Tiny Url
http://tinyurl.com/yd4n2gu3
ذو الفقار دوغان
ديسمبر 03 2018

قطر تهرع لدعم حزب أردوغان قبيل الانتخابات المحلية

في الوقت الذي تصادم فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الأميركي دونالد ترامب هذا الصيف بسبب احتجاز تركيا للقس الأميركي أندرو برانسون لفترة طويلة، دفعت العقوبات والتهديدات الأميركية الليرة التركية إلى سلسلة من المستويات القياسية المتدنية حتى انخفضت قيمتها في إحدى المراحل إلى 7.2 مقابل الدولار.
وفيما بدا الاقتصاد التركي على شفا الانهيار، جاءت زيارة مفاجئة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني إلى تركيا في 12 أغسطس لتبعث رسالة دعم قوية للحكومة التركية في خضم تلك الأزمة. والتقى الأمير ووزير ماليته مع أردوغان وصهره بيرات البيرق الذي يشغل أيضا منصب وزير المالية والخزانة في اجتماع استمر أربع ساعات في قصر الرئاسة في أنقرة، وبعد ذلك أعلنوا أن قطر وافقت على ضخ استثمارات مباشرة بقيمة 15 مليار دولار في تركيا.
وكان لرسالة الدعم تلك أثر مباشر تمثل في استقرار الليرة عند حدود 6.5 مقابل الدولار. وبعد ذلك، وتحديدا في 6 سبتمبر، تلقى اقتصاد تركيا دعما إضافيا عندما أبرم البنكان المركزيان في البلدين اتفاقية لمبادلة العملات، وهو ما أسهم في ضخ ثلاثة مليارات دولار في احتياطيات البنك المركزي التركي.
واستمر تدفق المبادرات الحسنة من قطر إلى تركيا في الأسبوع اللاحق، حيث أرسل الأمير طائرة فائقة الفخامة من طراز بوينج 747-8، والتي يقدر سعرها بأكثر من نصف مليار دولار، إلى أردوغان على سبيل الهدية فيما يبدو. وبالطبع، أثارت هذه الهدية باهظة الثمن جدلا كبيرا في تركيا، حيث أعرب سياسيون من المعارضة عن مخاوفهم بشأن ما إذا كانت تلك الهدية تحمل تكاليف خفية. لكن الأمير رد على تلك التكهنات بالقول إنه علم بشأن اهتمام أردوغان بالطائرة عندما كانت معروضة للبيع، ولذلك قرر إهدائها إلى الشعب التركي لأنه يأبى أن يأخذ نقودا من صديقه أردوغان.
وعلى خلفية هذه الصداقة، اجتمع زعيما البلدين مرة أخرى في إسطنبول في 26 نوفمبر لعقد الاجتماع الرابع لما يسمى باللجنة الاستراتيجية العليا. وذكرت تقارير أنه جرى توقيع العديد من اتفاقيات التعاون على هامش الاجتماع بحضور الشيخ تميم وعدد من الوزراء القطريين.
يومها، افتتح أردوغان كلمته عقب حفل التوقيع بالترحيب بالأمير والوفد المرافق له في "بيتهم الثاني" تركيا، وذلك قبل أن يشدد على أهمية علاقة بلاده الممتدة على مدار 45 عاما "بأصدقائها الحقيقيين" في قطر. كما شكر أيضا ضيوفه لدعمهم في مواجهة ما أطلق عليه "محاولات المضاربة" التي تلقي الحكومة التركية باللوم عليها في المشاكل التي يعانيها الاقتصاد الوطني مؤخرا.
وفي اليوم التالي للاجتماع، أعلن أردوغان خلال خطاب ألقاه في البرلمان أسماء 20 مرشحا جديدا للانتخابات المحلية في مارس المقبل. ومع استحواذ أخبار هؤلاء المرشحين على اهتمام الرأي العام في تركيا، لم تحظ بعض التفاصيل المهمة الأخرى من خطاب الرئيس بالاهتمام المناسب.
فعلى سبيل المثال، قال أردوغان إن شهر ديسمبر سيشهد، بجانب الكشف عن برنامجه الانتخابي، إعلان الحكومة لخطة جديدة لتعزيز فرص الاستثمار والتوظيف، والتي يبدو أنها في المجمل عبارة عن مجموعة من الحوافز للناخبين على غرار تلك التي جرى تقديمها قبيل استفتاء عام 2017 والانتخابات في يونيو الماضي.
وتحدث الرئيس بلغة مفعمة بالتفاؤل حول الانتعاش الاقتصادي في البلاد، وذلك على الرغم من أن معدل التضخم المرتفع أجبر الحكومة مؤخرا على اتخاذ إجراءات متطرفة، مثل مداهمة مخازن البصل التي تقول إن الموردين يكدسون فيها محاصيل البصل لرفع الأسعار.
وقال أردوغان في خطابه إن الوقت قد حان لاغتنام الفرص والاستفادة من الاهتمام المتزايد للمستثمرين الأجانب في تركيا. وأضاف "يجب أن تعود الاستثمارات المباشرة والأموال التي تعهدت قطر بضخها والتي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار بالنفع (على تركيا) قبل الانتخابات المحلية".

الرئيس أردوغان يلوح لمؤيديه يوم في مؤتمر نظمه حزب العدالة والتنمية الحاكم في إسطنبول لتقديم مرشحيه للانتخابات المحلية
الرئيس أردوغان يلوح لمؤيديه يوم في مؤتمر نظمه حزب العدالة والتنمية الحاكم في إسطنبول لتقديم مرشحيه للانتخابات المحلية

ودفع توقيت هذه التصريحات الكثيرين إلى الاعتقاد بأن خطة يُشاع أنها ستُمول من قبل البنك المركزي ووزارة الخزانة لإنقاذ قطاع الإنشاءات المتدهور، وكذلك حزمة الحوافز التي سيتم تقديمها قبل الانتخابات المحلية، سيجري تمويلها فعليا بدعم من قطر.
وفي إطار حملة لتعزيز سوق العمل من خلال خلق مليون فرصة توظيف في 2017، تعهدت الحكومة بدفع حصة أرباب العمل من رسوم التأمين الاجتماعي وضريبة الدخل للموظفين الجدد حتى بداية هذا العام.
ولكن في ظل المناخ الاقتصادي الحالي، وما يشهده من إعلان بعض أكبر الشركات التركية لإفلاسها احتماءً من الدائنين وتصفية الكثير من المؤسسات لأعمالها التجارية والانخفاض الحاد في القدرة الإنتاجية للقطاع الصناعي، من الصعب تصور كيف ستفكر الشركات في تعيين موظفين جدد في حالة محاولة إعادة العمل بذلك البرنامج.
على العكس، يتوقع الكثيرون حدوث تسريحات جماعية في المستقبل القريب، وإذا استمرت مستويات البطالة في الارتفاع في الفترة التي تسبق الانتخابات المحلية، فإن ذلك سيكون بمثابة تحد خطير لحكومة أردوغان.
لهذا السبب، من المرجح أن يتم دعوة اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية مجددا لدعم جهود الحكومة، وذلك بعد أن ألقى الاتحاد، الذي يضم 1.4 مليون شركة في عضويته، بثقله وراء حملة مكافحة التضخم التي أطلقتها وزارة الخزانة وتنادي بخفض الشركات لأسعار منتجاتها بنسبة 10 في المئة هذا الشتاء.
واتخذت الحكومة إجراء آخر من خلال إعادة العمل بخصومات على ضريبة القيمة المضافة على الأثاث والأجهزة المنزلية والوحدات السكنية واليخوت لمدة شهرين. وكانت هذه الخصومات قد طُبقت آخر مرة في الفترة التي سبقت استفتاء عام 2017.
وبالمثل، من المتوقع أن تتضمن حزمة الحوافز التي ستعلن عنها الحكومة في شهر ديسمبر تمديدا للتخفيضات الضريبية السارية لمدة شهرين حتى أبريل المقبل.
الحافز الآخر الذي سيتم إعادة العمل به بعد تطبيقه آخر مرة قبل الانتخابات في يونيو هو سعر الفائدة المخفض المضمون لصالح مقترضي الرهون العقارية من البنوك العامة بما يصل إلى 0.98 في المئة شهريا. وقد انتهى هذا العرض بالفعل في 31 أكتوبر، لكن من المرجح أن تمده الحكومة في ديسمبر حتى نهاية عام 2019. إلى جانب ذلك، تنظر الحكومة في إمكانية تقديم "إعانات على الفوائد" لتنشيط سوق الإسكان.
وكانت الحكومة قد لجأت قبيل استفتاء عام 2017 إلى صندوق ضمان الائتمان التركي لتقديم قروض بقيمة 220 مليار ليرة تركية تقريبا إلى أكثر من 392 ألف شركة، منها 196 مليارا يتكفل الصندوق ووزارة الخزانة بتقديم ضمانات نيابة عن مقترضيها، وهو مبلغ قياسي للصندوق الحكومي.
وانخفض هذا المبلغ إلى 76 مليار ليرة بحلول نهاية سبتمبر من هذا العام، لكن من المرجح أن يتم اللجوء إلى الصندوق مرة أخرى لتقديم الدعم المالي للشركات التجارية المتعثرة في تركيا بدفعة ضخمة أخرى من القروض في ديسمبر.
أما بالنسبة لإحصائيات التوظيف، فقد أظهرت الأرقام المتناقضة المنشورة في أحدث تقرير لمعهد الإحصاء التركي أن نسبة البطالة وصلت إلى 11.1 في المئة، لكن مع زيادة نسبتها 20 في المئة في معدل التوظيف في القطاع العام خلال الفترة نفسها. وقد تكون هذه الزيادة ناتجة عن تعيين المؤسسات العامة لموظفين بعقود موسمية أو محددة المدة.
ويمكن تقفي أثر تلك الممارسة إلى جولتي الانتخابات العامة اللتين أجريتا في عام 2015 عندما قامت البلديات التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم بتعيين 150 ألف عامل بعقود مؤقتة لزراعة الأشجار وتنظيف الأماكن العامة.
ومع اقتراب انتخابات يونيو واحتمالية إجراء الانتخابات المحلية في مارس القادم، قامت وزارة التعليم هذا العام بتوظيف 50 ألف حارس مدرسة أيضا بعقود مؤقتة. ويمكن توقع المزيد من هذه الإجراءات في الفترة التي تسبق شهر مارس.
وبما أن موارد وزارة الخزانة قد شارفت على النفاد، فإن الحكومة ستجد نفسها مضطرة ليس فقط لتحمل المزيد من الديون، ولكن أيضا للاعتماد على الدعم القطري لتمويل كل ذلك.
وبعد اجتماع بين وزيري التجارة القطري والتركي في سبتمبر، قال الجانبان إنهما سيكشفان قريبا جدا عن القطاعات التي ستستفيد من الاستثمارات القطرية المباشرة البالغة قيمتها 15 مليار دولار.
ومن المرجح أن يحدث هذا أيضا في ديسمبر، عندما يكشف أردوغان عن مبادرات حكومته من أجل تعزيز فرص الاستثمار والتوظيف.
ووفقا لأحدث التكهنات الدائرة في الأوساط الاقتصادية المحلية، فإن خمسة مليارات دولار من إجمالي المبلغ الذي تعهد القطريون باستثماره في تركيا ستصل كذلك في ديسمبر.
وتتحدث تلك التكهنات عن أن هذه الأموال يمكن تقديمها مقابل أسهم في الخطوط الجوية التركية وشركة الاتصالات التركية وغيرها من الشركات الكبرى التي يسيطر عليها أو يمتلكها جزئيا صندوق الثروة السيادية التركية الذي يرأسه أردوغان والبيرق شخصيا. كما يمكن لعمليات شراء لمساحات كبيرة من الأراضي المملوكة ملكية عامة أن تصبح جزءا من المعادلة.
ولطالما وضعت قطر نصب أعينها شركة الشاي (تشاي كور) المملوكة للدولة في تركيا، وهي أحد الأصول المحتملة الأخرى التي يمكن استخدامها على سبيل التعويض لتلك الأموال.
لكن مما لا شك فيه هو أن ضخ 5 مليارات دولار من الأموال القطرية في الاقتصاد التركي سيكون دفعة قوية لأردوغان وحزبه في الفترة التي تسبق الانتخابات المحلية، وسيضعف من تأثير الهجمات التي تشنها المعارضة على الحكومة بسبب سجلها الاقتصادي الكارثي.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.