كورفيز.. فيلم صغير عن الاضمحلال في تركيا

كورفيز أو "الخليج" أول فيلم كامل للمخرج إمري يكسان هو كابوس وواقع مرير ورمزية تصور عالما مظلما وواقع جيل مواليد الثمانينات والتسعينيات.

سليم (الذي يقوم بدوره اولاش تونا أستبه) هو شخص مطلق وعاطل ومشرد. يترك سليم إسطنبول عائدا إلى اسرته في إزمير ويضع أغراضه القديمة في قبو المنزل.

أفلس والده وترك إدارة ورشة النجارة المملوكة للأسرة للحفاظ عليها من الإغلاق، ولإنقاذ المنزل من الحجز القضائي، طلق زوجته وأم سليم لكنه لا يزال يعيش معهما بالمنزل سرا.

في كل يوم، تقف والدة سليم بجوار الورشة وتأخذ للتحدث مع صديقاتها لفترة طويلة. أما أخته وزوجها فقد انخرطا في روتين مريح مع ابنيهما ويواصل عمال الورشة العمل دون أجر.

الكل يفهم سليم. لقد تركوه لنفسه حتى يقرر ما سيفعل لكن لا هو ولا اسرته ولا العمال يهتمون بشيء.

 وعندما كان يتجول دون هدف حول إزمير قابل جيهان (الذي يؤدي دوره أحمد مليح يلمظ) الذي زعم انه صديقه من فترة الخدمة العسكرية. ومثل سليم، جيهان شاب مطلع وغير تقليدي ورغم أنهما لم يتقابلا معا من قبل فقط أصبحا صديقين وأخذا يقضيان أوقاتهما معا.

ذات ليلة، اشتعلت النار في سفينة بخليج إزمير، وبعد ذلك، امتلأت المدينة برائحة منتنة لا تطاق. وغادر الناس الذين يقضون أجازات في منازل صيفية المدينة.

جعلت مستويات الطين المرتفعة العيش في بعض الأحياء مستحيلا. وبدأت الشرطة تتعامل مع أعمال عنف متزايدة. وبمرور الوقت أصبح البقاء بالمدينة مستحيلا.

بكل ما فيها من فساد ورائحة منتنة تمثل إزمير تركيا.       

أخرج إيمري يكسان أفلام "سوت" (اللبن) و "أونوتما بني إسطنبول" (لا تنساني يا إسطنبول) و"سيسم جل" (تعالى إلى صوتي) والفيلم الوثائقي "هوشجيلدن لينن" (مرحبا لينن) لكن الفيلم الحالي هو أول فيلم طويل يكتبه ويخرجه يسكان.

"كورفيز" إسقاط على تركيا اليوم – مكان يحترق وفساد ومستنقع ممتلئ براحة منتنة وطبقة متوسطة متبلدة الشعور.

ومن خلال البطلين سليم وجيهان اللذين يمثلان المجموعة العمرية التي يطلق عليها اسم الجيل "واي" و "إيكو بومرز" أو أبناء الألفية ستتلاشى الخلافات الطبقية.

كل جزء في هذا الفيلم الحزين بما في ذلك النهاية الخيالية يحلم "بثورة ناعمة".

كورفيز أو "الخليج" أول فيلم كامل للمخرج إمري يكسان

كورفيز يحمل طابعا ثوريا تماما مثل قصة الشاب الذي يتجول دون هدف حول مدينته مثل السائح أضف إلى ذلك أنه غير محبوب.

يرى المشاهد عبر عيون سليم الأحياء الفقيرة التي يسكنها أبناء الطبقة العاملة والشوارع الضيقة وجو عام يغلب عليه عاطلون متسعكون.

بعدما أصبحت منازل الطبقة البرجوازية وزينتها بلا قيمة وسكانها يهربون، يركز الفيلم على المهملين في مدينة تتعفن كالجثة.

مثل الفيلم، إزمير كانت مغطاة داخل غلاف من الروائح الكريهة التي كانت قوية بدرجة كانت تدفع لإغلاق نوافذ العبارات حتى في الصيف. ويتذكر جيل سليم بعض تفاصيل هذه التجربة.

ورغم أنه لم يعرف هل أضرم إرهابيون النار في السفينة، إلا أن الحادث يذكر بحريق في إسطنبول نجم عن اصطدام سفينتين في البوسفور.

الذكريات المفزعة عن نهايات السبعينيات – الروائح الكريهة والحرائق والاشتباكات في الشوارع والمحرمات بشأن الجنس – كلها يتم تصويرها في إعادة رسم الانهيار مجددا في كورفيز الذي تتقدم أحداثه مثل الكابوس.

كل شيء في الفيلم يبدو واقعيا لكنه في ذات الوقت يبدو كخيال جامح خاصة وأن كل عنصر في الفيلم كناية يرمز بها لشيء آخر حتى أصبح الفيلم تمرينا في علم الرموز.

حتى يغرق سليم في الوحل، كل شيء واضح ومفهوم – هذه استعارات يمكن فهمها مباشرة.

الفيلم ينهك المشاهد. وتيرته البطيئة وطابعه الحزين وكثافة الاستعارات والتشبيهات...فمن البداية، سليم في ورشة أسرته يشاهد العمال وهم يضربون على فروع أشجار ضخمة بحثا عن البق، لكن في ذهنه، يسمع أصوات الغابة.

إنها مشاهد خيالية وهي التي تجعل الفيلم استثنائي.

يضم الفيلم مشاهد بارزة مثل الضباط الذين اقتادوا سليم إلى الحجز لقيامه بحرق أغراضه القديمة على شاطئ مهجور، ومشهد البطل وهو داخل سيارة الشرطة حيث ضربه ضابطان وتركاه على قارعة الطريق.

كورفيز واحد من أولى الأفلام في سلسلة اعمال تتناول نفس الموضوع.

بتصوير إزمير كبلدة إقليمية صغيرة، يهدم كورفيز أسطورة المدينة التي يؤمن بها الكثير من الأتراك. وبينما كان التركيز في أفلام أخرى مثل رائعة نوري بيلجي جيلان "مايش شيكينتيشي" (سحب من مايو) حيث يُترك كل شخص مع أفكاره الخاصة، فإن التركيز  هنا ينصب على رجل يتجول في الشوارع دون هدف مثل السائح الأجنبي الأمر الذي يقدم مشكلاته إلى واجهة الفيلم.

إمكانات فيلم "كورفيز" لم تحظ بالتقدير الكافي بعد لكن هذا الفيلم الأول ينبغي أن يشجع صناع السينما في كل مكان.

العرض الأول للفيلم عالميا سيكون خلال أسبوع النقاد بمهرجان البندقية السينمائي.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية:

 

كورفيز أو "الخليج" أول فيلم كامل للمخرج إمري يكسان