معاذ إبراهيم أوغلو

كردية تواجه النظام التركي بالفن من داخل السجن

تعرضت زهرة دوغان، وهي من الأكراد، إلى السجن في تركيا بسبب ما ترسمه. وتُعرف دوغان نفسها بأنها فنانة المضطهدين.
ففي شهر يوليو من العام الماضي، حكمت المحكمة على دوغان بالسجن لمدة عامين وتسعة أشهر. وكان السبب الذي استندت إليه المحكمة هو "تجاوز حدود النقد" من خلال تصويرها للدمار الذي تعرضت له مدينة نصيبين الواقعة جنوب شرق البلاد على أيدي قوات أمن الدولة.
وقالت دوغان في رد على سؤال خلال مقابلة أجريت معها "لم يكن هناك أي شيء تخيلي في الصورة – لقد كانت تصوير للواقع. وإذا كان رسم مشهد موجود يتجاوز حدود النقد، فمن ثم فإني أتساءل أي حدود قد تم تجاوزها عندما تعرضت المدينة للدمار والسبب وراء تجاوز هذه الحدود".
وسيطر مقاتلو حزب العمال الكردستاني على أجزاء من نصيبين في الفترة ما بين أواخر عام 2015 وأوائل عام 2016 بعد انهيار هدنة كان الحزب قد أبرمها مع الدولة في شهر يوليو من عام 2015. وبعد عدة أشهر من القتال، دُمرت أجزاء كبيرة من المدينة وهدمت السلطات التركية أجزاءً كبيرة من الأجزاء الباقية لإفساح الطريق أمام المباني السكنية شاهقة الارتفاع. ونزح عشرات الألاف من السكان. 

زهرة دوغان

وقالت دوغان إن عملها وثق انتهاكات الحقوق. وفي العام الجاري، صنف مؤشر حرية الصحافة العالمية تركيا في المرتبة رقم 157 من بين 180 دولة، حيث يوجد أكثر من مئة صحفي يقبعون في السجون التركية حاليا.
وقالت دوغان "يوجد في جميع اللوحات التي قمت برسمها صحفيون سجناء، لأنها لوحات تعبر عن الفترة الزمنية". وأوضحت دوغان أن عملها "غير مُحاصر في الماضي، ولا يُعد استمرارًا للحضارة الأوروبية. إنه اختصاص شكلته قضايا معاصرة للأمة التي أنتمي إليها".
وانتقدت دوغان صحفيين لتوددهم إلى الحكومة، وقالت "إن عدم المساومة على الحقائق يمثل احتجاج الصحفيين."
وقالت دوغان إن هناك انتهاكات كبرى لحقوق الإنسان تحدث في السجون، حيث يعاني المرضى وكبار السن من مشاكل كبرى.
وتابعت دوغان تقول "لدينا أصدقاء مرضى في جناحنا. وهناك أمهات كبار في السن تعانين من مشاكل صحية. وعلى الرغم من أن ظروف السجن غير ملائمة لصحة أصدقائنا، فإن التقارير الصحية تقول إنهم يمكنهم البقاء. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا غير ممكن. إن انتهاك حقوق الإنسان الذي يعاني منه السجناء المرضى أمر خطير جدًا".
كما تواجه دوغان صعوبات عندما يتعلق الأمر بإنتاج عملها الفني في السجن.
واستطردت دوغان قائلة "نحن عرضة لقيود تُفرض على الكتب، والمجلات، والصحف. ولا تنظف الإدارة مفارش الأسرة، والأغطية والمتعلقات الشخصية التي لم يتم مصادرتها أو تدميرها... وفي نفس الوقت، لا يوفرون لي المواد الضرورية التي احتاج إليها لكي أرسم. إنهم يتخلصون من اللوحات التي أصنعها من بقايا الطعام أو يصادرونها". 
وتقول دوغان إنه على الرغم من الصعوبات، فإنها استطاعت إيجاد سبل لمواصلة عملها الفني.
وقالت "كل شيء محظور – جميع الطلاءات محظورة. لقد قمت بعمل أصباغ نابضة بالحياة باللون الأصفر من الليمون، واللون الأرجواني من الملفوف، لون الرمان ... لم أكن أصنع مثل هذه الأصباغ عندما كنت خارج السجن. لكن عندما أتيت إلى هنا لأول مرة، كان بإمكاني الاستسلام لأن ليس هناك أي شيء من هذا. كان بالإمكان أن أنتظر وأتمنى تحقيق العدالة، وأن انتظر حتى تمنحني إدارة السجن في يوم من الأيام مواد الرسم".
وقالت دوغان إن صنعها لأصباغها الخاصة وإبداعها الفني منحاها الأمل.
وأضافت "الأمل طريق مزدوج. الأمل السلبي يقتلك ويجعلك خانع. الأمل يكون له معنى فقط عندما يتشكل بسبب الصراع".
وقالت دوغان إنها كانت لها صُحبة طيبة داخل السجن، حيث قالت إنها كانت تعيش مع 70 امرأة من الناشطات، والسياسيات، والصحفيات، والفنانات، والأمهات، والمحاميات، والطالبات.
وتابعت دوغان تقول "لم نكن نضيع لحظة واحدة في جناحنا. كنا نتناقش في الكثير من المواضيع مثل الأديان التوحيدية، والدولة القومية، وتاريخ المدن من العصر الحجري إلى الدولة المدينة، والتاريخ الكردي، وتاريخ المضطهدين، وتاريخ الشرق الأوسط والتاريخ العالمي، والسياسات اليومية، والفلسفة النسوية، وتاريخ المرأة".

دوغان

وقالت إن السجينات كانت تعيش بطريقة فيها مساواة.
وقالت "كنساء، فإننا جميعًا نعرف جيد جدًا ماذا يعني وجودنا في هذه الفترة الزمنية التي نعيش فيها. ففي تاريخنا، كانت هناك آلاف السنوات من الدمار بسبب هيمنة الرجال. كيف جعل الرجال العالم بهذه الطريقة؟ والإجابة على هذا السؤال هي أن الرجال جعلوا العالم هكذا بسبب التسلسل الهرمي، والطموح، والقوة، والسخط، والسلطة، والعنف، وما إلى ذلك. هل تعتقد أنه من الممكن ارتكاب نفس الخطأ عندما تعلم كل هذا وعندما تناقش هذا كله يوميًا وتفكر مليًا في كيفية توسيع نطاق الصراع؟ ولهذا السبب، لا يوجد مكان هنا للسلطة أو لأي تسلسل هرمي".

دوغان

وكان دوغان قد قالت في وقت سابق إن اللون الأسود ليس لونًا محايدًا، لكنه من الألوان الدافئة.
وعند سؤالها ما إذا كانت تزال عند نفس رأيها، قالت "إذا بدأت في أن ترى الظلام الدامس في كل مكان، فإن هذا يعني اقتراب النهاية... الألوان عنيدة – إنها مخفية، لكنها لم تختفي قط. نعم، لقد جعلوا البلاد سوداء. إنهم يتجاهلون الكثير من الألوان مثل العرب والأكراد والكلدانيين والسريان والأرمن الذين يعيشون في هذا البلد ويخلطوهم كما لو كانوا يستخدمون خلاطًا ويبتكرون لون أسود داكن كالفحم. فقد أصبحنا جميعًا لونًا واحدًا".
وقالت دوغان إنها تعتبر اللون الأسود من الألوان المقدسة.
وأضافت دوغان "أنا أحبه، لأنني أسمع صيحة جميع الألوان المضطهدة فيه. أحبه لأني أعلم أنه لا يختفي. والمكان الذي يكون فيه اللون الأسود هو الأكثر كثافة هو المكان الذي يكون فيه اللون أكثر قتامة. إن الأمر بأيدينا لكي نكون قادرين على إخراجه. نعم، فنحن جميعا في ظلام تام الآن، لكننا لم نختفي بعد. مازلنا هنا".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: