أوليفر رايت
يونيو 08 2018

قيادات تركيا تتخبط بنظريات المؤامرة

كان من أهم التغييرات في المشهد السياسي التركي خلال العقد الأخير عودة نظريات المؤامرة التي يجري الترويج لها بشكل رسمي للظهور على السطح من جديد.
وكثيرا ما وجدت مثل تلك النظريات تربة خصبة في تركيا، على الرغم من أن الحكومة لم تكن تروج لها على نطاق واسع في السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية، التي بدأت منذ عام 2002، عندما كانت الحكومة تسعى إلى توسعة دائرة علاقاتها مع العالم الخارجي، وخاصة مع الغرب، وعندما شهد الاقتصاد ازدهارا.
وحتى فترة محاكمات المطرقة وارغينكون – التي بدأت عام 2008 وفقدت مصداقيتها لاحقا، عندما وُجهت اتهامات لمئات المنتمين للجيش بإعداد مخططات ضد الحكومة – لم تكن نظريات المؤامرة تلك قد عادت إلى الواجهة بقوة.
بعد ذلك التاريخ لم يكن هناك ثمة تراجع عن هذا التوجه؛ فاحتجاجات منتزه غيزي في عام 2013 جرى تفسيرها على أنها مخطط أعدته مجموعة من الفاعلين على الساحة، ومن بينهم داعمون من المستبعد أن يكونوا وراء ذلك المخطط المزعوم، مثل شركة لوفتهانزا ورجل الأعمال جورج سوروس.
وتستخدم نظريات المؤامرة هذه الأيام بشكل روتيني لتفسير جميع المشاكل التي تواجهها الحكومة التركية، أو لتفنيدها، كبيرة كانت أو صغيرة.
وفي الأسابيع الأخيرة على سبيل المثال، لم يوضع في حساب التفسيرات التذبذب المرعب في قيمة الليرة التركية، ولا عدم قدرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تقديم أدلة على أنه أكمل تعليمه الجامعي وحصل على شهادة عليا.
ويبدو الكثير من النظريات غير مألوف حتى بمعايير نظريات المؤامرة. ومن الأمثلة على ذلك ادعاء يغيت بولوت – وهو أحد مستشاري أردوغان – بأن طهاة أجانب يزورون تركيا للمشاركة في برامج تلفزيونية يعملون جواسيس وأن أعداء أردوغان يحاولون قتله باستخدام أسلوب التحريك الذهني.
لكن آفاق نظرية المؤامرة أرحب لدى آخرين؛ ومثال على ذلك التأكيدات بأن عصابة غامضة يقودها "عقل أكبر" غير محدد الاسم تخطط لتفتيت الجمهورية التركية و/أو إفشال ما يُطرح على أنه صعود البلاد الذي لا هوادة فيه إلى مصاف الدول العظمى.
وكل هذا العدد الكبير من نظريات المؤامرة المطروحة يفتقر كثيرا إلى أدلة. ومعظم تلك النظريات يتحدث عن خصوم أجانب يصرون على الإضرار بتركيا، والهدف الأساسي من تلك النظريات هو زيادة التأييد للحكومة.
ومن المفترض ألا يثير لجوء الحكومة بشكل مطرد إلى نظريات المؤامرة دهشة أي شخص على دراية بانزلاق تركيا إلى الاستبداد وميل مثل تلك الحكومات الموثق إلى استخدام أدوات التبرير هذه.
وأحد الجوانب التي تختلف تركيا فيها عن الدول المستبدة الأخرى هو اعتمادها على الاستثمارات الأجنبية، وخاصة الغربية. ويعد هذا الجانب مشكلة للحكومة، إذ إن معظم اللاعبين الذين تصورهم نظريات المؤامرة التي يروج لها بشكل رسمي على أنهم غيلان، هم أيضا يساعدون في تحريك العجلة في تركيا.
ومما لا شك فيه أن الحكومة التركية على دراية بهذا التناقض وأنها سعت لمعالجته من خلال محاولة إيجاد موارد بديلة للاستثمار ومن خلال محاولة قصر تداول نظريات المؤامرة على الجمهور في الداخل.
وفي هذا الشق الأخير، تلقت الحكومة دعما من ميل الكثير من المراقبين الخارجيين إلى استنتاج أن الخطاب الذي ينطوي على نظريات مؤامرة موجه بالكامل للاستهلاك المحلي وأن القادة الأتراك أنفسهم لا يعتقدون فيه.
لكن الوضع يبتعد أكثر فأكثر عن هذا التصور. ففي أعقاب زيارة للندن في الآونة الأخيرة، أثار أردوغان فزع المستثمرين عندما أعلن نيته السيطرة بصورة أكبر على الاقتصاد بعد انتخابات يونيو، وهو ما جعل الناس يتساءلون ما إذا كانت الآراء الاقتصادية غير التقليدية التي يتحدث بها علنا من آن لآخر قد تكون تتجاوز كونها خطابا يستهدف الناخبين في الداخل.
الأمر ذاته ينطبق على العلاقات الخارجية. فتركيا تشيطن القوى الغربية من جهة – إذ تتهمها على سبيل المثال بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت عام 2016 – بينما هي في الوقت ذاته تعتمد على تلك القوى في تحقيق الأمن والأمان.
من ثم فإن الحكومة التركية تجد نفسها تقترب من مفترق طرق. فمن ناحية، قد تكون نظريات المؤامرة طريقة سهلة للحفاظ على التأييد الشعبي؛ لكن من ناحية أخرى، فإن تداعيات بدء المراقبين الخارجيين في تأويل هذه النظريات على أنها تعبير عن المعتقدات المتأصلة لدى الحكومة التركية ستكون سلبية، ليس فقط على الاقتصاد التركي، ولكن أيضا على العلاقات الخارجية.
وحالما يُفتح صندوق الشرور هذا، سيكون من الصعب إقفاله من جديد. وفي نهاية الأمر، فإن من الصعب جدا أن يجلس أردوغان وشلة مستشاريه – الذي يحددون مجريات الأمور في تركيا – للنظر في قائمة نظريات المؤامرة الطويلة التي يروجون لها ليبينوا ما الذي يعتقدون فيه وما الذي لا يعدو كونه كلاما.
فهل يلغي المهتمون بشؤون الطهي إجازاتهم في تركيا خشية أن يتعرضوا للاعتقال بتهمة الجاسوسية؟ وهل على شركة ما أن تعيد النظر في استثمارات مزمعة لأنها قد تُعتبر جزءا من مخطط لإضعاف الليرة التركية؟ هل على الحكومات الغربية أن تمنع صادرات الأسلحة لتركيا في حالة ما إذا كانت تلك الأسلحة تستخدم ضدها؟ إن قائمة الشكوك طويلة طول قائمة نظريات المؤامرة.
لكن الأمر الجلي هو أن السلطات التركية لا يمكنها التراجع بسهولة عن خطابها المنطوي على نظريات مؤامرة دون أن تجعل الناخبين الكثيرين الذين اشتروا الوهم يقدحون زناد فكرهم. كما أنها لا تستطيع الاستمرار في ترويج مثل هذه النظريات من دون أن تُلحق الضرر بالاقتصاد التركي وبوضع البلاد على الساحة الدولية.
والأرجح أن ترويج مثل هذه النظريات سيستمر طالما أنها تلقى قبولا لدى أردوغان وقاعدته في حزب العدالة والتنمية. وقد تكون التداعيات التي ستلحق بالبلاد كثيرة، وهي جلية بالفعل في واقع الأمر، إذا تسعى تركيا إلى تقليل اعتمادها على الغرب والتقرب أكثر من روسيا. وأي صعوبات قد تكون على هذا الطريق سيتم تفسيرها بالشكل المناسب باستخدام نوع نظريات المؤامرة ذاته الذي لعب دورا في وضع تركيا على هذا المسار من البداية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: