قمع أردوغان..حينما تعاقب أسرة بأكملها بجرم فرد منها

هل يفكّر الناس في أوقات الأزمات السياسية بمزيد من الدقة والعمق أم على النقيض من ذلك يبتعدون عن الأجواء السياسية وينغلقون على أنفسهم؟ لا شك أني عندما أقول أزمة سياسية، فإني أقصد بذلك تركيا. كما أنني بالسياسة يمكنني فهم المجتمع، والعلاقات الإنسانية التي تجري في إطار القوانين كافة. 

ولربما هناك صيغة أخرى للسؤال المطروح أعلاه، هذه الصيغة بالنسبة لي أهم وأكثر شمولية، ألا وهي: أي علاقةٍ تلك التي تربط بين الناس والسياسة بشكل عام؟ وما مدى عقلانية هذه العلاقة وقدرتها على أن تكون بناءة ومحَدَّدةً للأمور؟ وهل كما زعم المفكرون القدماء، أن الناس لا يخرجون في الأساس عن كونهم اقتصاديين بطبعهم أو سياسيين؟

أي هل هؤلاء البشر كائنات حية تفكر في المصالح الاقتصادية لها ولمجتمعاتها في إطار مفاهيم سياسية؟ أم هم أشخاص غير عقلانيين يتصرفون وفقًا لمشاعرهم فقط؟

الكثير من الأبحاث الحديثة التي أُجريت مؤخرًا، جعلت من الضروري التعامل مع الفرضيات الكلاسيكية بشيء من الشك. إذ أن بعض الفرضيات التي تبرر المبادئ الأساسية للديمقراطية ليست صحيحة في مجملها!

على سبيل المثال، نرى أن ذاكرة الناخبين محدودة للغاية. وهذا أمر سارٍ في جميع أنحاء العالم. فنسبة الذين يعرفون الحقوق والواجبات التي يكفلها لهم الدستور منخفضة للغاية. حتى إننا قرأنا في تركيا أن القضاة والمدعين العامين يعتبرون مثل هذه الحقوق "أمورًا فرعية". كما أن نسبة كبيرة من الناخبين لا توجد لديهم أدنى معلومات اقتصادية. ولا شك أن التفضيلات السياسية لمثل هؤلاء تعتمد في المقام الأول على المشاعر، لا على الأرقام والبيانات التي تعكس حقيقة الأوضاع.

حتى إننا نرى أن هناك شريحة من المثقفين قد أخطأت حينما قالت "لنقم بتربية الناس وتقويمهم أولًا، ثم لنجرب معهم الديمقراطية". إذاً، إن الأشخاص الذين يكوّنون معلوماتٍ قائمة على نماذج سياسية، كانوا من أصحاب الأحكام المسبقة. أي أن "الجهلاء" في حقيقة الأمر هم الأكثر انفتاحًا.

كما أن الناس (أي الناخبين الذين ساهموا في الانتقال للنظام الرئاسي في تركيا) لديهم مشكلة ما في مسألة تحديد المصالح. فبعض الدراسات توضح أن نسبة مئوية كبيرة من المجتمع تراعي مصالحها، ومصالح المحيط المباشر منها، وليس المصالح العامة، ومصالح المجتمع. وفي هذا الصدد قال الكاتب دانيال كانمان، في كتابه الموسوم بـ"التفكير بسرعة وببطء"، إن الناس بشكل عام يفكرون في الأساس وفق المشاعر، وليس وفق العقل، ويستخدمون منطقهم كوسيلة لإثبات مشاعرهم فقط.

والسؤال الآن، هل قيامنا بترتيب كل هذه الأشياء وراء بعضها البعض يعني أنه لم تعد هناك آمال يمكننا تعليقها على السياسة؟ نعم هذا صحيح جزئيًا. لا سيما أننا بتنا في هذه الأيام نرى أنه لم يعد أحد يقتنع بكلام الآخر، وسيطر الاستقطاب على كافة أطياف المجتمع، ولم يعد للحوار وجود بين الناس، وكأن جسور التواصل ممتدة بين أقوام من الصم. بل وبات الاختلاف ينظر إليه على أنه أداة من أدوات التدمير، لا التكامل. الأمر في مجمله يشبه جبهات تشهد حرب وجود وبقاء بين أطراف عدة.

ومن وجهة نظري تعتبر كلمة "الحرب" هي الأهم من بين كل هذا. لأنها لا توضح فقط الصراع الحاد بين الأقطاب المختلفة، بل أيضًا تضفي معنى على ما نشهده اليوم من وحشية. فهل سبق لنا وأن عشنا من قبل مثيلا لما نراه من وحشية اليوم؟ فالشاعر الكبير ناظم حكمت سبق أن اتهم بالخيانة، وحبس. كما أن الصحفيين أحمد ألتان، وعثمان كافالا، وآخرين كثيرين اتهموا بالإرهاب. 

وفي السابق أيضًا كانت تتم مطاردة الطرق الصوفية والجماعات، حتى إن العام 1826 شهد عملية قتل جماعية لأتباع الطريقة البكتاشية. وفي السابق أيضًا تم قمع ثورات الأكراد. واليساريون والأقلية دفعوا ثمنًا باهظًا لما وجّه لهم من اتهامات.

وأنا على ما أعتقد أرى أن "الأحداث" المشابهة للماضي التي نراها اليوم، تظهر نوعًا من الاختلاف. ففي السابق كانت الدولة هي التي تتبنى الإرهاب. ولم يكن المظلومون والمقموعون يرون أجهزة الدولة ضدهم.  حتى إنهم إذا شاهدوا من شاركوا في قمعهم وتعذيبهم من أناس عاديين، يرون أنهم مجرد آلة ووسيلة تستخدمها الدولة، ومنوط بهم تنفيذ أوامر الإدارة المركزية.

وبعبارة أخرى يمكننا القول إن الوحشية تسللت إلى المجتمع بشكل كبير. فما رأيته وما سمعته مرعب ومفزع. كما لم يعد هناك أي حب أو احترام لجار أو سيدة أو مسن أو طفل. وبات الخطاب السياسي ذريعة يزج الناس بها في السجون، ويطردون من أعمالهم. وليست الدولة وحدها هي التي تقوم بذلك، بل إن شريحة كبيرة من المجتمع تفعل ذلك أيضًا.

وبات من الطبيعي في هذه الأيام مصادرة ممتلكات الناس. كما ألف المجتمع أن تعاقب أسرة بأكملها جرّاء جرم ارتكبه أحد أفرادها. هذه الأمور لا يقوم بها النظام الحاكم بمفرده، بل إن المعارضة الرئيسية في البلاد تشارك في هذا أو على الأقل تصمت عليه. فحينما تُطلب براءة المتهمين يصمت الجميع.

لكن هذا الصمت، ليس صمتًا سببه الخوف. فأنا أدرك جيدًا نتيجة الخوف، بل وأحترم ذلك. فكل إنسان ليس مضطرًا ليصبح بطلًا. فكل شخص بالطبع يحمي نفسه، ويريد أن ينأى بها عن الخطر، وبالتالي لزم الصمت فيما عدا ذلك.

وكل من يتكلم، ويكتب، ويعلن عن رأي ما، لكن يصمت وقت وجود وحشية ما، أراهم حالة جديدة في هذا المجتمع. فهؤلاء الصامتون هم في الحقيقة ضالعون بصمتهم فيما تم ارتكابه بحق الآخرين من ظلم وقمع. وهأنا أسعى لتوضيح هذه الحالة الجديدة من خلال البنية الجديدة للمجتمع.

في السابق كانت هناك شريحة كبيرة من المجتمع لا علم لها بما يجري من حولها. وهذا إما لجهل بالقراءة والكتابة أو لمحدودية وسائل الإعلام (إذ لم يكن هناك تلفاز أو حتى إنترنت) أو لأنهم يعيشون بعيدًا في القرى، ومن ثم باتوا خارج حدود الإلمام بكافة التطورات من حولهم. أي لم ينجحوا في الاندماج مع المجتمع. أما الآن فباتوا ساحة مفتوحة للحملات الدعائية ولما يسمّى بغسيل المخ.

وبالتالي فإن المحصلة النهائية تتشكل تبعًا لذلك: بمعنى أن شريحة عريضة من الناس تشارك في وحشية الدولة، أي وحشية المجموعة الصغيرة القائمة على الإدارة.

والسؤال، هل الرغبة في البحث عن حل سياسي لهذا الوضع الذي أسفر عنه عالم السياسية، باتت طموحًا حقيقًا؟ على ما أعتقد هي ليست كذلك. إذ لا يمكننا انتظار الكثير، من وسائل الإعلام والتربية في أجواء تتم فيها السيطرة على هذه الوسائل بشكل كامل. أي أن انتظار المدد من هذه الوسائل وهي على هذا النحو، أمر لا طائل من ورائه.

ربما أن بعض الديناميكيات والآليات غير السياسية تكون أكثر تأثيرًا في هذا الصدد. فعلى سبيل المثل، فإن القيم الأخلاقية التي كانت موجودة قبل الشعوب والدول، يمكنها أن تساعد في هذا الأمر بمقدار وجودها داخل المجتمع.

ولا جرم أن مشاعر مثل الإنصاف، والرحمة، والحب، والتسامح، والتضامن، مشاعر لها جذور تضرب في أعماق القدم. كما أن المفهوم الذي نسميه "الضمير" كان موجودًا على مدار الدهر. كانت هذه هي الديناميكيات التي شكلت المجتمعات، وحافظت على استمراريتها. بل وربما هي نفسها التي نجت من جور وظلم السياسة، بحسب ما أعتقد. وقد تعود يومًا ما كرد فعلٍ لتصرف ما. هذه هي حدود تفاؤلي.
ولا يخفى عليكم أن الذي يبقي على وجود المجتمعات الإنسانية، ليست الدساتير أو القوانين، وإنما الاحتياجات، والمعتقدات، والميول والاتجاهات الغريزية، فكل هذه الأمور كفيلة بنشأة القوانين.

كنت قد استخدمت في فقرة أعلاه كلمة "الضمير". وبعد أن كتبت هذا المقال، قرأت جملة لـ"عثمان جان" في موقع "أحوال تركية"، أعرضها عليكم فيما يلي:

"إذا خاف الإنسان من صوت الضمير، ولم تكن لديه إرادة لفهمه، والتصالح معه، فإنه حتمًا سيفضل عنف الأنظمة الوحشية، من أجل إسكات ذلك الصوت".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/siyasetin-otesinde
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.