قنوات الضغط الخلفية تنشط لصالح أنقرة في واشنطن

حين طالعت افتتاحية صحيفة واشنطن بوست الأميركية في عددها الصادر في الخامس عشر من أغسطس الجاري، وهو يحذر من أن "الولايات المتحدة لا يمكنها الاستغناء عن تركيا"، فكرت في أن أي قارئ عادي يمكنه ببساطة الاطلاع على السيرة الذاتية للكاتب للتعرف بشكل أفضل على تاريخه.

كان الكاتب، وهو الدبلوماسي السابق ماثيو بريزا، قد قضى سنوات طوال من مسيرته يعمل كخبير في السياسة التركية لدى مراكز بحثية لها ثقلها.

لكن تظل من التفاصيل المحورية في سيرة الكاتب هو أنه، وقد سبق له العمل كسفير للولايات المتحدة في أذربيجان، حذف من سيرته أنه كان يعمل لدى شركات مقرها تركيا، وتقع بدرجة كبيرة تحت تأثير حزب العدالة والتنمية الحاكم.

قد لا يرقى هذا بالضرورة ليكون نوعا من تضارب المصالح، غير أن المقال الذي كتبه بريزا دفع المراقبين للشأن التركي إلى التساؤل عما قد يجعل دبوماسيا سبق له العمل في تركيا يواصل العمل دون الكشف عن تحالفات عمله الخاص.

إن غض الطرف عن مناقشة الحكم السلطوي لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعن التضييق الحاد على حقوق الإنسان وعن سجن آلاف الأتراك، قد جعلا المقال يخرج أشبه بموضوع كتب من خلال جماعة ضغط تعمل من أجل تحقيق مصالح الحكومة التركية.

يستدعي هذا للذاكرة قضية الجنرال الأميركي مايكل فلين وما قام به من أعمال في نوفمبر عام 2016، وهي أعمال تقاضى عنها مقابلا جيدا من رجل أعمال تركي هولندي متحالف مع حزب العدالة والتنمية.

(تجدر هنا الإشارة إلى أن فلين أنكر في البداية أن المقال الذي كتبه في صحيفة "ذا هيل" كان لصالح حكومة أجنبية، وادعى جهله بالمصدر الحقيقي للمال؛ غير أنه في وقت لاحق سجلها طبقا لقواعد "قانون العمل لصالح جهات أجنبية").

في الواقع، فإن تورط بريزا في قطاع الطاقة التركي يمتد لأبعد من شركة توركاش، وهي الشركة الاستثمارية العاملة في قطاع الطاقة التي يرأس مجلس إدارتها، ليشمل شركات ملتزمة بالعمل بشكل جيد مع حزب العدالة والتنمية.

في الوقت نفسه، فإن عمله لصالح المجلس الأطلسي يقرع العديد من الأجراس. فالمركز البحثي الذي يقع مقره في واشنطن يتلقى ملايين الدولارات كل عام في صورة تمويل من الحكومة التركية، ولا يدخر جهدا لرد مقابل هذا الاستثمار السخي.

خلال العام الماضي، كان هذا الدعم يعني أن يلتزم المركز البحثي بحذف جميع أسماء المعارضين الذين تعترض عليهم الحكومة التركية من خلال لجان مختلفة في مؤتمرها السنوي الذي يحضره أردوغان كضيف شرف دائم.

لم يدخر رئيس المجلس، فريدريك كيمب، جهدا في إظهار التوجه الواضح لمؤسسته من الحكومة التركية، وذلك خلال مقابلة مع صحيفة حرييت العام الماضي خرجت بدورها وكأنه جزء من حملة منظمة تقوم بها جماعة ضغط.

لا ينبغي أن نرى في هذا أي مفاجأة بالنظر للقائمة الطويلة من الداعمين للمجلس. هذه القائمة تضم شركة شاليك القابضة، وهي عبارة عن تكتل تركي كان يقوده صهر أردوغان بيرات البيرق الذي أصبح وزيرا للمالية في الحكومة التركية الحالية، ويضم بنك خلق، وهو أكبر البنوك العامة في البلاد، وشركة الخطوط الجوية التركية وهي أيضا معروفة بصلاتها الوثيقة بحزب العدالة والتنمية.

ولا ينبغي أن نغفل أيضا في قائمة الممولين للمركز كلا من بورصة إسطنبول وشركة بوتاش وشركة (تي.بي.إيه.أو) ومجموعة زورلو القابضة وتوبراش وإخلاص وغيرها.

كما أن اختيار وكيل وزارة الصناعات الدفاعية التركي الدكتور إسماعيل ديمير مخاطبة السلطات الأميركية انطلاقا من المجلس الأطلسي في مايو من عام 2016 لهو دليل آخر على الصلات الوثيقة بين المجلس والحكومة التركية.

كذلك أثارت الصلات الهادفة للضغط بالمجلس الأطلسي، وكذا المعاملة التي لقيها وزير الخارجية التركي في العاصمة الأميركية الكثير من الدهشة عام 2017.

تحدثت مصادر في واشنطن وفي تركيا لموقع أحوال تركية عن أن بريزا يعمل لصالح الحكومة التركية "كقناة خلفية" وصولا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

موقع أحوال تركية تأكد من هذه الشائعات من خلال بريزا نفسه الذي قال إنه "شارك في تبادل رسائل بين واشنطن وأنقرة، لأنها وفرت له طريقة مفيدة ليكون له تأثير إيجابي في بعض القضايا التي كانت في صلب مسيرته الدبلوماسية، وهي قضايا لا يزال مهتما بها."

قال بريزا لموقع أحوال تركية أيضا إن "الخطة الخاصة بمدينة منبج السورية برزت بشكل أساسي من رسائلي غير الرسمية."

وأضاف "كانت هذه المبادرة تهدف إذاً لحل مجموعة كبيرة من المشاكل التي أثرت على العلاقات الأميركية التركية، بدءا بقضية القس برانسون إلى جهود مكافحة الإرهاب والأمن في شمال سوريا والعراق، ووصولا إلى مشاكل قانونية وأخرى تتعلق بالاستقرار الاقتصادي وغيرها مما يرتبط بروسيا وإيران."

لا زلنا نجهل في الوقت الحالي طموح السفير السابق، الذي تتلمذ على يد وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس ولم يكن يوما شخصية مهمة في الحزب الجمهوري، في ظل إدارة ترامب.

بعض الصحفيين الأتراك المرموقين ممن يعملون في تركيا أبلغوا موقع أحوال تركية بأن عمل القناة الخلفية التي قام بها بريزا ربما تسبب في حدوث الصدع الحالي في العلاقات بين البلدين.

كان بريزا ضمن المجموعة المقربة من كونداليزا رايس، وعمل لصالحها في مجلس الأمن القومي. وبالطبع لم تظهر الحكومة التركية بمظهر الساعي للحصول على نفوذ في أروقة العاصمة الأميركية، مثلما يتضح من فهمها الخاطئ لرد ترامب على استمرار احتجاز القس برانسون.

الأكثر من هذا، وفقا لاثنين من أكثر خبراء الشؤون التركية اطلاعا وقربا في واشنطن، أن "هذه الدبلوماسية غير الرسمية التي يمارسها السيد بريزا ليست محل تقدير من المسؤولين الأميركيين، رغم الإعجاب الشديد من قبل الأترك بها (والأسباب مفهومة بالطبع)".

حين سئل بريزا عن سبب عدم قدرته على كشف صلاته ببعض شركات الطاقة الخاصة حين كتب مقاله في صحيفة واشنطن بوست، كان رده على النحو التالي "صلاتي المهنية معروفة للجميع. راجعوا حسابي على تويتر على سبيل المثال. أما الشركات التي أرتبط بها فلا علاقة لها بالحكومة التركية، ولا بحكومة أذربيجان."

أكد بريزا أنه "عضو في مجلس إدارة شركة توركاش، وهي شركة خاصة يتم تداول أسهمها في بورصة إسطنبول"، لكنه أضاف أن توركاش لا ترتبط بأي نوع من العلاقات مع الحكومة التركية (ولا مع حكومة أذربيجان).

وأضاف قائلا إن سياسات الطاقة الخاصة بالحكومة التركية عادة ما تكون في الواقع ضد المصالح التجارية لشركة توركاش.

أحد المراقبين للشأن التركي في واشنطن رفض هذا التفسير.

وقال المراقب إن القول بأن "الصلات المهنية معروفة للجميع" وتقديم حساب في موقع تويتر كحجة أمر لا يفسر القصة برمتها في الواقع.

على العكس، "لا أحد يلمح لوجود صلات سرية، وهذا أمر يساهم في إبراز القضية: فلو أن صلاتك معروفة للجميع، فلم لا تضعها في سيرتك الذاتية المنشورة في مقالات بصحيفة واشنطن بوست؟ أليس من السهل القول إنك مدير العديد من الشركات التركية، بما في ذلك الشركات العاملة في صناعة الطاقة."

لا يكشف بريزا عن حجم أسهم توركاش المملوكة لأنصار حزب العدالة والتنمية أو لقادته ولا يبين أسماءهم. ولكل شخص الحق في تصور مدى الحساسية التي تسببها مثل هذه الصلات لدرجة إخفاء أي منها إذا كانت لها علاقة بحكومة حزب العدالة والتنمية.

وبخلاف توركاش، فإن للرجل صلات مع شركة لامور تركيا، وهي شركة مساهمة مع شركة لامور الفنلندية، وهي واحدة من كبريات الشركات العالمية في مجال إنتاج معدات التعامل مع تسرب النفط في مياه البحار.

وحين سئل بريزا عما لديه ليقوله عن صلات التجارية الخاصة وتأثيرها على كتاباته في الشؤون التركية، قال "حين أكتب أو أتحدث عن الطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط، فإني أذكر هذه الصلات بين الحين والآخر.
"لكن على سبيل المثال، لم تكن هناك أي ضرورة تدعو لذكر ذلك في المقال. النقطة التي أشرت إليها في تلك الافتتاحية هي أن الرئيس ترامب اختار أساليب خاطئة لتحقيق أهداف سياساته الخارجية في تركيا. بعبارة أخرى، أنا لا أتحيز لتركيا؛ بل أقوم بعرض مجموعة من الملاحظات النابعة من خبرتي كدبلوماسي سابق، وكذلك جهودي في عمليات تبادل الرسائل."

غير أن ما يبدو أنه أغفله هنا هو، وهو أمر عبر عنه بوضوح أحد المراقبين للشأن التركي في واشنطن، أن "تركيا كانت بشكل دائم مكانا ترتبط فيه الشركات الخاصة بعلاقات سياسية. الأهم من هذا، حتى وإن كان شركاؤه يتمتعون باستقلال وينأون بأنفسهم عن السياسة، فإن له مصالح مالية تقع في صلب الأزمة بين الولايات المتحدة وتركيا. وهو من خلال اطلاعه على أسواق الديون وقيمة الليرة وغيرها من الأشياء التي تؤثر على أعماله الموجودة في تركيا، وتؤثر بالتالي عليه شخصيا. لا يمكن هنا اعتباره طرفا نزيها."

فلو أنك تعمل من داخل تركيا ولديك صلات تجارية تقع مصالحها تحت سلطة الرجل القوي في البلاد، فالأجدر بالمرء هنا وضعها تحت أعين الجميع.

وحتى لو قبلنا فكرة أن بريزا ليسا صديقا لنظام أردوغان الحالي، فإنه يعتقد فيما يبدو، شأنه في ذلك شأن السفير الأميركي السابق لدى تركيا جيم جيفري وبعض رجال الدولة الآخرين من الحاليين والسابقين، بأن تركيا تمثل قيمة كبيرة للولايات المتحدة لدرجة أن واشنطن لا يمكنها تحمل خسارة تركيا بانتقادها لممارسات هذا النظام في مجال حقوق الإنسان وحرية الصحافة وغيرها.

يخشى هؤلاء أن تكون الولايات المتحدة بسلوكها الحالي تدفع تركيا للارتماء في أحضان روسيا وإيران ولا يرغبون في الإقرار بأن أردوغان هو الذي يسير بتركيا في هذا الطريق بغض النظر عن الردود الأميركية.

لا تبشر حقيقة أن أناسا مثل بريزا يعجزون عن مجرد الحديث عن سجل حكومة أردوغان السيء في مجال حقوق الإنسان بأي خير. فأردوغان لا يزال يدير سلطة تتصدر دول العالم في قائمة سجن الصحفيين.

وحين ذكرت هذه الحقيقة وخيبة الأمل في موقفه منها، قال بريزا إنه كافح بكل جهده طيلة مسيرته الدبلوماسية "في قضايا حقوق الإنسان بما في ذلك حرية الصحافة، أثناء عمله في بولندا في فترة انهيار الشيوعية، ما بين 1989 و1991، وفي روسيا بين عامي 1995 و1997 وفي أذربيجان عام 2011."

وأضاف "أثناء عملي في أذربيجان، لطالما عرضت ملاحظات عن الوقت الذي قضيته في الضغط من أجل الحقوق الأساسية وحقوق الإنسان بمفهومها الأشمل أكثر من أي قضايا أخرى."

لكن زملاء سابقين لبريزا في وزارة الخارجية الأميركية يرسمون صورة مغايرة.

أحد زملاء بريزا كتب رسالة لموقع أحوال تركية قال فيها "حين كان في وزارة الخارجية، قام بريزا بتغيير الصياغة الخاصة بالتقرير الإلكتروني لحقوق الإنسان عام 2008 (أو ربما عام 2009) فيما يتعلق بالإشارة إلى سجل أذربيجان في مجال حقوق الإنسان في الجزء الخاص بأرمينيا من ذلك التقرير، وهو شيء لا يمكن تغييره من دون مساعد وزير الخارجية لشؤون حقوق الإنسان والعمل. 

"وبما أن النسخة المطبوعة كانت قد أرسلت بالفعل إلى الكونغرس، فإن هذا الأمر قوبل برفض شديد.. وبعد أن أمضى 21 عاما فقط في العمل الدبلوماسي، فإن كثيرين غضبوا لأنه رقي لدرجة سفير أسرع مما ينبغي. عجزت أنا وكل أصدقائي عن تفسير ما حدث."

وأضاف بريزا أن السبب في إقدامه على كتابة افتتاحية صحيفة واشنطن بوست هو تفضيل الرئيس الأميركي ترامب ونائبه مايك بينس "إهانة تركيا (وهو هنا يعني البلد بأسره وليس القيادة الحاكمة فقط) دون الاهتمام بالرد بطريقة مفصلة على الطلبات التي قدمها الجانب التركي خلال مفاوضات كانت على وشك النجاح."

وقال بريزا أيضا إن طاقم التحرير لصحيفة واشنطن بوست كان على دراية تامة بالفترة التي قضاها في تركيا وبالمصالح التجارية التي تمتع بها هناك.

وأضاف أنه لم يكتب اسمه على رأس مقاله في الافتتاحية، وأن من قام بذلك هم أعضاء الطاقم التحريري للصحيفة.

كان بريزا يعمل على الأرجح انطلاقا من نوايا حسنة تماما وهو يطالب قادة الولايات المتحدة وتركيا لإصلاح العلاقات. لكن كان عليه القيام بذلك بكل شفافية ومن خلال الكشف عن جميع صلاته.

إن العيش في تركيا خلال المرحلة الحالية يضع الكثير من الضغط على الشخصيات العامة مثل بريزا. وعليه إن رغب في الاضطلاع بدور قيادي في رأب الصدع في العلاقات أن يلتزم بكل ما تقتضيه قواعد الشفافية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/lobbying-any-other-name
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.