سيروان قجّو
يناير 09 2018

كردستان: أكراد العراق يحتاجون تركيا بعد الاستفتاء

لا تزال تبعات استفتاء أكراد العراق على الاستفتاء ملموسة منذ التصويت الذي أجري في 25 سبتمبر الماضي. وبدلا من تحقيق حلم الأكراد بإقامة دولة مستقلة أتى الاستفتاء بنتيجة عكسية كانت شديدة الحدة من الحكومة المركزية في بغداد.
شهد رد بغداد الشديد على الإجراء الذي اتخذته حكومة إقليم كردستان العراق حملة عسكرية لاسترداد معظم "المناطق المتنازع عليها" ومنها مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي كانت تحت سيطرة الأكراد منذ ظهور داعش في عام 2014 وأيضا إغلاق مطارين دوليين في إربيل والسليمانية.
تلك الخطوات العقابية تبعها لهجة شديدة من جانب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي ذهب إلى حد مطالبة اربيل بتسليم الحكومة المركزية في بغداد السيطرة على المعابر الحدودية مع إيران وتركيا.
وقد فاقم نهج بغداد المتعالي تجاه حكومة كردستان في الشهور الأخيرة من التوترات مع الأكراد.
ترى الحكومة العراقية في الوقت الراهن أن أنشطة اقتصادية وسياسية مثل تصدير النفط والإشراف على نظام مختلف لمنح تأشيرات للمواطنين الأجانب أصبحت امتيازات مفرطة وتنوي تقليصها قدر الإمكان.
كان الزعيم الكردي مسعود بارزاني الذي أشرف على حملة الاستقلال لديه رغبة قوية في إنهاء حياته السياسية بإعلان قيام دولة كردية مستقلة وهو هدف وصفه مرارا بأنه حلمه الذي لا يفارقه.
لكن يبدو أن بارزاني أساء الحسابات في حملته ولم يدرك إلى أي مدى يعاني الأكراد المحليون من الاستقطاب. وقد خيم الاستقطاب أيضا على نظام إدارة حكومة إقليم كردستان. البرلمان ذاته ظل متوقفا عن الانعقاد لنحو عامين حتى نجح بارزاني في إعادته للانعقاد بالاستعانة ببعض الاتفاقيات المؤقتة التي أبرمت في اللحظات الأخيرة.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي فقد اختارت حكومة إقليم كردستان مسلكا خطيرا في التسويق للسعي للاستقلال. وفي وقت لاحق تبين إلى أي مدى انطوت الخطة على "مخاطر".
لكن حكومة إقليم كردستان ظنت أن الانتصارات المبهرة لقوات البشمركة التابعة لها في الحرب ضد داعش ستمنحها دعما كافيا من حلفائها الدوليين الذين لم يدخروا جهدا في الثناء على المقاتلين الأكراد خلال الأعوام القليلة الماضية.
وعلم بارزاني أن الولايات المتحدة لن تقف بجانبه طوال الطريق في مسعاه لكردستان مستقل. لكنه ظن أنه سينجح واعتقد أن واشنطن ستتكيف مع  أمر واقع تفرضه انتخابات يوافق فيها الأكراد بأغلبية ساحقة على الانفصال عن بغداد.
لكن إدارة ترامب كانت واضحة وأدركت أن خطوة كهذه من قبل حكومة كردستان ستؤدي إلى تفاقم العلاقات المتدهورة بالفعل مع بغداد وأنها ستشتت تركيز كل الأطراف المشاركة في الحرب ضد داعش.
وأبدت تركيا أيضا معارضة شديدة لنتيجة الاستفتاء رغم أنها حليف وثيق لبارزاني وحزبه الحاكم.
وفي التزام بموقف قائم منذ عقود، تخشى تركيا من أن ميلاد كيان كردي في المنطقة سيشجع الأكراد الأتراك. وفي الجانب الآخر من هذه المعادلة الجيوسياسية، كان موقف إيران من كردستان العراق مشابها لموقف تركيا وقد وقفت بجانب حلفائها في بغداد.
وعلى المستوى الداخلي، لم تحظ شكاوى اجتماعية واقتصادية باستجابة مناسبة في أربيل. وأظهرت تلك المظالم، التي كانت سببا رئيسيا في احتجاجات شعبية تالية للاستفتاء بمحافظة السليمانية، أن الحصول على أغلبية ساحقة في الاستفتاء لا يعني بالضرورة أن نسبة مشابهة من السكان راضية عن سياسات حكومة الإقليم.
وبعدما أعلن بارزاني تنحيه من الرئاسة في أكتوبر تولى السلطة رئيس الوزراء بحكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني (وهو أحد أقربائه بارزاني) ويعرف عن بارزاني الجديد أنه شخصية براجماتية.
ويشير ملف عمله إلى أنه قادر على إنجاز الأمور بسرعة سواء بالنسبة للقوى السياسية المحلية أو بغداد.
وقال نيجيرفان بارزاني مؤخرا إن الاستفتاء أصبح الآن شيئا من الماضي وإن حكومة كردستان تحتاج للبحث عن بداية جديدة.
وربما يحتاج الرجل إلى إعادة النظر في القوى المحركة الحالية بطريقة تضمن وقوف الأكراد في وضع أفضل فيما يخص المفاوضات مع بغداد بشأن ميزانية حكومة كردستان وغيرها من القضايا العالقة التي عاد بعضها للظهور عقب الاستفتاء.
يحتاج نيجيرفان أيضا إلى تسريع عملية إعادة بناء "البيت الكردي" من الداخل. وينبغي أن يشمل ذلك حزمة إصلاح اقتصادي تجعل خدمة الناس على رأس أولياتها وتنهي وباء الفساد الذي شل النظام.
لكن هل تستطيع حكومة إقليم كردستان إنجاز ذلك بمفردها؟ بالطبع لا. ولذلك ربما يحتاج السيد نيجيرفان بارزاني بعض الدعم من حلفائه الأتراك. ولأنها ثالث أكبر شريك تجاري لحكومة كردستان منذ عام 2003، لا يزال لدى أنقرة اهتماما ضخما بالبقاء هناك رغم نهجها السلبي تجاه الاستفتاء.
وحتى وسط التوترات السياسية بشأن الاستقلال، ظل المعبر الحدودي الوحيد بين الجانبين مفتوحا. لكن في هذه المرحلة، فإن حكومة كردستان هي الأشد احتياجا لتركيا.
لذلك فإن استعادة العلاقات مع أنقرة، على الأقل اقتصاديا، ربما تكون مدرجة بالفعل في أجندة بارزاني للمرحلة المقبلة.
وبالنسبة لحكومة كردستان فإن وجود علاقات قوية مع تركيا لن يساعد في نهوضها من الركود الاقتصادي وحسب بل سيمنحها دفعة عندما تعود إلى مائدة التفاوض مع بغداد.
وبصرف النظر عن طبيعة تكشف الأمور في الشهور القليلة الأخيرة، فإن شيئا واحدا يبقى واضحا جليا وهو أن سعى أكراد العراق إلى الاستقلال سيتواصل وسينتعش عندما تتحسن الظروف.
يمكن قراءة هذا المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/kurdistan/iraqi-kurds-may-need-ankara-referendums-aftermath