كارثة خلف تحذير صندوق النقد الدولي لتركيا

بعيداً عن نتائج الانتخابات المحلية التركية التي أُجريت في 31 مارس الماضي، والتي عززت الحكومة فيها سلطاتها في الوقت الذي حققت فيه المعارضة انتصارات في مدن كبرى، تحتاج تركيا إلى البدء في اتخاذ إجراءات لصالح اقتصادها. 
قبل عشرة أيام فقط من الانتخابات، حذر جيري رايس المتحدث باسم صندوق النقد الدولي تركيا من أن المشاكل تطرق أبوابها.
وقال رايس في إيجاز صحفي "هناك تباطؤ كبير في اقتصاد تركيا، وحكومتها بحاجة إلى التعامل مع هذه المشكلة بشكل فوري ودقيق".
وبلغ معدل النمو التركي 2.6 بالمئة في عام 2018، وهو أسوأ أداء للبلاد في العقد الأخير. وعلى الرغم من أنه ما زال من المبكر توقع معدل النمو لعام 2019، فإن هناك احتمالاً لعدم تسجيل نمو. وإذا حدث هذا، فسوف يكون على تركيا أن تواجه مشاكل خطيرة، خاصة فيما يتعلق بالتوظيف.
وما تحتاج تركيا إلى فعله واضح للجميع بشكل أو بآخر؛ فهي بحاجة إلى الدخول على مسار تسجيل نمو إيجابي في أقرب وقت ممكن. وكما يتبين من تحذير صندوق النقد الدولي، فإن تسجيل نمو منخفض للغاية – أو سلبي – لا يؤثر على البلاد فحسب، وإنما يخلق أيضاً عوامل خارجية سلبية ومخاطر على الاقتصاد العالمي.
ويجب أن تكون أجندة تركيا الرئيسية خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة القادمة هي كيفية إدارة دفة الاقتصاد باتجاه تحقيق نمو مستدام. ويجب أن تسير الأمور على هذا النحو، لأنها إذا ما سارت على خلاف ذلك ستشهد تركيا كارثة اجتماعية واقتصادية في ظل معدلات نمو منخفضة في بلد يدخل عدد لا بأس به من الشباب إلى سوق العمل فيه كل عام.
ويجب الإشارة إلى أن تركيا نفسها مسؤولة عن نموها المنخفض بسبب ضعف جودة النظام التعليمي على مدى عقود، وانخفاض معدلات الادخار، وتآكل سيادة القانون الذي أدى بدوره إلى انخفاض معدلات الاستثمار الأجنبي خلال السنوات القليلة الماضية.
ومن الأمور السخيفة حقاً أن ننظر إلى النمو المنخفض على أنه شيء يحدث بسبب ألاعيب القوى الخارجية.
وبعد أن انتهت الانتخابات، فإن أمام تركيا مهمتين كبيرتين.
أولى هاتين المهمتين هي أن تتخذ تركيا خطوات باتجاه تأسيس نظام تعليمي يُزيد عدد الشباب الملتحقين بالمدارس ويصل إلى المعايير الأوروبية. ومن الصعب أن نتفاءل بأن مثل هذه الإجراءات ستُنفّذ، حيث أن النهج الذي تتبعه الحكومة التركية تجاه المجتمع – ومن ثم النظام التعليمي – لا يسمح لها بتقديم خدمات تعليمية مناسبة لتحقيق نمو في الأجل الطويل.
والتعليم الفني في حالة فوضى، وكذلك نظام التعليم الابتدائي. أما فرص التعليم ما قبل المدرسي، فهي محدودة للغاية؛ والأهم من ذلك أن جودة التعليم الجامعي، وعلى وجه الخصوص برامج التعليم الجامعي العالي، ضعيفة. وأعتقد أن الخطوات التي ترغب الحكومة في اتخاذها لإجراء إصلاحات في التعليم تُشير إلى مسار في الاتجاه المعاكس.
وما يثير القلق أكثر هو حقيقة أن المعارضة السياسية تفتقر أيضاً إلى وجود مقترحات لتوفير تعليم يحقق النمو؛ فالمجموعتان اللتان تهيمنان على المشهد السياسي في تركيا، وهما المحافظون والعلمانيون، تتعاملان مع التعليم على أنه أداة تدعم بعض الشيء أهدافهما السياسية، بدلاً من التركيز على الحرية والإبداع والكفاءة. ولسوء الحظ فإن هذا الأمر يدل ضمناً على أنه لن يكون هناك مخرج من هذا النظام في الأجل الطويل.
وترتيب تركيا منخفض بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فيما يتعلق بمقاييس التعليم ومخرجاته؛ غير أنه لا يبدو أن أحداً مهتم بشأن هذه البيانات على وجه الخصوص. وقد زاد متوسط سنوات التعليم في العقد الماضي؛ لكن هذا لن يُفضي إلى تعزيز رأس المال البشري الضروري لتحقيق نمو، حيث أن جودة التعليم المقدم منخفضة تماماً.
الموضوع الثاني الذي يجب أن نناقشه في أعقاب الانتخابات المحلية هو تأسيس سيادة القانون بما يتوافق مع المعايير الدولية. وهذا أسهل نسبياً مقارنة مع تحسين النظام التعليمي، حيث أن اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه سيلقى دعماً دولياً، فضلاً عن توافر المرجعية بشأن ما يلزم عمله في هذا الاتجاه. بيد أنه يستلزم أيضاً وجود رأس مال بشري مؤهل بصورة أفضل وإرادة سياسية لديها عزم قوي على تعزيز سيادة القانون.
وفيما يتعلق بالتعليم، فإن الإرادة السياسية غير كافية نظراً لأن تحسين النظام يستلزم ما لا يقل عن مليون مُعلم مؤهل بصورة جيدة في الأجل الطويل. في المقابل، فإن التراجع الاقتصادي وما يتبعه من ضغوط على الميزانية قد لا يسمح بضخ مثل هذه الاستثمارات حتى إن تواجدت الرغبة السياسية لذلك.
وقبل انتخابات 31 مارس، كانت تركيا تناقش بشكل أساسي موضوعات مثل بقاء الدولة والمحافظة على اقتصادها، وهي أمور أعتقد أنه لا معنى لها. أقول هذا لأن المناقشات ذات الصلة ببقاء الدولة صارت أمراً غريباً من دون مناقشة التعليم وسيادة القانون، حيث أن هذين البندين الآخيرين هما العاملان الأساسيان اللذان قد يضعا بقاء الدولة على المحك، لا بعض الجماعات السياسية الموجودة على الحدود الجنوبية لتركيا.
كما أنه لا معنى لإصدار وعود ببناء اقتصاد مُنتج من غير مناقشة النظام التعليمي وسيادة القانون. ويمكن زيادة الإنتاج فقط من خلال وضع نظام تعليمي يتسم بالجودة العالية، ومن خلال سيادة القانون. لكننا نجد أن من يملأون الدنياً حديثاً عن بناء اقتصاد منتج نادراً ما يتحدثون عن الخطوات اللازمة للتأسيس لمثل هذا الاقتصاد.
هذان الموضوعان هما ما أفهمه من تحذير صندوق النقد الدولي. وعلى تركيا أن تتخذ خطوات باتجاه حل هاتين المشكلتين المهمتين بدلاً من الدخول في حالة من العناد مع صندوق النقد الدولي ومناطحته.
ففي واقع الأمر، لن يكون هناك مفر من إنقاذ مالي تحصل عليه تركيا من صندوق النقد الدولي، ما لم تشمر هي عن ساعديها وتتجه إلى تحسين النظام التعليمي وسيادة القانون.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/how-read-imfs-warning-turkeys-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.