عمر ياديكاردش
مارس 24 2018

كاتبة تركية: مساعٍ لهدم الماضي، وعدوان لخلق ذاكرة جديدة

 

خلال الأيام الأخيرة صدر كتاب "المنزل الكائن بنهاية الطريق" للكاتبة التركية "أويا بايدار". ولقد قامت الكاتبة في هذا الكتاب ومن خلال عدة أجيال، بتسليط الضوء على التغيرات التي شهدتها تركيا من خلال مسار أحداث استمر حتى يومنا هذا، بدأ في منزل العام 1913، وامتدّ لفترة ستينات القرن الماضي.
اثناء انشغالكم في قراءة هذا الكتاب تضطرون غير مدركين لاستجواب أنفسكم وذاكرتكم بما تضمنه الأثر من حوارات وأصوات داخلية لشخصيات كانت شاهدة على الماضي السحيق، واليوم الحاضر.
الكتاب احتوى بين دفتيه العديد من الأسئلة التي ليس لها إحابات قاطعة وواضحة، فضلا عن تناوله قضية انتحال التغير الذي شهدته تركيا سياسيًا، ذاكرةً أخرى عبر الأجيال المتعاقبة، وعرضه قصصًا حياتية مختلفة بدأت من مدينة إسطنبول، واستمرت حبكاتها وأحداثها في ولاية ديار بكر، والعاصمة الفرنسية باريس.
 
يمكننا أن نقرأ بين ثنايا سطور الكتاب، تاريخ دولة ما، ونستشف أيضًا كيف كان الوجه الذي انتحله هذا التاريخ عبر أجيال متعاقبة، يمكننا إدراك ذلك من خلال أحداث دارت في إحدى البنايات كما يعرض الكتاب، تلك الأحداث التي عاشتها سلة من البشر بين جدران تلك البناية. وفي هذا الصدد تحدث موقع "أحوال تركية" مع مؤلفة الكتاب، أويا بايدار، التي تطرقت في حديثها إلى الذاكرة التركية، ومدينة إسطنبول، والآواصر المتصلة بماضي هذه البلاد، كما ناقشت معنا كذلك مستقبلها.
 
"المنزل الكائن بنهاية الطريق"، ليس بنهاية الطريق كما أوضحتم في كتابكم. ومما لفت انتباهي حول مكان المنزل، قولكم في الكتاب "قال إنه الشيء الماثل على قارعات كل الطرق: التطلع لأيام أجمل، وأمل المستقبل، قال ذلك دون أن يهتم إن كان قد فهم أم لا" فانطلاقًا من هنا ومن هذه الشخصية كيف ترون أمل المستقبل وإمكانية أن ترى تركيا أيامًا جميلة كلما مضى الوقت؟ وهل هنا نظرة الحنين للماضي تتملك الأجيال السابقة؟
في حقيقة الأمر شيد ذلك المنزل في ستينيات القرن الماضي، وكان بالفعل في نهاية طريق موحل وناءٍ بشكل كبير. والآن اختفى بين مراكز التسوق، والأسواق، والتكدس الخرساني الذي بات يخنقنا من كافة الاتجاهات، اختفى أثره في ظل التحول العمراني والحضري الذي تشهده البلاد. والجملة التي نقلتموها من الكتاب عند طرحكم السؤال، كانت إجابة من الجدة على سؤال للحفيد "آندي" الذي قال فيه "حسنًا، ماذا كان يوجد عند قارعة الطريق؟"
وبالنسبة للأمل المتعلق بالمستقبل، وإمكانية رؤية أيام أفضل، كما سألتم، دعني أقول لكم إنني متشائمة للغاية هذه الأيام. لكن بالطبع لا يمكن أن يستمر الحال على هذا المنوال أبد الدهر. وأنا أرى أن عودة البلاد لطبيعتها، وحصولها على السلام والاستقرار حتى ولو بقدر ما، أمر سيستمر كثيرًا، وسيكون مؤلمًا في ذات الوقت. وكما شاهدتم في الرواية فإن الأجيال التي بلغت من السن عتيًا، تتوق كثيرًا للماضي البعيد. لكن حالتي النفسية تنبع من نظرة واقعية للبلاد والمجتمع، ولا تنبع من مجرد الحنين.
 
نشهد في الكتاب الخاص بكم تحول تركيا وتغيرها هي والمدينة (إسطنبول). ولقد تحدثتم عن أن السياسات الاقتصادية للبلاد كانت سببًا في إنشاء مدينة جديدة، ما ترتب عليه ضياع المدينة القديمة واختفاء عبقها وتاريخها. فباعتباركم أحد من عاصروا المدينة بحالها القديم، كيف ترون المدينة مستقبلا؟ وهل ضاع عبق إسطنبول ولونها، أم أن أصحاب المدينة الجدد يسعون لخلق ذاكرة وعبق جديدين من خلال مواكبة التغيير؟
لا شك أن تغير المكان المادي، يعتبر أحد الموضوعات الرئيسية التي يتمحور حولها الكتاب. فعلى سبيل المثال، المنزل الكائن في نهاية الطريق، على وشك أن يذهب ضحية مشروع التحول العمراني الحضري. وإسطنبول مدينة خاصة، ومكانٌ أعاد من تعاقب عليه منذ آلاف السنين، تنظيمه وتشكيله كل وفق مخيلته وتصوره له؛ لكن مع كل هذا فإن هذه المدينة تتمتع بروح قوية استطاعت أن تحافظ على هذه الروح طيلة تلك العصور. ومع هذا فإن ما نشهده هذه الأيام من إنشاءات، وعمليات إحلال وتجديد، تعتبر مساعي لطمس المدينة، ومحو ذاكرتها، واستبدالها بذاكرة جديدة. ورغم ذلك أنا أثق في قدرة هذه المدينة على الانبعاث من جديد. فلقد كانت كذلك، وستظل على مر التاريخ.
 
ثمة جملة وردت في كتابكم تقول "عندما يغادر جيلنا هذه الدنيا ويرحل عنه، فإن كل شيء سينسى، ويلفه العدم في طياته، ليصبح نسيًا منسيًا كأن لم يكن". وكما تعلمون هناك جيل لا يتذكر على الإطلاق تلك الفترة التي كانت بها الحركات اليسارية في تركيا منظمة وقوية. كما أن هناك أوضاع عجزت الشخصيات الواردة بالكتاب عن حلها في الماضي. فكيف ترون نظرة الأجيال الحديثة للماضي؟
جهل الماضي ليس قاصرًا فقط على الأجيال الحديثة، جيلنا أيضًا لم يعرف الفترات الماضية حق المعرفة، ولم يدركها بالشكل المطلوب. فنحن مجتمع يفتقر لإدراك التاريخ. وثمة نصيب كبير في هذا للتلاعب في التاريخ والمغالطات التي تمت بحقه. فنحن لم ننجح بأي حال من الأحوال في مواجهة ماضينا ومحاسبة أنفسنا. والأجيال الحديثة، أي شباب اليوم أكثر منا سوءًا؛ لأنهم أمام ما يتعرضون له من صدمات كبيرة، ينشدون الاستقرار في عدم الاكتراث، والسعادات الفردية.
وهناك وجه آخر للمسألة، وهو أنه لا يتعين علينا أن نظلم هؤلاء الشباب ونقول إنهم بدون هدف أو عمل. فالأجيال الجديدة مثلنا تماما يكافحون ويناضلون على أمل أن تكون هناك حياة أفضل، لكن موضوع النضال ومجالاته مختلفة بيننا. فهم عندهم حراك مستدام من أجل البيئة، ومن أجل الطبيعة، وحقوق المرأة، والسلام، وتحرك مناهض للعنصرية.
قراءة في كتاب "المنزل الكائن بنهاية الطريق"

 

نريد أن نعرف الشخصيات الشابة الواردة في الكتاب. من هذه الشخصيات الشاب (أوما) الذي قال "ستجد إجابة هذ السؤال بنفسك عندما تكبر، بالطبع إذا اهتممت وبحثت عن إجابته"، وذلك في رد على سؤال "من يترك الأطفال جوعى، ومن يقتل الناس؟". فمن وجهة نظركم  كم هو مقدار اهتمام شباب اليوم أو كم هو حجم الرغبة لدى شهود ذلك اليوم لنقل الماضي لشباب اليوم؟
كما قلت آنفًا، فإن موضوعات "الاهتمام" تغيرت. فالاهتمام بالماضي، والشغف به بات من نصيب تاريخ الأفراد، وتاريخ العائلات بشكل أكبر. ولعل لبروز مشاكل الهوية بشكل ملحوظ، سببًا كبيرًا في هذا. فالشباب لديهم الآن شغف كبير لمعرفة أين هم، ومن أين جاءوا، ثمة فضول كبير لديهم لمعرفة هويتهم. وهذا الفضول لا شك يذهب بهم إلى التاريخ الاجتماعي أكثر من التاريخ العائلي. ومن المؤكد أنه بالإمكان الإجابة على أسئلة الهوية من خلال زرع التاريخ العائلي في التاريخ الاجتماعي.
 
عندما أصبحت شخصية "إرمق" عروسًا في ولاية ديار بكر، فهمت العائلات بعضها البعض على عكس ما كنت تعتقد "إرمق" نفسها. وفي هذا السياق لفتت انتباهي هذه الجملة "المنزل اتحد ثانية عبر الأموات من خلال الأخوة المتراكمة. ربما الموت أكثر مقربًا للأحياء من الحياة في حد ذاتها. كما أن مشاركة الآلام أكثر توحيدًا وجمعًا للناس من السعادة". ومن ثم هل تعتقدين أن الناس في تركيا من الممكن أن يتحدوا بعد ما شاهدته البلاد من آلام وويلات خلال السنوات الأخيرة؟ أم أن الشوق لهذه الوحدة سيظل حبيس خيالاتنا كتلك الحبكة الروائية التي يعرضها الكتاب؟
"الأخوة المتراكمة" المذكورة في الكتاب، نابعة من حدث ورد في الرواية كان يدور حول إعدام كبار الشخصيات في عائلتين بوقت سابق، ومن هنا نفهم أن من ذاقوا نفس الألم، لا شك أنهم يفهمون بعضهم البعض أكثر من غيرهم. فكما تعلمون مشاركة الألم أصعب بكثير، وأكثر مما تتخيلون من الاجتماع على الفرح والسعادة؛ فإذا نجح الناس في مشاركة آلامهم وأوجاعهم سيتحدون لا محالة.
أما في تركيا فالآلام لا توحد الناس، بل على العكس تفرقهم وتشق صفوفهم؛ لأن النظام الحاكم يؤلم هذا الطرف أو ذاك، ومع هذا نقف ونصطف خلفه ونؤلم بعضنا البعض، فترون أن التركي يؤلم الكردي، والكردي يوجع التركي، والمسلم يفعل الشيء مع العلماني، والعلماني لا يتوانى عن المعاملة بالمثل تجاه المسلم. وحتى لا يبقى هدف الاجتماع على كلمة واحدة، والتعاضد بين فئات المجتمع مجرد خيال، يتعين في المقام الأول تهيئة الأجواء لحلول السلام، وعودة الحياة لطبيعتها. ومن بعد ذلك تأتي مرحلة مواجهة آلامنا وجرائمنا، ثم تصفية الحسابات.
 
وردت في الكتاب جملة تقول "الجميع يتخيلون فترة ما قبل الميلاد كل حسب أهوائه، ويبدأ في الحديث عنها. ومجتمعنا لا يملك ذاكرة تحتفظ بالآلام ولا الخيانات. لا بأس..". وانطلاقًا من هذه النقطة، وإذا نظرنا إلى ما يحدث الآن، كيف ترون تركيا بخصوص مسألة تخلصها من مسألة الحيادية؟
من الواضح للجميع، أننا في هذه الأثناء نعيش أيامًا سيئة للغاية، أيامًا نعمل فيها على تعميق المشكلات بدلًا من حلها. ولنضف لحالة اللاذاكرة التي نعيشها منذ زمن، ما يقوم به النظام من مساعي لهدم الماضي بكل ما فيه، وعدوانه لخلق ذاكرة جديدة.  وإن كانوا في الماضي قد قاموا بتأسيس الجمهورية التركية والدولة التركية القومية، من خلال إعادة إحياء الماضي، فاليوم نراهم يسعون لتمرير مخططات لمسح الذاكرة التي أوجدتها جمهورية العام 1923 (تاريخ تأسيس الجمهورية)، وإنشاء ذاكرة وخيال القوى الجديدة التي تحكم البلاد، يروجون لذلك من خلال إطلاق سلسلة من الشعارات مثل "تركيا الجديدة" التي يدعون أنهم يسعون لتأسيسها.
ومجددًا نجد أنفسنا داخل حلقة مفرغة. فهل بإمكاننا التغلب على هذه المخططات والالتقاء ثانية وبشكل مستمر ودائم بتاريخنا ومجتمعنا؟ أمر ليس بالسهل الهين، وليس بالسريع.. لكن لا شك أنه سيحدث يومًا ما.
 
في كتابكم طرحتم سؤالًا مفاده "هل نحن دولة مُقدّر عليها أن تعيش نفس الكابوس من الأجداد للأحفاد؟"، فإذا ما سألكم شاب في العشرينات هذه الأيام عن إجابة لهذا السؤال، فهل من الممكن أن تجيبيه؟
كنت لأقول له إن تغيير القدر أمر متاح لك، ويمكنك فعل ذلك بيديك.
 
عمر الإنسان الذي يبلغ في المتوسط 85 عامًا، يشمل فترة صغيرة للغاية داخل مساحة طويلة من الزمن  ممتدة منذ بداية الخليقة وحتى يومنا هذا. وكل جيل من الأجيال مر عبر هذا الزمان، يرى ما عاشه أمرًا ذا قيمة. لذلك هل يمكننا أن نرى بعد سنوات كتاب جديد ككتاب "المنزل الكائن بنهاية الطريق" يحكي لنا ما يحدث اليوم بنفس الحبكة التي جاءت في كتابكم؟
بالطبع ستكتب العديد من الكتب على شاكلة "المنزل الكائن بنهاية الطريق"؛ لأنه ليس بمقدوركم إيقاف سيرورة الزمن. فالزمان وهو يسير ويمر يغير الأشياء التي يدفعها أمامه، وكل جيل من الأجيال يعيش زمانه ويترك الحياة ويرحل.
"المنزل الكائن بنهاية الطريق"

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: