ذو الفقار دوغان
يونيو 27 2018

كليجدار أوغلو يخرج عن صمته: انتصرت الديمقراطية وخسر أردوغان

بعد 48 ساعة من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة التي شهدتها تركيا يوم الأحد الماضي 24 يونيو، خرج كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، يوم الثلاثاء، 26 يونيو. ووقف أمام عدسات وكاميرات وسائل الإعلام المختلفة، ليدلي بتصريحات وتقيمات مختلفة حول العملية الانتخابية. لكن بدا متوترًا بعض الشيء على غير العادة.
خرج بعد يومين من صمته ليكذب كافة المزاعم التي انتشرت في الكواليس السياسية منذ بداية الانتخابات، والتي قالت إن الرجل "يعتزم تقديم استقالته، ويترك الرئاسة العامة لحزب الشعب الجمهوري، إلى محرم إينجه مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة". وشدد كليجدار أوغلو على أن حزبه خرج من الانتخابات بنجاح كبير. وأوضح أنه يركز من الآن على الانتخابات المحلية التي من المنتظر أن تشهدها البلاد في 30 مارس من العام المقبل 2019.
وفي معرض تصريحاته بذات السياق قال زعيم المعارضة التركية "فلتنحوا هذه الانتخابات جانبًا، فنحن في الانتخابات المحلية المقبلة سنحقق نجاحًا أفضل مما حققناه في الانتخابات الرئاسية والنيابية التي جرت الأحد. ستكون لنا بصمة ونحقق انتصارًا كبيرًا في الإدارات المحلية".
ومع نهاية المؤتمر الصحفي الذي عقده كليجدار أوغلو بدت العصبية واضحة على ملامحه وهو يرد على الأسئلة التي طرحت عليه بشأن وجود فارق كبير يقترب من 8 نقاط بين الأصوات التي أخذها محرم إينجه في الانتخابات الرئاسية وبين تلك التي أخذها الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية؛ رغم أن الحزب خاض الانتخابات ضمن "تحالف الأمة". وأثناء إجابته على تلك الأسئلة غير كليجدار أوغلو من نبرة صوته، وشدد من طريقة رده، مشيرًا إلى أن حصول محرم إينجه على أصوات أعلى من الحزب في الانتخابات أمر طبيعي. وأضاف "لكن أصواته هذه كانت أقل من المتوقع والمأمول".
لكن سرعان ما عدّل هذا التصريح الذي بدا خروجًا حادًا ضد إينجه، وأضاف قائلا "حتى إن السيد محرم إينجه تحدث عن ذلك بنفسه وقال إن الأصوات التي حصل عليها كانت أقل من المتوقع".
زعيم المعارضة التركية شدد كذلك على أن الديمقراطية هي الفائزة من هذه الانتخابات، وأن الخاسر هو الرئيس، رجب طيب أردوغان. ولفت أن حزب العدالة والتنمية الحاكم تعرض في هذه الانتخابات لانخفاض في معدل التصويت له قدر بـ7 نقاط، مقارنة مع آخر انتخابات تشريعية شهدتها البلاد عام 2015. وأوضح أن العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد الذي تقلص عدد نوابه في البرلمان التركي، وفقد أغلبية النواب داخل المجلس. وقال كليجدار أوغلو عن أردوغان "لقد كان رجل الأمس الوحيد، لكنه بات البطة العرجاء اليوم".

محرم إينجه
محرم إينجه

وفي تصريحاته غضب كليجدار أوغلو عندما وجهت له أسئلة حول تصريحات ماهر أونال، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، التي قال فيها إن "محرم إينجه بات الرئيس الطبيعي لحزب الشعب الجمهوري". وردًا على تلك التصريحات قال زعيم المعارضة التركية "ليس من حق أحد من خارج الحزب أن يوجهنا. فأعضاء الحزب هم فقط من يملكون الحق في تقرير مصير حزبهم. وماهر أونال ليس من حقه أن يتكلم عن حزبنا ولو كلمة واحدة، لا سيما أنه ينتمي لحزب يديره رجل واحد بالأمر المباشر. ذلك الحزب الذي يديره رجل دعا من قبل رئيس الوزراء وجعله يستقيل (في إشارة لاستقالة رئيس وزراء تركيا السابق، أحمد داود أوغلو)".
في السياق ذاته أوضح كليجدار أوغلو أن حزب الشعب الجمهوري "لا مكان فيه لمن يحبون الكراسي. فلا يمكن أن يخرج أي عضو من الحزب ويقول لم أترشح لعضوية البرلمان، فلترشحوني رئيسًا لبلدية ما. فمن يفكر في مصلحته ومنفعته الشخصية فلا ينضم إلى حزبنا. فلا مكان لدينا لمثل هؤلاء الأشخاص. أبوابنا مفتوحة فقط لمن يؤمنون بمبادئ حزب الشعب الجمهوري، وبالديمقراطية، والحريات، والمساواة بين الرجل والمرأة، وبالسياسة الخارجية القائمة على السلام. لا مكان لدينا لمن يحبون الكراسي والمناصب". هذه التصريحات بدت وكأن الرجل يكذب نفسه بنفسه.
تجدر الإشارة أن أكبر ردة فعل بسبب خسارة حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كانت من المنتمين للحزب ضد كليجدار أوغلو. والسبب في ذلك أن هذا الرجل هو من استأثر بمفرده دون غيره بعملية اختيار مرشحي الحزب لخوض الانتخابات، ووزعهم على أماكن بعينها، وصنفهم بين نواب صف أول وغيرهم؛ وذلك كما قال حتى يضمن انتخابهم بشكل يجنب الحزب فقد مقاعد في البرلمان.
ولا شك أن حزب الشعب الجمهوري تراجع بمعدل 3 نقاط عن الأصوات الطبيعية التي كان يتعين أن يحصل عليها والمقدرة بـ25 في المئة بالانتخابات البرلمانية. ولقد كان السبب الأكبر في هذا هو طريقة توزيع مرشحي الحزب، ومنح كليجدار أوغلو أصدقاءه ورفاقه المقربين فرص ترشح في الأماكن التي سيتم انتخابهم فيها، أولئك المرشحين المعروف عنهم حبهم للكراسي.
ومن المثير والملفت للانتباه في نتيجة الانتخابات الأخيرة أن حزب العدالة والتنمية نجح في أن يكون له 5 نواب في منطقة "جانقايا" معقل حزب الشعب الجمهوري بأنقرة، وهو نفس عدد النواب الذي نجح في الانتخابات للحزب الأخير. 
كما خسر حزب الشعب الجمهوري عددًا من النواب في العديد من المناطق المختلفة بالعاصمة. وبعد رفع عدد النواب في البرلمان التركي إلى 600 نائب، زاد عدد النواب الممثلين للعاصمة بمقدار 4 نواب عما كان عليه من قبل. كما أن عدد نواب الشعب الجمهوري قل في الانتخابات الأخيرة بإسطنبول مقارنة عما كان عليه من قبل. كما خسر الحزب عددًا من النواب في ولاية "آيدين" التي تعتبر من أهم معاقل الحزب بالبلاد، ليحل بعده في المركز الثاني بتلك الولاية، حزب العدالة والتنمية.
زعيم المعارضة التركية، رئيس حزب الشعب الجمهوري في تصريحاته قال إنهم نجحوا في أن يكون لهم نواب في 11 ولاية للمرة الأولى بعد سنوات طوال. ورفض الحديث عن حقيقة مفادها أن هذا الحزب لم يفز بنواب في ولايات مثل أليزاغ، وآديامان، إلا بفضل حزب السعادة، وكذلك الحال في ولاية قهرمان مرعش التي كان الفضل فيها للحزب "الصالح" شريكه في "تحالف الأمة" وذلك بأصوات أتراك الخارج.
شدد كليجدار أوغلو في تصريحاته على أنه لا توجد لديه أية نية على الإطلاق لترك رئاسة الشعب الجمهوري، مشيرًا أنه أغلق صفحة الاستقالة بفضل آراء من أصدقاء عديدين بالحزب يأتي في مقدمتهم كل من بولنت تزجان، وتكين بينغول، وهالوق كوج، وعاكف حمزة جلبي، وبولنت كوش أوغلو، ولنت غوك.
وتماما كما اختار قوائم مرشحي الحزب لخوض الانتخابات البرلمانية الأخيرة، شدد كليجدار أوغلو على أنه ستكون لديه صلاحيات تحديد رؤساء البلديات لخوض الانتخابات المحلية المقبلة المزمعة بعد 9 شهور. ويبدو من ذلك أنه يريد غلق الباب في هذا الأمر على محرم إينجه وفريقه.
وفي هذا السياق يمكننا القول إن مواقف كليجدار أوغلو هذه من الممكن أن تؤثر بشكل كبير في حدوث موجة عميقة داخل الشعب الجمهوري، وفي عملية جمع التوقيعات من أجل عقد مؤتمر عام طارئ للحزب.
وبينما يستمر كليجدار أوغلو في ترؤس اللجنة التنفيذية العليا للحزب، جاء أول خبر لاستقالات جماعية في صفوف الحزب من الإدارة التنظيمية لفرعه بولاية شرناق، وذلك في الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع تصريحات رئيس الحزب بشأن الانتخابات. جاءت هذه الاستقالات كما ذكرنا بسبب عدم التفات كليجدار أوغلو للتحذيرات التي وجهت له من قَبْل بشأن عملية تحديد قوائم الترشح للانتخابات البرلمانية. كما اعتصم عدد من أنصار الحزب أمام مقره العام في ولاية دنيزلي.
رفع المعتصمون لافتات تضمنت مطالب بتطبيق العدالة والديمقراطية داخل الحزب. ومطالب أخرى بالاستقالة. وأعلنوا في مجمل أحاديثهم أنهم يرغبون في إجراء تغيير داخل الحزب. وفي ظل هذه التطورات نجد أن كليجدار أوغلو عازم على قطع الطريق أمام زوبعة محرم إينجه في عموم البلاد.
كليجدار أوغلو خلال المؤتمر الصحفي ذاته سئل عما إذا كان سيهنئ الرئيس رجب طيب أردوغان أم لا، فرد قائلًا "لماذا علي أن أهنئ ديكتاوراً مستبداً". الرجل بإجابته هذه وكأنه يعلن أنه يرفض اتصال محرم إينجه بأردوغان عقب الانتخابات وتهنئته بفوزه.
كان كليجدار أوغلو طيلة تصريحاته حريصًا على عدم الحديث كثيرًا عن الأداء الانتخابي لمحرم إينجه في الانتخابات الرئاسية، وأنه استطاع أن يحصل على أكثر من 30 في المئة من أصوات الناخبين. بل ركز في الأغلب على النجاح الذي حققه حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجود خلافات عملية في وجهات النظر بين كليجدار أوغلو ومحرم إينجه، وصدوع كبيرة في العلاقات بين الرجلين.
تجدر الإشارة أن محرم إينجه في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد الانتخابات، قال "لا بد من عودة الحياة السياسية في البلاد لطبيعتها. وأنا أريد أن أحقق نجاحي بنفسي، وليس على فشل الآخرين. وعلي أن أحقق انتصاري بنفسي ولنفسي. ولست مع المنطق الذي يقول فليتعارك أردوغان مع عبد الله غول لنفوز بمزيد من الأصوات".


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: