قوة التصنيفات على وسائل التواصل الاجتماعي التركية

وصل الاستقطاب والضغوط والتوترات الاجتماعية إلى مستوى غير مسبوق في تركيا. ويمكن رؤية هذه الضغوط بصورة أكثر وضوحا وتوجيها على وسائل التواصل الاجتماعي ويرجع هذا إلى الافتقار إلى القوى النفسية التي تقف عائقا أمامنا وتمنعنا من التحدث بطريقة عدوانية في التفاعلات اليومية المباشرة.
وعلى عكس التفاعلات المباشرة، يمكن للناس استخدام مسميات يلصقونها بالآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي دون التفكير مرتين. ويجعل هذا الوجه من أوجه وسائل التواصل الاجتماعي من هذه المسميات مرصدا جيدا لفحص الضغوط الاجتماعية.
وتعمل ضغوط وسائل التواصل الاجتماعي على وسائل التواصل الاجتماعي التركية بثلاث طرق: الإخراس من خلال إطلاق مسميات وشتائم، والإجبار على استخدام هذه المسميات، والرقابة الذاتية أو النأي بالذات. 
وإطلاق المسميات أوالشتائم هي أكبر الطرق التي يستخدمها الناس للرد على الآراء غير المقبولة على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا. فإذا أعربت عن أفكارك على منصة ما وكانت أفكارك هذه لا تتماشى مع أيديولوجية هذه المنصة، فهنيئا لك، فقد حصلت على مسمى جديد!
فإما إنك خائن، أو إرهابي، أو أحد أنصار جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري اليساري المتطرف، أو أنك أحد أعضاء حركة خدمة (وهو المصطلح المستخدم لوصف أتباع رجل الدين المنفي فتح الله غولن)، وإما أنك  أحد أنصار احتجاجات متنزه غازي التي شهدتها تركيا في 2013، أو أنك متعصب، أو فاشي، أو متدين، أو أنك مؤيد متعصب لحزب العدالة والتنمية.
وبعد كلمات قليلة، يقرر الناس إلى أي "جانب" تنتمي، ويطلقون عليك مسمى، ولا يأبهون للتفكير في ما تقول أو تكتب. وبدلا من ذلك، يستخدمون هذا المسمى للهجوم عليك.
وأحد الأمثلة على هذه الطريقة هي حالة أستاذة الأدب الجامعية نورية غولمان والمعلم بالمرحلة الابتدائية سميح أوزاكجا اللذين تعرضا للفصل من وظيفتيهما بمرسوم حكومي. وقد دخل الاثنان في إضراب جزئي عن الطعام لأكثر من 300 يوم احتجاجا على الفصل من وظيفتيهما.
وعندما حاز الاثنان على بعض الاهتمام العام، تم وصفهما على الفور بأنهما أعضاء في جبهة حزب التحرر الشعبي الثوري اليساري المتطرف. وهذا هو الرابط للبحث عن "نورية سميح جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري اليساري المتطرف" على موقع تويتر وهذه ترجمة بعض مقتطفات البحث: 
- "ألقي القبض عليهما (غولمان وأوزاكجا) ليس فقط لأنهما دخلا في إضراب عن الطعام، لكن لأنهما من أعضاء جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري اليساري المتطرف."
- "لأول مرة أرغب في أن ينجح إرهابيان في احتجاجهما. آمل أن ينجح كل منكما (ويموت) في أقرب وقت ممكن."
- "من الواضح جدا أن نورية وسميح متعاطفين مع جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري اليساري المتطرف. ومن يدعمونهما من الكماليين (نسبة إلى مصطفى كما أتاتورك) حمقى."
وبعدما أقتنع الشعب بأنهما من الإرهابيين، فمن ثم أي نوع من أنواع سوء المعاملة من قبل الحكومة سيكون مبررا ولا يوجد أي سبب يدعو لدعمهما في رأي الشعب من تلك الأسباب التي رأيناها في اعتقالهما غير القانوني. 
وبعدما أصبحت المسميات واسعة الانتشار وشائعة بما يكفي، فإن أولئك الذين لا يستخدمون هذه المسميات يُنعتون بالمسمى ذاته. ومن ثم، على المرء أن يشير إليهم بهذا المسمى إذا كان يرغب في ألا ينعته أحد بنفس المسمى. ولنرى رابط البحث على موقع تويتر عن "ينبغي أن تسميهم أعضاء بحركة خدمة وليس مجتمع" باللغة التركية وهذه ترجمة لبعض أمثلته:
- "أي شخص يصفهم بأنهم مجتمع فهو خسيس. ينبغي أن تسميهم بالإرهابيين."
- "ماذا تعني بمجتمع؟ إنها منطمة إرهابية، احذف هذه التغريدة فورا!."
- "ما هو المجتمع؟ هل تقصد الإرهابيون الخونة بحركة خدمة؟ سأشنق أولئك الذين لا يصفونهم بأنهم إرهابيون في حركة خدمة."
وكما يشير رولان بارت في مقولته الشهيرة فإن الفاشية تقهر الكلام. وبالمقارنة بمنع الحديث، فإن ما تمر به تركيا اليوم هي مرحلة أخرى من مراحل الفاشية. وتختلف الطريقة الثالثة من الضغوط الاجتماعية وهي والنأي بالذات قليلا عن الطريقتين الآخريين.
وفي حين أن الطريقتين الأولى والثانية تُفرضان بصورة مباشرة من قبل أشخاص على أشخاص آخرين، فإن الطريقة الثانية ذات دوافع ذاتية وطبيعة غير مباشرة. ويمكن اعتبار أن طريقة النأي بالذات عبارة عن أثر جانبي للطريقتين الأولى والثانية من الضغوط الاجتماعية. وما أشير إليه بالنأي بالذات هو ميل الناس نحو إبعاد أنفسهم عن جماعة شريرة أو شخص شرير من خلال إعلان أنهم لا يحبون (أو يكرهون بالفعل) هذه الجماعة أو هذا الشخص قبل أن يقولوا أنهم يتفقون معه.
والآن إذا أجرينا بحثا في موقع فيسبوك عن "أنا أكره ... مثل السم لكن ..." باللغة التركية، سنجد أمثلة لأناس يقولون أنهم يكرهون سياسي معارض بعينه، لكن "هو يقول الحقيقة" أو "أنا أؤيد أي شئ يقوله."
والسبب النفسي الرئيسي الذي يقف وراء هذا النمط هو القلق من ربطهم بشخص أو بجماعة غير مرغوب فيهم. وثمة سبب آخر وهو صراع الشخص لإضفاء المزيد من المصداقية على حجة شخص آخر عن طريق إظهار حيادية التعليق.
وقد طور الشعب التركي آليات الدفاع النفسي التي سبق ذكرها خلال السنوات التي عاش خلالها في بيئة سياسية تروج للاستقطاب في المجتمع.
وقد أدت عدم القدرة على التواصل بين الأيديولوجيات إلى الانتقال إلى غرف صدى على وسائل التواصل الاجتماعي يسمع فيها الناس أصوات أولئك الذين يفكرون مثلهم فقط. ومن خلال استبعاد أي شخص يتساءل أو ينتقد الأيديولوجية أو قائد المجموعة، فإن الأفكار الموجودة تتعزز، وتتزايد المسافة بين المجموعات. إنها حلقة مفرغة تجعل من المستحيل بالنسبة للأشخاص ذوي الأيديولوجيات المختلفة إيجاد أرضية مشتركة أو التواصل على نحو لائق. 
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: