كاوا نمير يتعهد بجعل أمستردام مركزاً للنشر باللغة الكردية

منحت مؤسسة الأدب في أمستردام الشاعر والمترجم الكردي كاوا نمير فرصة لالتقاط أنفاسه بعد وصوله إلى هولندا قادما من تركيا حيث كان يتعرّض لضغوط سياسية متزايدة. أصبح نمير كاتباً مقيماً في برنامج المؤسسة "مدينة الملجأ".
لكن نمير ليس من النوع الذي يلتقط أنفاسه، فهو يعمل بجد منذ أن وصل إلى أمستردام قبل أربعة أشهر. ويقول نمير في مقهى بشارع جانبي على إحدى القنوات التاريخية الشهيرة في أمستردام "أنا مثل المقاتل... أتعامل مع مهمتي بجدية تامة ولا أتركها أبداً." وتمثل المهمة المقبلة نشر مئات الكتب باللغة الكردية، سواء أكانت كلاسيكيات كردية أم دولية.
واليوم بعد أن أصبح النشر باللغة الكردية في تركيا أقرب إلى المستحيل، يهدف نمير إلى جعل أمستردام مركزاً للأدب باللغة الكردية.
في الساعات التي سبقت المقابلة كان كاوا نمير ضيفًا في متجر للكتب العربية في أمستردام ينظم فعاليات مع كتاب وشعراء ومترجمين من الشرق الأوسط، وقد وصل العديد منهم إلى هولندا منذ الحرب السورية. وأوشك نمير على الانتهاء من ترجمته الكردية لكتاب يوليسيس الكلاسيكي للكاتب جيمس جويس، وكان على المنصة مع مترجم هولندي لجويس. وقد قاما معاً بالتعبير عن أجزاء من العمل بلغاتهما الأم وتحدثا عن الصعوبات ولكن تحدثا كثيرا أيضا عن متعة القيام بترجمة أعمال جويس.
وبالنسبة لنمير، تطرقت ترجمة أوليسيس مباشرة إلى الكفاح مع لغته الأم، واللهجة الكردية (كرمانجي). خلال فعالية المكتبة، أخبر الجمهور أنه عندما بدأ كمترجم، منذ ما يربو على 20 عاماً، كانت تلك وسيلة لتعلم لغته الأم بشكل أفضل.
وأوضح نمير "في تركيا، اللغة الكردية ممنوعة ولا يمكننا تعلمها في المدرسة. معلمتي الأولى في الكرمانجي كانت والدتي. بينما كنت أقوم بالترجمة، كانت تساعدني في العثور على الكلمات المناسبة، واللغة العامية الصحيحة، والتعبيرات السليمة."
وقد ترجم نمير ما يزيد على 100 كتاب، وتم نشر 28 كتابا منها، ومن بينها عدة أعمال لشكسبير وغيرها من الأعمال الكلاسيكية.
وما يثير الدهشة أنه قال إنه لا يترجم للقراء المحتملين ولكنه يترجم للكتاب الأكراد. ويقول نمير "أعطي الكتاب كلمات. من خلال الترجمة، أتوسع في بناء الجملة الكردية. يتم وضع العديد من التراكيب والكلمات التي أستخدمها باللغة الكردية على الورق للمرة الأولى. هذا مهم في الحفاظ على اللغة. بالطبع، نحن في حاجة إلى التعليم المناسب باللغة الكردية في المدارس في تركيا، لكن لا يمكننا انتظار ذلك. لدي مسؤولية."
وأضاف "تعرفون، ليس من السهل ترجمة أعمال جيمس جويس وشكسبير، لكنني أفعل ذلك أيضاً لأنني أريد استخدام الإمكانيات الكاملة للغتي الأم."
ولد كاوا نمير في العام 1974 لعائلة ميسورة الحال في إقليم آيدر بشرق البلاد. وعندما كان طفلاً، انتقل إلى إسطنبول مع عائلته وحصل على شهادة في الأدب الإنكليزي.
وقبل نحو 15 عاماً، انتقل إلى ديار بكر، أكبر مقاطعة في جنوب شرق تركيا الكردي. ونظراً لوجود عدد قليل من العقبات السياسية أمام النشر باللغة الكردية في ذلك الوقت، بدأ هو وعدد قليل من الآخرين بتأسيس دار لايس للنشر.
كانت الدار تهدف إلى إعادة نشر الأعمال الكلاسيكية الكردية، فضلا عن تلك الأعمال التي كانت متاحة من قبل فقط باللغة العربية، وترجمات من الأعمال الكلاسيكية العالمية.
وجنبا إلى جنب مع اثنتين من دور النشر الأخرى، أفستا، التي تركز في الغالب على الكتب الكردية الأصلية، وأرام، التي تنشر أعمال السجناء السياسيين الأكراد ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، عملت دور النشر على ازدهار سوق الكتب الكردية. لم تكن تُباع مطبوعاتهم في الجنوب الشرقي فحسب، بل كانت تُباع في أنقرة وإسطنبول وأضنة وإزمير وأماكن أخرى أيضاً.

كاوا نمير يتعهد بجعل أمستردام مركزاً للنشر باللغة الكردية

 

أحد أكثر مشاريع نمير نجاحاً كان الترجمة الكردية لمسرحية هاملت، والتي تم عرضها على المسرح من قبل فرقة مسرح راست الهولندية ومسرح ديار بكر المحلي في عامي 2012 و2013. وقد قامت الفرقة بجولة لعدة أشهر في كردستان وتركيا وأوروبا، حيث عرضت المسرحية أكثر من 120 مرة.
لكن في العام 2015، توقفت فجأة أيام النشر المزدهرة باللغة الكردية. في خريف ذلك العام، بدأت في العديد من المدن في الجنوب الشرقي، الحروب بين الجيش التركي ووحدات الحماية المدنية، وهي مجموعة مسلحة من الشباب المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني، وهو حزب له جذور ماركسية-لينينية، تأسس في العام 1978 ردا على الحرمان من الحقوق الكردية في الجمهورية التركية.
استمرت الحروب حتى ربيع العام 2016. وقد تأثرت مدينة ديار بكر بشكل كبير، فقد تم تدمير معظم القلب التاريخي للمدينة ولقي كثيرون من السكان، من المقاتلين والمدنيين، حتفهم. 
وقال نمير إنه كان يعرف عددا من المقاتلين. وأضاف "درس بعضهم اللغة الكردية في الجامعة. اعتادوا الحضور إلى مكتبتي المنزلية، ساعدتهم في الترجمة وقمت بتحرير أعمالهم. ربما كان من الممكن أن يكون أحدهم شاعرا عظيما. لكنهم ماتوا."
وتذكر تسعينيات القرن الماضي، عندما واجه هو نفسه اختيار "الذهاب إلى الجبال" أو لا. وقال "توفي كثير من الناس الذين أعرفهم. قررت البقاء في المدينة." قبل حروب المدينة، كان الناس يزورون مقر دار نشر لايس لشراء الكتب.
بدأ زيارات القراء في التراجع. وقال نمير "لقد تعرضوا للترهيب من قبل الدولة... في أحد الأيام جاءت إلينا معلمة شابة. لقد اشترت العديد من الكتب في السنوات السابقة. جاءت لتعيدها كلها. وقد فتح ضدها تحقيق قضائي لأسباب سياسية. كانت خائفة من استخدام الكتب الكردية ضدها عند العثور عليها في مداهمة محتملة للمنزل."
لم تسفر محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو عام 2016 إلا عن تفاقم الوضع. كان الأشخاص الذين يشتبه في أن لهم صلات بمدبري الانقلاب أو المسلحين أو بالحركة الكردية السياسية القومية معرضين لخطر إلقاء القبض عليهم أو طردهم من وظائفهم.
وأصبح امتلاك كتب كردية في المنزل أو الظهور في دار نشر كردية محفوفاً بالمخاطر. على عكس دار نشر أرام، لم تتم مداهمة دار لايس بشكل متكرر، ولم تتم مصادرة الكتب، ولكن حدث ترهيب، بما في ذلك ضد نمير بصفة شخصية، غالباً من قبل رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية في الشارع.
توقفت مشاريع النشر والترجمة عندما اعتقل رجل الأعمال التركي والناشط الاجتماعي عثمان كافالا، في أكتوبر عام 2017. وفي ظل وجوده في السجن، توقفت الاتصالات مع العديد من المنظمات غير الحكومية في أوروبا التي مولت عمل دار لايس للنشر.
لكن أتغادر كردستان؟ لم يرغب كاوا نمير في ذلك أبداً. انتقل إلى ماردين، على بعد ساعة إلى الجنوب من ديار بكر، للعثور على بعض الهدوء والسكينة في محاولة لمواصلة العمل. لكنه لم يستطع. لم يكن هناك أي عمل. ومثل الكثير من الناس، لم يستطع الخلود إلى النوم جيداً مطلقاً، وكان دائماً في انتظار مداهمة محتملة للشرطة في الساعة الخامسة صباحاً. وجاءت المداهمة، ليس إلى منزله، ولكن إلى اثنين من الطلاب الذين يعيشون فوقه.
وأوضح نمير "حطمت الشرطة باب منزلهم رغم أنهم قالوا إنهم سيفتحون. فتحت بابي لأشاهد إن كان بإمكاني المساعدة ولكنني نظرت إلى فوهة بندقية آلية. صرخت الشرطة وقالت إنني يجب أن أعود وأغلق الباب. ولقد فعلت ذلك."
كان يعلم نمير أن الوقت قد حان للرحيل. وقد قام بتجميع بعض الكتب الثمينة والقمصان في حقيبة سفر واستقل طائرة إلى إسطنبول، حيث أعطته القنصلية الهولندية تأشيرة سياحية.
وقال نمير "لا أريد أن ينتهي بي المطاف في السجن. لا أحد يريد ذلك، لكن لا يمكنني القيام بعملي في السجن. كما قلت، أنا منضبط. علي أن أعمل. يجب علي تقديم مساهمة."
ومع أصدقائه الأكراد في أمستردام، بدأ نمير مؤسسة جديدة، سميت على اسم الشاعر الكردي الشهير أحمدي خاني الذي يعود إلى القرن السابع عشر. إذا لم يعد من الممكن القيام بالعمل من كردستان، فإن أمستردام ستكون مركز النشر باللغة الكردية.
بدأت عملية جمع التبرعات، وبدأت اتصالات مع المترجمين في جميع أنحاء العالم، وقام نمير بزيارة إلى معهد اللغات الشرق أوسطية في باريس، التابع لجامعة السوربون، للعثور على الطلاب الذين يرغبون في استثمار الوقت والترجمة والتعلم.
ومدّد نمير تأشيرته الهولندية. وبعد الملاذ الذي قدمته مؤسسة الأدب بالتعاون مع مؤسسة آن فرانك، يأمل نمير في الحصول على منحة دراسية في مؤسسة أخرى لمساعدته على البقاء في هولندا.
لا تزال مكتبة نمير العامرة في شقته في ماردين، حيث لا يزال يدفع إيجارها. يقوم الأصدقاء بتنظيم الأمور والتأكد من أن بعض الكتب التي يفتقدها أو يحتاجها تصل إليه عن طريق الأصدقاء الذين يسافرون.
وقال نمير "لا أستطيع التحدث باللغة الكردية هنا كل يوم. أنا أفتقدها. أقرأ الكتب وأقرأها بصوت عالٍ أو في قلبي."
 
يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:
https://ahvalnews.com/turkey/kurdish-translator-kawa-nemir-vows-keep-kurdish-publishing-going-amsterdam
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.