غوكهان باجيك
مايو 18 2018

كيف انتهى الأمر بحركة غولن إلى هذا الحال؟

ارتبط معظم الجدل الذي أثير بشأن حركة غولن في الآونة الأخيرة بمحاولة الانقلاب العسكري في يوليو 2016، ولا عجب في ذلك إذ تتهم الحكومة التركية أتباع رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن بتدبير الانقلاب.

ورغم أن الاتهام يبدو في محله، إلا أنه يتعارض مع تحليل الكثير من العوامل الأخرى المهمة المرتبطة بالديناميكيات الداخلية في حركة غولن.

من المفيد أيضا ملاحظة المشكلات المرتبطة بحركة غولن نتيجة الديناميكيات الداخلية للجماعة التي قادت إلى ما نعرفه عن المأزق الحالي للحركة.

كيف انتهى الأمر بحركة غولن إلى هذا الحال؟

دعوني أشرح لكم..

يبدو أن "أصحاب السلطة المركزية" في حركة غولن – الدائرة الصغيرة من الأسماء البارزة حول فتح الله غولن – سعداء لتمحور معظم الجدل في سياق محاولة الانقلاب التي وقعت في 15 يوليو 2016 أو التوتر بين الحركة وحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم.

مثل هذا الجدل يساعد أعضاء الدائرة الداخلية في الحركة على الحفاظ على "منطقتهم الآمنة" للتعتيم على نقاشات حساسة بشأن أعمالهم القديمة.

ينبغي أن نتذكر أن نفس الشخصيات التي كانت مؤثرة داخل الحركة لا تزال تشغل مواقعها، رغم الانتقادات من داخل الحركة عقب محاولة الانقلاب.

وبإمعان التركيز في محاولة الانقلاب ومشكلات أخرى مشابهة، فإن التحليل الأخير يعطي فكرة اختزالية عن حركة غولن، خاصة أصحاب النفوذ داخلها، فيما يخص قراراتهم وسياساتهم في مجالات أخرى.

ونتيجة لذلك، تمكن أصحاب النفوذ داخل الحركة، وبسهولة، من الدفاع عن أنفسهم بأسلوب بسيط لكنه فعال ومنطقي، وهو أن فشل الحكم المستبد لحزب العدالة والتنمية سيكون دليلا على مدى الصواب الأخلاقي لزعماء الحركة.

يتناقض هذا السرد الاختزالي مع تقييم آخر ينتقد أصحاب النفوذ في حركة غولن بشأن قراراتهم السابقة بخلاف نزاعهم مع حزب العدالة والتنمية.

طور البيروقراطيون المرتبطون بغولن بداية علاقات فعالة وودية مع الحكومة في وقت صعود حزب العدالة والتنمية الذي تشكل في 2001 ووصل للسلطة في العام التالي.

التحالف بين البيروقراطيين المرتبطين بغولن – ومنهم ضباط كبار بالشرطة وأعضاء بارزون بالقضاء – وبين حكومة حزب العدالة والتنمية زاد في نفس الوقت من نفوذ هؤلاء البيروقراطيين داخل حركة غولن.

طور فتح الله غولن، الذي كان متشككا بشدة في بادئ الأمر من إمكانية نجاح  حزب العدالة، تحالفا مع الحزب واشترك معه في هدف واضح وهو تطهير الدولة الكمالية؛ المؤسسة العلمانية والبيروقراطية التي شيدها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

لكن المفارقة أن هذه العملية حولت أولا حركة غولن إلى حركة ذات توجه بيروقراطي بخلاف الأسلوب الديني-المدني السابق.

ونتيجة لاتباعها مسارا محددا، هيمن الأعضاء المرتبطون بحركة غولن داخل هذا التحالف، ومنهم ضباط شرطة كبار وبيروقراطيون وأعضاء كبار بالسلطة القضائية، على جهاز اتخاذ القرار داخل الحركة. وفي ظل سلطتهم الجديدة، أثر هؤلاء بقوة على الجناح المدني في حركة غولن، وعلى الأحاديث التقليدية بالحركة بشأن الكثير من القضايا ومنها المشكلة الكردية.

وبحلول منتصف العقد الماضي، كان الجناح البيروقراطي بحركة غولن قد تمكن من حجب الجناح المدني.

وبنهاية العقد أصبح الجناح المدني منشغلا فقط بأمور ثانوية مثل العلاقات العامة وتوفير الدعم المالي.

ولأن الحركة كانت متمركزة بالتأكيد حول غولن، فإن قطاعها المدني الكبير لم يدرك مجال ومدى نفوذ البيروقراطيين على غولن وقراراته.

لكن تحالف الحركة مع حزب العدالة والتنمية أسفر عن نتيجتين كارثيتين: 

الأولى، أصبحت الحركة التي كانت منظمة مدنية ودينية في الأساس معروفة بارتباطها المتشعب بالشرطة التركية. لكن التأثير الدائم للجناح البيروقراطي واصل ارتكاب أخطاء أخرى كبيرة، منها دعم قادة سابقين بالشرطة في انتخابات برلمانية رغم اعتراضات من الجناح المدني بالحركة.

النتيجة الثانية، سعت حركة غولن بشكل ساذج لإعادة رسم السياسة التركية عبر "هندسة قضائية". 

وضعت هذه الاستراتيجية الساذجة الحركة بالتدريج في قلب تطورات معقدة للغاية وعنيفة لمست أوتارا حساسة لمجموعات اجتماعية وسياسية مختلفة مثل العلمانيين والأكراد.

ولبعض الوقت في تلك السنوات، كان وضع حركة غولن في تركيا فيما يتعلق بتقاسم السلطة مع الحكومة يشبه وضع حزب الله في لبنان.

وليس من الإنصاف بالطبع أن نشرح حركة غولن دون ذكر دور فتح الله غولن.

قراءة غولن للمشهد السياسي التركي كانت في معظمها نتيجة لعقلية الحرب الباردة. ووفقا لذلك، منح غولن الدولة دورا حساسا للغاية في تركيا، ومنح ديناميكيات اجتماعية أخرى مكانة ثانوية.

وكانت قراءة غولن للسياسة والمجتمع التركي متسقة إلى حد بعيد. لكن قراءته تلك فشلت في الواقع العملي: فلم يقر المجتمع التركي فكرة تعريف حركة غولن للدولة.

بمعنى آخر، لم يقبل الشعب التركي أن تصبح حركته الدولة.

ورغم أن المجتمع التركي لم يكن رافضا بشكل مطلق لفكرة وجود حركة إسلامية، إلا أنه لم يوافق على أن تمتلك حركة إسلامية دورا فعالا في شؤون الدولة.

على الجانب الآخر،  تغير غولن نفسه خلال الفترة التي هيمن فيها التحالف بين حركته وحزب العدالة والتنمية على المشهد السياسي التركي.

وكان غولن رجلا يحمل رسائل مدنية خلال أواخر التسعينيات.

لكن في العقد الماضي، حاول غولن أن يحول وضعه من رجل دين "خوجة أفندي" إلى شخصية تملك ثقلا قوميا يسمح له بالتدخل المباشر في السياسة التركية. ولبعض الوقت، كانت رسائله عن التطورات القومية مثل فوز الفريق الوطني لكرة القدم تتلى إلى جوار الزعماء السياسيين.

كانت تلك محاولة لتطبيع وتطوير موقفه كرجل دين قومي. وقد أسست حركته محطات إذاعية وتلفزيونية مثل تلفزيون أرماك وراديو جيهان وكان فيها غولن المحتوى الوحيد تقريبا خلال الليل والنهار.

وبالتدريج حول غولن نفسه إلى "زعيم سياسي ورع" مخلفا وراءه عباءته السابقة "كرجل دين ورع" له بعض الأفكار السياسية.

لكن التحول عزل غولن عن أتباعه البيروقراطيين والمدنيين ذوي العقليات البيروقراطية. وبنفوذ هذه المجموعة الصغيرة، كان يأمل أن يتراجع الدعم لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية بشهر مارس 2015 إلى أقل من 30 بالمئة.

ولانفصاله عن الواقع، أصبح غولن رجلا يملك خططا سياسية فاشلة متعاقبة.

وبالاستماع إلى أحدث خطبه، يبدو جليا أن غولن لا يزال تحت تأثير هذه الزمرة الصغيرة التي تستخدم العقلية البيروقراطية اللاهوتية التقليدية نفسها.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: