ذو الفقار دوغان
يناير 18 2019

قطر المستفيد من خصخصة أردوغان لمصنع دبابات قيمته 20 مليار دولار

شهدت تركيا أول مرة يتم فيها خصخصة منشأة عسكرية ذات أهمية استراتيجية وذلك عندما نقل المرسوم الصادر عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العشرين من شهر ديسمبر الماضي لحق تشغيل مصنع دبابات وطني في تركيا إلى شركة الحافلات التركية القطرية بي.سي.إم لمدة تصل إلى 25 عامًا.
وتركز النقد على ما يطلق عليه اسم مرسوم الخصخصة على مخاوف بشأن الأمن القومي. وطالب كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب المعارضة الرئيسي حزب الشعب الجمهوري أيضًا بمعرفة ما إذا كان قد تم إنشاء لجان للتحقق من قيمة المشروع الذي تمّت خصخصته، وما إذا كانت الصفقة مفتوحة للعطاءات علانية، وإذا ما كانت كذلك، فمتى حدث هذا وأين ولأي شركات، وإذا لم يكن هذا قد حدث فما هو السبب وراء عدم حدوثه.
لكن كيلجدار أوغلو ركز على وجود شركة أجنبية في واحد من أكثر المشروعات الدفاعية أهمية في تركيا والمسؤول عن إنتاج الجيل الجديد من دبابات ألتاي التركية الصنع. وطالب زعيم حزب الشعب الجمهوري بمعرفة الشروط التي اشترت بموجبها الحكومة القطرية 49.9 بالمئة من الأسهم في بي.إم.سي، وما إذا كان الجنود الأتراك الذين يشتركون حتى الآن في مشروع الدبابة ألتاي سيواصلون العمل على المشروع وتلقي الأوامر من الشركة القطرية.
ويُعد اشتراك الحكومة القطرية في الصفقة نقطة خلاف خطيرة بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح المعارض القومي، حيث أوضح الحزبان أن هناك مواطن ضعف محتملة يمكن أن يُسفر عنها اشتراك الحكومة القطرية في الصفقة. 
ويتمتع أردوغان بعلاقات وثيقة مع العائلة الحاكمة في قطر التي قدمت العام الماضي هدية للرئيس التركي عبارة عن إحدى طائرات كبار الشخصيات الخاصة والبالغ قيمتها 500 مليون دولار أميركي، كما ساعدت في حزمة إنقاذ تركيا من خلال وعد باستثمار 15 مليار دولار أميركي في الاستثمار المباشر عندما شهدت الليرة التركية هبوطًا حادًا في شهر أغسطس من العام الماضي. وهذا وحده يكفي لإثارة الشكوك في أن صفقة بي.إم.سي كانت عبارة عن نوع من السداد.
وأشار أنغين أوز كوتش نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري إلى خطر المشاكل التي قد تنتج إذا ما انقلبت هذه العلاقات الودية.
وقال أوز كوتش "في وقت ما كانت علاقاتنا بسوريا أيضا جيدة. فماذا سيحدث إذا ما تدهورت علاقاتنا مع قطر؟ ماذا سيحدث إذا ما اتخذ القطريون قرارًا ببيع حصتهم في الأسهم والبالغة خمسين بالمئة إلى اليونان أو أي دولة أخرى غير صديقة؟".
وتجاهل أردوغان الانتقادات، وشدد على أن الصفقة التي تمتد لخمسة وعشرين عامًا ولا تشكل خصخصة حيث إنه لم يتم بيع شيء – حتى وإن كان هذا يناقض المرسوم المكتوب الصادر في العشرين من شهر ديسمبر الماضي والذي يتعلق بشكل خاص بالخصخصة. وقال أردوغان إن المشروع سيوظف عشرة آلاف شخص وسيجلب استثمارات بمليارات الدولارات من قطر ومن دول أخرى، وسيُضيف قرابة خمسة مليارات دولار أميركي إلى الناتج المحلي الإجمالي لتركيا.
وتتطلب الظروف المحيطة بالصفقة، وكيفية اختيار شركة معروف عنها صلاتها الوثيقة بالرئيس التركي واختيارها بالنسبة مشروعاً حاسماً ومربحاً بدون طرحها في عطاء عام، فحصًا دقيقًا.
ونص المرسوم الصادر في العشرين من ديسمبر الماضي على أن عملية الخصخصة ستستمر حتى التاسع عشر من شهر ديسمبر من هذا العام. ومع ذلك، استغرق الأمر أقل من شهر ليُعلن أردوغان في الثالث عشر من يناير الجاري أنه تم تفويض بي.إم.سي لإدارة المصنع لمدة خمسة وعشرين عامًا. ومن ثم تم تحويل المصنع إلى بي.إم.سي بدون منح فرصة لأي شركات أخرى لتقديم عطاءات.
والعلاقات التي تربط أدهم سانجاك مالك شركة إم.بي.سي بحزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان معروفة. وسانجاك نفسه أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية وأحد رجال الأعمال الذين سطع نجمهم سريعًا منذ تولي الحزب السلطة في عام 2002.
وكان صندوق تأمين الودائع الادخارية في تركيا قد صادر بي.إم.سي بعدما تورط مالك الشركة السابق الملياردير التركي محمد أمين قره محمد في مشاكل بسبب أزمة البنوك في عام 2001.
ولم يواجه سانجاك أي منافسة عندما استحوذ على الشركة في شهر مايو من عام 2014، ودفع 751 مليون ليرة تركية، هو سعر يقل بمبلغ 231 مليون ليرة عن السعر الأصلي الذي حدده صندوق تأمين الودائع الادخارية في تركيا. وبعدما استحوذ على الشركة بأسابيع، باع نصف أسهم الشركة إلى حكومة قطر.
ومنذ ذلك الحين، تمتعت شركة بي.سي.إم بتدفق ثابت للطلبيات من قوات الأمن التركية والكثير من بلديات حزب العدالة والتنمية، حيث تزودها بالمركبات المدرعة ومدافع المياه والحافلات العامة.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرحب بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لدى وصوله لحضور اجتماع في إسطنبول
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرحب بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لدى وصوله لحضور اجتماع في إسطنبول

كما لم تكن بي.إم.سي هي الشركة الأصلية المشتركة في مشروع الدبابة ألتاي التي طورتها أوتوكار، وهي شركة فرعية تابعة لكوش القابضة، إحدى أكبر المجموعات الصناعية في تركيا. وبعدما منح أردوغان الضوء الأخضر للمشروع في عام 2007، قضت أوتوكار تسع سنوات في البحث وتطوير الدبابة، وحشدت حوالي مئة شركة محلية ودولية في العملية وذلك قبل إنتاج أول نموذج مبدأي من ألتاي والذي تم عرضه في المعرض الدفاعي الذي أًقيم في عام 2016.
وقال علي كوتش رئيس أوتوكار في ذلك الوقت "طالما لم تظهر مشكلة كبيرة جدًا، فإن جميع اختباراتنا كانت ناجحة وتجاوز أداء (الدبابة) توقعاتنا".
وقال "هذه ليست كلماتي لكنها كلمات القوات المسلحة. ومن وجهة النظر هذه، فإن تحويل المشروع إلى شركة أخرى سيؤدي إلى تراجع في إنتاج الدبابة بما بين ثلاث إلى خمس سنوات. ونحن نعتقد أن إنتاج أوتوكار للدبابة سيكون في مصلحة دولتنا".
وعلى الرغم من ذلك، ففي شهر أغسطس من عام 2016، وبعد أشهر من عرض النموذج المبدئي، أعلنت الصناعات الدفاعية في تركيا أن عطاء أوتوكار لإنتاج الدبابة تم رفضه.
وبدلًا من أوتوكار، وفي شهر أبريل من العام الماضي تم منح عطاء بقيمة 3.5 مليار دولار أميركي لتصنيع 250 دبابة ألتاي إلى بي.إم.سي، حيث اختيرت بدلًا من أوتوكار وشركة إف.إس.إس.إن الدفاعية.
وحصلت بي.إم.سي على "حوافز كبيرة" من الحكومة بما في ذلك إعفاء من الضرائب، ودعم على رسوم الجمارك، ورسوم التصدير، وفواتير الطاقة، وتكاليف البنية التحتية. كما خصصت أيضًا الدولة قطعة أرض في صقاريا في شمال غرب تركيا للشركة لبناء مصنع الدبابات الخاص بها.
وعلى الرغم من ذلك، فإن انتاج الدبابة تأخر لأشهر، وكان هذا التأخير على ما يبدو في البداية بسبب صعوبات اقتصادية. ثم جاء مرسوم أردوغان بمنح حقوق التشغيل لمدة 25 عامًا، بدون أية رسوم وبدون أي عطاءات منافسة، لمصنع دبابات عسكرية تبلغ مساحته 1,804 مليون متر مربع – وهي خطوة وفرت على بي.إم.سي نفقات ضخمة لإنشاء مصنعها.
وأدى قرار الخصخصة إلى اندلاع الاحتجاجات من قبل نقابة العاملين في الصناعات الدفاعية التركية والتي أشارت إلى أن الأرض التي تم تخصيصها لمصنع الدبابات حصل عليها الجيش في الأصل كهدية من شعب صقاريا في عام 1975، عندما منع حظر الأسلحة الذي فرضته الولايات المتحدة تركيا من شراء قطع غيار لدباباتها الأميركية الصنع.
وتساءل رئيس نقابة العاملين في الصناعات الدفاعية التركية يشار ياوز "ما مدى صحة تسليم هذه المنشأة على طبق من فضة إلى هؤلاء الناس لمدة 25 عامًا؟ ... ما مدى صحة هذا، ففي الوقت الذي قمنا فيه بعمل كل شئ لإعدادها لإنشاء الدبابة ألتاي، يتم تسليم المصنع لأشخاص ليس لديهم أي خبرة، أو فهم، أو صلة بهذا المجال؟".
والفائزون الواضحون هم فقط بي.إم.سي والشركاء من القطريين، والذين تم منحهم بطريقة ما حق تشغيل المصنع الذي ينتج جميع الحافلات التابعة للجيش بالإضافة إلى تحديثه للدبابات ليوبارد تي1 وتي2 وإم52 وتصنيع معدات أخرى. 
وبالإضافة إلى مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تنفقها إم.بي.سي لبناء مصنعها، فإن منحها أيضًا حقوق تشغيل لمدة 25 عامًا قد منحت الشركة عامين أو ثلاثة من الاستثمار، كما منحتها حق الوصول إلى الآلاف من العاملين من ذوي الخبرة في المكان بالفعل.
وإجمالًا، فإن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يبدو أنه أحسن التصرف بإرساله طائرة بقيمة 500 مليون دولار إلى أردوغان وحصل على مصنع تقدر قيمته بمليارات الدولارات في المقابل. وفي حين لم نرَ بعد أيًا من الاستثمار المباشر البالغ قيمته 15 مليار دولار أميركي الذي وعد به القطريون، فإن نصيبهم البالغ خمسين بالمئة من مصنع قيمته 20 مليار دولار يتركهم بالفعل قريبين من نقطة التعادل. وبالطبع فإن طلبية الدبابات البالغ قيمتها ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار ما هي إلا جائزة صغيرة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.