مارس 31 2018

كرة القدم التركية.. النادي الذي يصنع الفرق: نادي ألتين أوردو...

 

كل شيء بدأ بمباراة، وهذا ليس من المستغرب. إنها كرة القدم، اللعبة الرياضية التي تتم داخل الملعب. والقرارات التي يتعين اتخاذها والأفكار التي تتبادر إلى الذهن ينبغي لها أن تدعم من الملعب.
"شكر سبور" و"بوجه سبور" الفريقان اللذان ناضلا وكافحا في المربع الذهبي قبل سنوات من أجل التأهل إلى دوري الدرجة الأولى في تركيا قد التقيا وجهًا لوجه باستاد أتاتورك في أنطاليا.
في ذلك اليوم تمكن "شكر سبور" من هزيمة منافسه على الساحة؛ إذ كانت لوحة إعلان النتائج الموجودة في الاستاد تسجل لصالحه هذه النتيجة 4-1. كذلك نجح فريق أنقرة الرياضي في التقدم في الدوري، ولكن فرحته استمرت موسمًا واحدًا فقط؛ إذ فاز على "شكر سبور" بهدف واحد، ثم اختفى من على الساحة.
وقد بدأت شرارات التغيير تنطلق في الجانب الخاسر؛ فبعد هزيمة بأربعة أهداف فكر الرئيس الشاب لنادي بوجه سبور مباشرة في البحث عن سبل لتحقيق نجاح طويل المدى.
وكان ذلك في 30 مايو 1997. ربما يكون القول إن "كرة القدم قد تغيَّرت في هذا اليوم" أمرًا مبالغًا فيه؛ لأنه لم يتغير العديد من الأشياء في السنوات العشرين الأخيرة. وربما علينا أن نصحح فنقول تغير شيء كثير في الحقيقة؛ فقد تحققت نجاحات لم تخطر بالبال، وتم الحصول على المزيد من الأموال، وإنفاق الكثير جدًا، وتغيرت القواعد، وجاءت العديد من الأسماء والشخصيات إلا أنه لم تكن هناك ثورة في كرة القدم عندنا.
سيد محمد أوزقان رئيس نادي ألتين أوردو لكرة القدم
سيد محمد أوزقان رئيس نادي ألتين أوردو لكرة القدم

لقد زاد الاستهلاك والإنفاق أكثر عامًا بعد عام، وهو ما كان يُطلق عليه بشكل عام "قيمة العلامة التجارية". غير أن "سيد محمد أوزقان" رئيس بوجه سبور عام 1997 كشف لمن هربوا من التدريب والتنشئة في فريق "فنر باهتشه" ثم في فريق "ألتين أوردو" قيمة الإنتاج والعمل وأهميته.
ويوم جرت مباراة "شكر سبور" و"بوجه سبور" كان قد بقي 32 يومًا على ميلاد "جنكيز أوندر". أما "جاغلر سوينجو" فقد كان أتم العام الأول من عمره قبل المباراة بأسبوع واحد. وأغلب الظن أنه لم يكن قد ركل الكرة ركلة واحدة بعدُ. أما الآن فهو يلعب في الدوري الألماني لكرة القدم (دوري المحترفين)، بينما جنكيز هو الآن أحد لاعبي الدوري الإيطالي لكرة القدم (دوري المحترفين).
السبب الأول لوجود كلٍّ منهما في أوروبا الآن هو ذلك اليوم الذي تحدثنا عنه... وإلا فنحن جميعًا نعلم أنه كان من المتوقع على الأكثر أن يتعثر هذان الشابان في هذه البلاد بالرغم من كل قدراتهما ومواهبهما.

نادي ألتين أوردو

 

يقص الرئيس سيد محمد أوزقان ذكرياته الشخصية، وبينما يفعل ذلك يحب التأكيد على يوم 30 مايو 1997. ويقول في كل مرة يتحدث فيها أنه أدرك في ذلك اليوم أنه لن يستطيع النجاح من خلال إنفاق الأموال...
بعد ذلك اليوم بدأ أوزقان يبحث ويفتش، ويفكر كيف له أن يتمكن من تحقيق النجاح من خلال الاستثمار في ولده. وقد كان "سربيل حمدي توزون" أكثر شخصية في تركيا أثرت فيه. وقد أضاف إليه أيضًا نماذج من نادي أياكس امستردام الهولندي ونادي أتلتيك بيلباو الإسباني.
استمرت كل هذه الجهود والدراسات 10 سنوات، وفي عام 2007 تأسست أكاديمية بوجه سبور لكرة القدم. إي أن مسيرة وضع وتشكيل النظام استغرقت 10 سنوات، أما مرحلة جني الثمار فقد استمرت 20 سنة. فترة تساوي المدة التي تستمر منذ ولادة لاعب كرة قدم وحتى أول عملية احتراف له..
نادي ألتين أوردو

 

ومع مرور الزمان تأهل إلى الدوري الممتاز فريق (أ) المدعوم من أكاديمية "بوجه سبور". وحين نقلت "صالح أوجان" إلى فنر باهتشه تصدرت العناوين الرئيسية للصحف للمرة الأولى. غير أن الأموال الضخمة التي دخلت الخزانة تسببت في موجة من الجدال والنقاش داخل النادي. فأخذ أوزقان أكاديميته، وذهب إلى نادٍ آخر في إزمير؛ إلى نادي ألتين أردو.
بدأ فريق إزمير من أول السلم، وهو الآن يخطط للدوري الممتاز. غير أن النجاح الحقيقي يكمن في اللاعبين الذين تقدمهم الأكاديمية. فقد تخرج منها عديد من الشباب من أمثال جنكيز وجاغلر؛ يلعبون الآن حتى في ملاعب أوروبا. وفي الطريق هناك آخرون أيضًا مثل: بركه أوزر والأخوين أجه، وباريش آليجي...
سيد محمد أوزقان رجل أعمال مثل العديد من رؤساء النوادي الرياضية. دخل مجال كرة القدم بينما كان يعمل بصناعة الحديد. وهو ما يعني أنه ليس بينه وبين نظرائه أي فرق على الورق. وقد تخرج من كلية إدارة الأعمال جامعة الشرق الأوسط التقنية، والشيء الذي يميزه عن الآخرين يكمن في حبه للإنتاج. إنه لا يستطيع أن يشرح بوضوح شديد لماذا دخل هذا المجال.
ويقول أوزقان إنه لا يهتم بالبطولات وإنما يرغب في نفع المجتمع بالشباب، لدرجة أنَّ من يسمعه من الخارج قد يقول إنه "مجنون". فقد أنفق من جيبه الشخصي 10 ملايين يورو في البداية، ثم 2-3 مليون يورو كل سنة لاحقًا.
وربما أن العديد من الناس لا يفهمون ما يفعل، ويرونه بلا معنى، بينما هو يشبه نفسه بـِ "دون كيشوت" الذي يحارب طواحين الهواء، ويقول "أنا لست شخصًا عاديًّا". ويردف إنه يحب الاستثمار والنمو، ويصطف الناس لمدحه ومشروعه. وهنا يبدأ التناقض.
ذلك لأنه ليست ثمة حاجة لأناس مثاليين مثل أوزقان في بلد عادي. إن الإطراء على مشروعه "ألتين أردو" وظهور نادي "ألتين أوردو" كقطعة ماس نادرة هو في الواقع أحد أعراض وجود أزمة. فهناك العديد من النوادي الرياضية في أوروبا تستطيع البقاء على قيد الحياة لسنوات من خلال التصرف مثل ألتين أردو. حتى إن العمالقة البارزين لم يديروا ظهرهم للإنتاج وتنشئة اللاعبين.
ومن ذلك مثلًا المدرسة الأساسية لفريق ريال مدريد أحد أكثر النوادي الرياضية في العالم إدرارًا للعائدات وهو في الوقت نفسه أكثر النوادي التي تصدر اللاعبين للدوري الإسباني. أما في تركيا فالجميع يهرب من التنشئة والإنتاج، ولأن نادي ألتين أردو الذي يقوم بتنشئة اللاعبين قد تحمل هذا الأمر على كاهله بمفرده (أي لأن كل أصحاب المصلحة قللوا مسؤولياتهم) فهو يحظى بالثناء من الجميع.
وكمثال على ذلك عزيز ييلدريم رئيس نادي فنر باهتشه فقد أوصى بأن تتحرك جميع الأندية الرياضية وفقًا لخطة واحدة؛ حيث قال قبل بضعة أشهر "لا يمكن أن يستمر هذا العمل من خلال ألتين أوردو فحسب". إنه محق فيما رأى، ولكنني تمنيت لو لم يكتب في سيرته الذاتية أنه رئيس للنادي منذ 20 سنة.
وإذا سئل ما هي طبيعة الخطة الإنتاجية التي مارسها فنر باهتشه على مدار 20 سنة، ومن هم الشباب الذين أكسبهم لكرة القدم في البلاد لشقّت عليه الإجابة عن هذا السؤال. ومع ذلك دعونا ألا نكون مجحفين؛ فليس ييلدريم وحده هو المسؤول عن هذا.
لقد نسيت تركيا أن تنتج لاعبين جددًا في السنوات الأخيرة، وكذلك المنتجات الزراعية التي كانت تنتج بكثرة قديمًا في الأناضول لم تعد موجودة في الحقول. وبينما كانت تربية الحيوان أحد مصادر الرزق يتم الآن استيراد اللحوم. وإذا ما أضفنا إلى ما تقدم النقاش الذي دار حول الخصخصة أصبحنا أمام حالة تتمثل في "التركيز على كل ما هو جاهز، والركض للحصول على كل ما هو جاهز." فلم يعد الإنتاج أجراءً ولا عملًا مفضلًا.
علاوة على ذلك سيكون من غير العدل انتقاد سياسات الدولة في هذا الشأن. لقد اعتاد المجتمع بسرعة كبيرة على الموضة والتقاليع الجديدة، وهناك كثير من الناس لا يتورعون التسوق باستخدام البطاقات الائتمانية بالرغم من خلو جيوبهم من النقود، كما يشجعون أحد الأندية الرياضية في الوقت نفسه.
نادي ألتين أوردو

 

إن الأفراد الذين يحصلون على المنتجات التي يريدونها على الفور يريدون أيضًا أن تنجح فرقهم الرياضية في أقصر وقت ممكن، ولذلك يطلبون شراء ما هو ضروري على الفور. وبينما هناك طلب لشراء الجيد ليس هناك صبر من أجل إنتاج ما هو جيد.
لقد تحولت كرة القدم إلى قطاع تجاري وأصبح رضا العملاء الآن واحدًا من أهم المواضيع الأكثر اهتمامًا. في حين أن كرة القدم رياضة في حقيقتها وجوهرها والأندية الرياضية لكرة القدم تتحمل بعض المسؤوليات تجاه المجتمع. حتى وإن لم يطلبها منها المجتمع...
لأن هناك سبب لهذا الكم الكبير من الإعفاءات الضريبية ودعم الأراضي والكثير من الدعم الحكومي. حتى إنه مدون في لوائح الأندية الرياضية يجب ألا يتم نسيان ضرورة تنشئة اللاعبين للرياضة في البلاد.
إن المنطق الذي يدفع الأندية الرياضية إلى شراء اللاعبين، ولا سيما اللاعبين الأجانب على وشك الانتهاء. وهناك عشرات الأندية الرياضية غارقة في مستنقع الديون. وهنا تظهر قيمة نادي ألتين أردو. لأن انتاج لاعبين بشكل صحي وسليم ربما يكون نقطة الانطلاق في كرة القدم في تركيا.
والنقطة الأساسية في الاقتصاد هي العلاقة بين العرض والطلب. وكلما زاد الإنتاج كلما انخفضت الأسعار، وتقلصت النفقات، وأصبح من السهل الوصول إلى مستوى الرفاهية. غير أنه إذا لم يكن هناك إنتاج ارتفعت قيمة الأسعار في الأسواق، وزاد الإنفاق، وأفلس النظام بعد نقطة معينة.
ومع ذلك أيضًا فإنه سيكون من الظلم رؤية نادي ألتين أردو كمساهم في اقتصاد كرة القدم فحسب. ففيه مئات الأولاد، يتم تدريسهم بعض القيم المهمة تحت شعار "فرد صالح، مواطن صالح، ولاعب كرة قدم جيد". والعديد من لاعبي كرة القدم الذين يعيشون في إزمير والمحافظات المحيطة بها ينخرطون في الرياضة. فهل يكفي نادي ألتين أردو بمفرده من أجل خلق جيل رياضي؟ لا يكفي. ولكننا مع هذا أيضًا ما زلنا مضطرين للثقة بقاعدة "أن الخير معدٍ".
يؤمل أن تستيقظ بعض النوادي الرياضية التي رأت الأموال المتحصلة من وراء جنكيز وجاغلر، وتدرك قيمة الاستثمار في الشباب في هذه البلاد. حتى وإن كانوا يستهدفون الربح، فليكن، هذا ليس مهمًا على الإطلاق، يكفي أن يقوموا بإنتاج اللاعبين وتنشئتهم!
فكروا أن هناك مئات الأولاد في كل مدينة ومن كل الفئات العمرية في المنشآت الأساسية والمراكز العامة. وهذا يعني أن يلعب آلاف الشباب كرة القدم، وأن يتواصلوا مع بعضهم البعض في الوقت نفسه، وأن تنشط أجسادهم وتتحرك، وأن يتعلموا بعض القيم. فمن يدري ربما يخرج من بينهم بعض المحترفين. بل وربما يخرج من بينهم من يتمكن من الذهاب إلى الخارج.
لقد أجريت مقابلة مع سيد محمد أوزقان منذ عدة أشهر، قال لي فيها: "إن هذا العمل يتطلب تفانيًا؛ فلن تفعل الأشياء التي تحبها في حياتك، ولن تر أحب أصدقائك إليك، ولن تذهب إلى الحفلات الموسيقية. ستقوم بتضحيات تؤلم الإنسان. لأنه يجب عليك أن تتابع الأولاد والنشء وتدعمهم."
إنها عبارات تشق على المرء حتى وهو يقرأها. ليس من السهل على الإنسان أن يعيش مثل هذه الحياة. غير أن الأندية الرياضية موجودة في حياتنا لهذا السبب: تنظيم الأعمال الرياضية التي يجب القيام بها ودعم الأولاد والنشء!
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/futbol/farklilik-yaratan-bir-kulup-altinordu