي العمود الفقري للحياة في هطاي، وأنها أكثر القطاعات الاقتصادية التي تأثرت سلبيًا بسبب الحرب السورية، ويبدأ حديثه بقوله:
"لقد استغلوا ارتفاع صرف سعر الدولار. إن لاصق النعل الذي كنت أشتريه بـ 165 ليرة أصبح 200 ليرة. وارتفع سعر الجلد على نحو مستقل، وكذلك الخيط. والآن فإنني أيضًا أضيف ربحًا على تكلفة الحذاء وأعرضه للبيع، ولكنه لا يُباع لأن سعره مرتفع."

حسين دوغان.

ويقول دوغان إن الدولة لا تحمي صغار التجار، وإنما تمد يدها إلى كبار التجار، ويضيف قائلًا:
"يوجد في خزانتي شيك مصرفي بقيمة 200 ألف ليرة تركية مستحق من شركة بيتا. وقد أعلنت بيتا إجراءات الإفلاس فتخلصت من السداد. من أين سأحصل أنا على هذا المبلغ في الوقت الراهن. إن تدفع بيتا تلك الأموال إليَّ أتمكن أنا أيضًا من سداد أجور العاملين وأشغل المحل. إنني على وشك الإغلاق تقريبًا."
ويشدد دوغان على أن صناعة الأحذية تقوم على التعامل بالشيكات، إلا أنه لم يعد هناك أحد يثق في الآخر بسبب أوضاع السوق، وأن هناك شيكات لدى العديد من التجار لما يحل موعد سدادها بعد، ويؤكد أنه في حال ظلت الشيكات في أيديهم ولم تُصرف فإن معظمهم سيصل إلى درجة الإغلاق مثله تمامًا. كما يحذر دوغان من أن هناك بعض الشركات لم تفلس وإنما أعلنت إجراءات الإفلاس كي لا تدفع ديونها فحسب. ويورد تلك التحذيرات المهمة قائلًا:
"إن شركة يشيل كوندوره شركة صناعة أحذية كبيرة. يمكن لصاحبها أن يشتري محلي هذا بثمن إطار واحد من إطارات سيارته. لقد أعلنت هذه الشركة إجراءات التفليس الآن. وقد قبلت الدولة هذا. فهل هم الأكثر تضررًا أم أنا العاجز عن دفع أجور العاملين؟ يجب على الدولة أن تضع رقابة وتفتيشًا على هذا."
وبيّن دوغان أن الدعم المالي الذي قدمته الدولة للتجار نفع كبار التجار أيضًا وكان لصالحهم، وقال "لا تريد الدولة المستحقات لمؤسسة التأمينات الاجتماعية للتجار والحرفيين وغيرهم من العاملين المستقلين، كشرط للقرض الائتماني. إنها تقول: لا، عليكم توظيف هذا القدر من العمال المؤمن عليهم ونعطيكم القرض الائتماني. هل هناك تاجر بدون ديون؟ لا أريد قرضًا إذا استطعت القيام بهذا أصلًا. إن الدولة تراعي حتى كبار التجار في هذا."
أما محمد أتيجي تاجر جملة في مجال جلود الأحذية فيبين أن الأحذية وباعة الجلود يعملون على أساس الحساب المفتوح والثقة، ويقول إن عدم سداد تجار الأحذية بالجملة للشيكات يؤثر عليهم مباشرة.

محمد أتيجي

ويؤكد أتيجي على ضرورة أن تكون هناك عقوبة على الشيك، ومقابلًا له في البنك، وأن تتخذ الدولة التدابير اللازمة حتى لا تقوم الشركات الكبرى بإعلان إجراءات التفليس حسب هواها.
ويشير أتيجي إلى أنهم يشعرون بالأزمة حتى النخاع بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار، وأن تجارة الجلود شراءً وبيعًا تقوم على الدولار تمامًا، ويضيف أنه مثل جميع التجار له مستحقات لدى السوق يجب تحصليها.
وممن طرقنا بابهم بسبب أزمة قطاع صناعة الأحذية في المدينة غوكهان أورال الذي يترأس غرفة التجار والحرفيين وصناع الأحذية في هطاي منذ 2010، فيبدأ حديثه موضحًا أن هذا القطاع مرتبط بالصادرات وبالتالي يركز على الدولار. ويلفت الانتباه إلى إن عدم الاستقرار في سعر صرف الدولار هبوطًا وصعودًا يؤثر في القطاع بأكمله مثل حادثة مرورية متداخلة.

غوكهان أورال.

كما يشير أورال إلى أن هطاي توفر فرصة عمل لـ 15 ألف شخص على الأقل، وهو ما يمثل 25 في المائة في هذا القطاع، ويواصل حديثه هكذا:
"الدولار هو المسيطر في مواد صناعة الأحذية من الجلد إلى النعال وحتى الخيوط. فالجلود الخام تأتي من أوكرانيا وتركمنستان وأذربيجان. وتباع المستلزمات الأخرى بالدولار. إن الجميع يريد العمل نقدًا بسبب انعدام الثقة في السوق. في مهنتنا يتم استخدام الشيكات الآجلة كثيرًا. لدينا الكثير من الأصدقاء أغلقوا محلاتهم نظرًا لأن الشيكات المستحقة لم يتم دفعها. وقدرتنا على حل المشكلات محدودة ليست مطلقة."
وتأكيدًا على أن القانون التجاري تسبب في معاناة للمنتج والمُصنِّعين يوضح أورال أن إعلان كبريات شركات صناعة الأحذية إجراءات الإفلاس جعل صغار التجار في مواجهة مباشرة مع الغرق والإغلاق.
"إن غرق صغار التجار لا يؤثر عليهم أنفسهم فحسب. إذا أغلق التجار محالهم أصبح العمال عاطلين، وتحولت الأسر إلى ضحايا. هناك العديد من الشركات المصنعة تواجه الحجز عليها من قبل البنوك."
هكذا يقول أورال، ويسجل ضرورة أن تأخذ الدولة الإجراء اللازم وبشكل عاجل قبل أن يتعرض القطاع إلى ضربة قاضية أخرى.
إن قطاع صناعة الأحذية ترتبط كل مراحله ببعضها البعض، وبينما باعة الجلود، وتجار الجملة على وشك رفع راية الإفلاس، يتحرق العمال من المشكلات والمعوقات المعيشة في الرواتب والمدفوعات الأسبوعية الناجمة عن حالة السوق والعمل غير المستقر في بيئة غير صحية تمثل مشكلة عامة في القطاع.
إن عمال صناعة الأحذية يبدؤون العمل بالتدريب في عمر الأطفال بصفة عامة، ولم يعد من المطلوب في أماكن العمل تحت السلم أن يكون العمال غير مسجلين. إن محلة الإسكافيين التابعة لـ “أنطاكيا" إحدى مراكز ولاية هطاي تتكون من قسمين. وينتشر على جانبي الشارع الذي توجد فيه المحلة مكاتب تجار الأحذية بالجملة.
وعند الولوج إلى المناطق الداخلية للمحلة عبر الممرات المهدمة المنهارة توجد الورش الصغيرة التي تعمل أعمالًا تجهيزية بصفة عامة. إذ يوجد في هذه المحلة التي تخلو من مطعم بل وحتى من مرحاض ما يقرب من 400 ورشة. ويعمل محمد قراجه في إحدى هذه الورش، ويقوم بخياطة الأحذية منذ أكثر من 20 سنة، أي إنه يواصل حياته كالساعة.
ويقول قراجه إنهم يعملون 13-14 ساعة، وأنه ليست لديهم حياة خارج هذا المكان، ويتحدث قائلًا:
"ليس لدينا ضمان اجتماعي، ولا مستقبل أيضًا. إنني أخيط الحذاء الواحد ب 5.50 ليرة. ويبيعه صاحب العمل بــ 60-70 ليرة. أما المتجر فيبيعه بــ 400-500 ليرة. إننا لا نستطيع الحصول على ثمن عملنا وتعبنا."

ويقول عز الدين هطاي أيضًا "سوف نخسر صحتنا في هذا العمل"، وهو واحد ممن بدؤوا العمل في صناعة الأحذية في سن الطفولة. ويؤكد أنهم يعملون مع المواد القابلة للاشتعال والطيارة وأن نسب إصابتهم بالأزمات القلبية عالية جدًا، ويتحدث قائلًا: "بالرغم من أننا نعمل في بيئة محفوفة بالمخاطر إلى هذا الحد إلا أننا بلا تأمين ولا ضمان اجتماعي. إن عدد المتقاعدين في هذه المهنة قليل جدًا. ليس لدينا مكان لتناول الطعام بشكل صحيح، ولا لدينا مرحاض، وينبغي علينا تنظيم ظروفنا في العمل."
ويلفت هطاي إلى أنهم يعانون مشكلة أخرى تتمثل في العمالة السورية، وأن أرباب العمل يفضلون السوريين أكثر من غيرهم نظرًا لرخص أجورهم، ويذكر:
"إنهم يهددوننا "إن لم تعملوا جئنا بعمال سوريين."؛ فنضطر إلى قبول بعض الشروط. إنني معلم للصنعة منذ 40 سنة، ودخلي السنوي لا يعادل الحد الأدنى للأجور إن قسمته على مدار السنة."
ويؤكد هطاي أن ارتفاع سعر الدولار، وإعلان كبرى شركات صناعة الأحذية إجراءات الإفلاس يؤثر عليهم بطريقة غير مباشرة، وأن دفع رواتب وأجور العمال يتأخر جراء عدم حصول أرباب العمل على مستحقاتهم، كما يشدد على أن النتاج المنخفض بسبب زيادة التكلفة ينعكس على الأموال التي يأخذونها.

أما أكرم درنكلي أحد العاملين في هذا القطاع فيوضح أن أبدانهم سرعان ما تبلى بسبب المواد الحارقة والطيارة التي يتعرضون لها، ويقول عن ظروف العمل:
"لا يمكنكم القيام بهذا العمل لمدة طويلة، يمكنكم القيام بذلك في سن معينة. إن هذه الحرفة متعبة بدنيًا وذهنيًا. لم يرفع أرباب العمل رواتبنا هذا العام. وقالوا لقد ارتفعت أسعار المواد الخام بسبب الدولار. لم يزيدوا قيمة المصنعية. وقالوا لنا "سنعمل إن تقبلوا العمل بهذا الشكل، وإلا فلن نعمل" فقبلنا مضطرين. إن لم نعمل نحن فسيعمل السوريون."
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/turkiye-ayakkabi-uretiminin-yuzde-25inin-yapildigi-hatay-konkordato-kiskacinda
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.