قمة سوتشي تُبرز الهيمنة الروسية في سوريا

في 14 فبراير، اجتمع رؤساء تركيا وروسيا وإيران مرة أخرى في منتجع سوتشي الروسي المطل على البحر الأسود لمناقشة الملف السوري في إطار عملية أستانة التي ترعاها روسيا. وبحث الزعماء الثلاثة، ضمن أمور أخرى، اتخاذ "خطوات مشتركة إضافية بهدف التوصل إلى تسوية طويلة الأجل" للصراع المحتدم في سوريا منذ قرابة ثماني سنوات.
وقبل المحادثات، قالت الحكومة التركية إن الرؤساء الثلاثة سيسعون إلى التوصل إلى "حل دائم" من شأنه تحقيق الاستقرار في سوريا.
وجاء ذلك في ظل حالة من الترقب إزاء الوضع في شمال سوريا، حيث من المرجح أن تلعب تركيا دورا بارزا إذا ما أدى الصراع على إحدى أو كلتا بؤرتي النزاع الرئيسيتين في المنطقة إلى اشتعال الوضع مرة أخرى في البلد الذي مزقته الحرب.
وكانت تركيا قد أُسندت إليها في أكتوبر الماضي مهمة التعامل مع جماعة هيئة تحرير الشام الجهادية التي تسيطر على معظم أراضي محافظة إدلب بشمال غرب سوريا. ووافقت أنقرة على القيام بهذه المهمة لمنع هجوم واسع كانت القوات السورية والروسية تهمان بشنه ضد الجماعة، وكان من المرجح أن يتسبب في تشريد الملايين وخلق أزمة إنسانية جديدة على الحدود التركية. ومع ذلك، فقد فشلت تركيا منذ ذلك الحين في احتواء هيئة تحرير الشام التي نجحت في يناير الماضي في توسيع نطاق سيطرتها في المحافظة.
وفي شمال شرق سوريا، هددت تركيا في الأشهر الأخيرة بمهاجمة ألد أعدائها في سوريا، وهي وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على ثلثي الحدود السورية مع تركيا في الجزء الواقع شرق نهر الفرات. وبعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 19 ديسمبر اعتزامه سحب جميع القوات الأميركية من هناك، بدا وأن تركيا تقترب أكثر وأكثر من تحقيق هذا الهدف، وبسهولة أكبر.
وفي إطار خطة انسحابها المزمع من سوريا، اقترحت واشنطن إقامة منطقة آمنة بعمق 20 ميلا على طول الحدود في شمال سوريا. وحتى الآن، ووفقا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يتحقق أي تقدم يذكر في اتجاه إنشاء مثل هذه المنطقة. واقترحت موسكو أن تعيد أنقرة، بدلاً من ذلك، إحياء اتفاقية أضنة المبرمة عام 1998 بينها وبين دمشق، والتي يمكن أن تسمح للجيش التركي بملاحقة المقاتلين الأكراد بعمق خمس كيلومترات داخل الأراضي السورية.
وإذا ما تم التوصل إلى حل لهاتين المسألتين، سيشكل ذلك خطوة كبيرة نحو إنهاء الصراع طويل الأمد في سوريا.
وعن أهمية اجتماع سوتشي الأخير، تحدث عدد من المحللين لـ(أحوال تركية) عن وجهة نظرهم بشأن دلالات ونتائج محادثات الأسبوع الماضي.
فبالنسبة لتيمور أحمدوف، الباحث في القضايا السياسية في روسيا وتركيا والشرق الأوسط في مجلس الشؤون الدولية الروسي، ليست هناك أي إشارة على حدوث "انفراجة كبيرة" في هذا الاجتماع.
وقال أحمدوف: "لا تزال تركيا تصر على تجنيب إدلب شبح العملية العسكرية السورية، فيما تبعث روسيا برسائل مفادها أن العملية العسكرية ليست ضرورية فحسب، بل ويمكن تنفيذها وفقا للمطالب التركية، أي دون وقوع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين".
وقال نيكولاس هيراس، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن "أكبر عقبة متبقية الآن بين تركيا وروسيا وإيران هي رغبة حكومة الأسد في أن تخلي تركيا جميع الأراضي التي تسيطر عليها حاليا في سوريا".
وأضاف: "الرئيس السوري بشار الأسد لا يثق في نوايا أردوغان، ونتيجة لذلك، فإن الروس والإيرانيين يشعرون بأن أيديهم مكبلة فيما يتعلق بأنواع الصفقات التي يمكن أن يتوصلوا إليها مع تركيا. وحتى لو قال أردوغان إنه سيسحب القوات التركية من الأراضي التي دخلوها في سوريا، ستواصل دمشق النظر بعين الحذر إزاء أي خطوات تركية أخرى يمكن أن تمهد لها وجودا دائما في تلك المناطق".
وأوضح هيراس أنه في الوقت الذي تريد فيه أنقرة الانسحاب من إدلب حيث لا يزال الجيش التركي يدير 12 نقطة مراقبة في جميع أنحاء المحافظة في إطار اتفاقية خفض التصعيد المنبثقة عن اجتماعات عملية أستانة، فإنها "لا تستطيع فعل ذلك بسبب خطر نزوح أعداد هائلة من السكان في حالة شن أي هجوم على تلك المنطقة من قبل قوات الأسد".
وكنتيجة مباشرة لذلك، يقول هيراس إن "تركيا أيضا تشعر أنها محبوسة في إدلب".
أما مصطفى غوربوز، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي واشنطن دي سي، فقال إن محادثات سوتشي هي مؤشر "واضح للغاية" على مدى استعداد موسكو "للضغط على أنقرة، وكيف كانت تركيا من السذاجة بحيث توقعت أن تدعمها روسيا في فكرة إقامة المنطقة الآمنة بشرق الفرات".
وأضاف: "روسيا لها اليد العليا الآن، وما لم تقم تركيا بتسليم جبهة إدلب بشكل نهائي، فستتعطل المفاوضات إلى حد كبير".
من جانبه، قال الدكتور كريم هاس، المحلل المعني بشؤون روسيا وتركيا والشرق الأوسط، إن لديه ثلاث ملاحظات رئيسية بشأن المحادثات الأخيرة في سوتشي.
وقال: "كانت أولى النتائج المهمة للاجتماع هي الاتفاق بين الدول الضامنة الثلاث على الحفاظ على مسار عملية أستانة، وذلك على الرغم من أن تعارض أهدافهم بدأ يطفو على السطح بشكل أكثر وضوحا مع اقتراب الحرب السورية من وضع أوزارها".
وأضاف "في الأشهر التالية، ربما ستظهر بعض الدول العربية والخليجية بصفة رئيسية مثل السعودية والإمارات ومصر كمراقبين في اجتماعات عملية أستانة، وهو ما قد يعطي زخما جديدا في اتجاه حل الصراع السوري".
الملاحظة الثانية كانت اهتمام أردوغان الواضح بإمكانية إعادة إحياء اتفاق أضنة، وهو ما اعتبره هاس مؤشرا على رغبة أنقرة في الدخول في حوار سياسي مع دمشق قريبا.
ولذلك، يتوقع هاس أنه بعد انتخابات 31 مارس في تركيا، "قد يصبح نظام الأسد موضع ترحيب مجددا من جانب السلطات التركية".
والملاحظة الثالثة والأخيرة لهاس هي أن روسيا وإيران "لا يبدو أنهما أعطيا الضوء الأخضر لتركيا لإنشاء المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا".
وقال: "لا تزال موسكو تعطي الأولوية للوضع في إدلب، لكنها تريد أيضا أن يتوصل نظام الأسد والأكراد إلى اتفاق وأن تحتفظ بموقفها في الضغط على أنقرة للتحدث مع دمشق على اعتبار أن ذلك هو أفضل مخرج لعمليات التوغل العسكرية الجديدة في سوريا".
ويعتقد هاس أن موسكو تدفع باتجاه إعادة تفعيل اتفاقية أضنة "باعتبارها أفضل آلية يمكن لأنقرة العمل بها في شمال شرق سوريا بعد انسحاب الولايات المتحدة، في حال حدوث ذلك".
واستطرد هاس قائلا "لكن الرئيس التركي يريد بعض الوقت حتى يمكنه اتخاذ قرار بهذا الشأن، ومن الواضح أنه يحتاج إلى هذا الوقت بالفعل. وعلينا الآن الانتظار ورؤية ما سيحدث بعد الانتخابات في تركيا".
وأضاف "بما أن هناك الكثير من الغموض حاليا حول انسحاب الولايات المتحدة، فإن روسيا لا تريد المجازفة بإقدام الجيش التركي على شن أي هجوم في شمال شرق سوريا".
وبعد هذه المحادثات الأخيرة، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه وأردوغان ونظيرهما الإيراني حسن روحاني متفقون جميعا على أن الانسحاب الأميركي من شمال شرق سوريا "سيكون خطوة إيجابية تساعد على استقرار الوضع في هذه المنطقة، حيث يتعين في نهاية المطاف استعادة الحكومة الشرعية لسيطرتها على هذه الأراضي".
وأضاف الرئيس الروسي أنه لم ير بعد أي علامات تشير إلى أن الولايات المتحدة تستعد للانسحاب في أي وقت قريب.
ويتوقع هاس أن الدول الثلاث في اجتماع سوتشي الأخير "ربما توصلت إلى توافق مؤقت آخر بشأن تأجيل عملية إدلب العسكرية التي يريد النظام السوري شنها بدعم روسي، لكنني لست متأكدا من أن هذا التوافق سيستمر لفترة طويلة".
كما قال إنه يعتقد أن موسكو حثت أنقرة خلال الاجتماع على التركيز مرة أخرى على محاربة هيئة تحرير الشام في إدلب "بطريقة أكثر فعالية" ومن المرجح أن تضغط موسكو على أنقرة في القترة المقبلة "لتسهيل تقدم الجيش السوري في تلك المحافظة بشكل تدريجي".
وأضاف "على أية حال، فإن نفوذ تركيا في إدلب بات محدودا الآن مقارنة بما كان عليه قبل خمسة أشهر، وبالتحديد عندما تقرر تأجيل العملية العسكرية التي كان سيشنها نظام الأسد في اللحظة الأخيرة بفضل اتفاق سوتشي بين بوتين وأردوغان".
وبحسب قول بوتين، فإن الجولة القادمة من محادثات أستانة بين الرؤساء الثلاثة ستعقد في أواخر مارس أو أوائل أبريل. ومن المرجح أن تُطرح نفس هذه القضايا التي ترتبط ارتباطا وثيقا بمستقبل تركيا في شمال سوريا على الطاولة مرة أخرى لمناقشتها والتفاوض عليها مجددا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/sochi-agreement/sochi-talks-highlight-russias-upper-hand-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.