كيف تبددت فقاعة الغرب بخصوص تركيا

أميل دوما للحديث عما جرى على مدار قرون، لكني اليوم سأوفر وقتكم وسأركز حديثي على السنوات العشرين سنة، وبصفة خاصة على علاقة تركيا بالغرب.
في الوقت القصير المتاح لي، سأحاول الإجابة عن السؤال المطروح عن مدى تأثير التحركات العالمية على التطورات المحلية التي حدثت في تركيا في الثماني عشرة سنة الأخيرة منذ بدأ حكم حزب العدالة والتنمية.
تختلف الطريقة التي يمكن الإجابة بها عن هذا السؤال استنادا إلى المكان الذي توجد فيه أثناء الإجابة عليه. فإن طرحت هذا السؤال وأنت في تركيا، فستحصل على إجابة واحدة ليس إلا.
فوفقا لما يراه الرئيس رجب طيب أردوغان وأنصاره، فإن كل ما يعتبرونه إيجابيا في السنوات الثماني عشرة الأخيرة هو من نتاج عمل أردوغان وتركيا: مشروعات البنية التحتية الهائلة ومنها على سبيل المثال النفق الذي يمر أسفل مضيق البوسفور أو الجسر الثالث فوق مياه المضيق.
هناك أيضا الطرق الجديدة، والمراكز التجارية التي انتشرت في مختلف أرجاء البلاد.
باختصار، كل ما يمكن اعتباره نموا اقتصاديا عاشته البلاد في السنوات العشر الأخيرة.
يفترض هؤلاء أن كل ما سبق هو نتاج رؤية كبرى لأردوغان يتم تطبيقها بكل دقة.
على النقيض، فإن كل ما يراه أردوغان سلبيا هو بالتأكيد مخطط شرير لقوى أجنبية وخونة يتعاونون مع قوى أجنبية.
خذ مثلا احتجاجات ساحة غيزي عام 2013، خيانة أنصار الداعية فتح الله غولن لأردوغان، محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016، التعثر الاقتصادي الحاصل حاليا في البلاد (وهو وضع يرفض أردوغان وصفه بالكارثة).
بالنسبة لأردوغان، فإن كل ما سبق ليس سوى أفعال تقوم بها قوى أجنبية تحسد تركيا على صعودها وتقدمها وترغب في الحيلولة دون ذلك. هذا هو الخطاب الرسمي داخل تركيا اليوم.
لكنك إن طرحت هذا السؤال وأنت خارح تركيا، في الغرب مثلا، فسيأتيك افتراض غير مدقق مفاده أن ابتعاد تركيا عن المسار الديمقراطي هو أمر مأساوي، لكنه – على العكس - عمل داخلي.
سيفترض مجيبك ألا علاقة للتحركات الدولية بما يجري، وبأن ما تشهده تركيا يظهر أنها واحدة من تلك البلدان التي تقطع علاقاتها بالديمقراطية، مثل روسيا.
الآن دعني أزيد الأمر تعقيدا بالنسبة لك في الروايتين: سواء الرواية القومية التركية التي تلوم الغرب على مشاكل تركيا أو الرواية الغربية التي تعتبر أن ما تعانيه تركيا ليست سوى نتاج ممارسات داخلية خاطئة.
ما سأطرحه بدلا من ذلك هو أن أردوغان وحزبه العدالة والتنمية قد استغلا ما كانت حتى الآن موجة رابحة من العوامل الدولية، ولن يمكنك بالتالي استيعاب المسار السياسي الذي تنتهجه تركيا صعودا وهبوطا في القرن الحادي والعشرين دون التركيز بشكل كبير على هذه التحركات العالمية.
فبعيدا عن الافتراض الخاص بالمشاكل التي تصيب تركيا بسبب التدخلات الخارجية، فإن نظام أردوغان حظي بمساعدة ودعم كبيرين من عوامل دولية، وبصفة خاصة حتى عام 2013.
لكني لا أعني هنا هذه النظرة التآمرية. بل أعني شيئا ذا صلة بتعمد العمى.
لعلك سمعت عن مصطلح "المبالغة غير المنطقية"، وهي عبارة تستخدم للإشارة إلى سلوك الأسواق بغرض توضيح ما يجري من مبالغة في التقييم تتسبب في فقاعات اقتصادية كفقاعة المواقع الإلكترونية في حقبة التسعينات من القرن العشرين أو فقاعة العقارات في الولايات المتحدة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ما أحاول الإشارة إليه هنا إذا هو أن أردوغان وحزبه، وبالتالي تركيا كبلد بشكل عام، كانت طرفا مستفيدا من لحظة "المبالغة غير المنطقية" تلك في النظام العالمي. أو بعبارة أخرى، مبالغة في التقييم من قبل لاعبين سياسيين واقتصاديين دوليين، خاصة في السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين.
فبدون هذه "المبالغة غير المنطقية"، لم يكن أردوغان ليتمكن من تعزيز سلطاته بالشكل الذي يحدث حاليا.
هناك العديد من العوامل وراء "المبالغة غير المنطقية" في العالم حاليا بخصوص وضع تركيا. بطريقة أو بأخرى، فإن المكون الاقتصادي هو أكثر هذه المكونات وضوحا، لكن الضرر الذي أحدثته وصل الآن لمستوى لا يمكنه إنكاره في تركيا.
على غرار جميع القصص الاقتصادية الحالية، هناك قدر كبير من التعقيد في قصة تركيا، لكن – وتوفيرا للوقت – دعونا نلخص الأمر بالقول إن قدرا كبيرا مما تحقق لتركيا مما يمكن القول إنه نجاح اقتصادي في ظل حكم حزب العدالة والتنمية كان وراءه موجة عالمية من الممارسات الائتمانية الرخيصة كانت تبحث عن أماكن تدر عائدات كبيرة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عامي 2007 و2008.
ومثلما أشار المؤرخ آدم توز مؤخرا في كتابه "انهيار"، فإن حكومات وشركات خارج الولايات المتحدة قد راكمت بحلول عام 2015 ما مقداره 9.8 تريليون دولار من الديون، وكانت الأسواق الناشئة مدينة بمبلغ 3.3 تريليون من قيمة هذه الديون.
بين عامي 2008 و2013، كانت تركيا على وجه الخصوص رائدة بين مجموعة ما اصطلح على تسميتها "القوى الناشئة" التي استفادت من تلك الموجة الائتمانية.
وبفضل ممارسات دعائية وتسويقية ساحرة في تلك الفترة، صكت تركيا لنفسها، وبنجاح كبير، وصفا باعتبارها من دول الصف الثاني، لكنها في طريق النهوض كبلد عضو في مجموعة البريك.
من خلال تلك البيئة العالمية حيث أسعار الفائدة المنخفضة، أسرفت البنوك التركية (العامة منها والخاصة) في اقتراض المال؛ وبدا أنه لا حدود لما يمكن اقتراضه من مال.
في الوقت نفسه، أعلنت حكومة حزب العدالة والتنمية سلسلة متتالية من العطاءات - للقطاعين العام والخاص على حد سواء - لإنشاء مشروعات بنية تحتية هائلة، حيث كان رجال أعمال على صلة بحزب العدالة والتنمية يفوزون دوما بمناقصات يتم تأمين الإنفاق عليها من قروض تقدمها البنوك العامة استنادا إلى نفس الموجة الائتمانية الرخيصة التي عمّت العالم.
كان لمشروعات البنية التحتية هذه هدفان. فهذه المشروعات أتاحت لأردوغان فرصة صناعة "طبقة حاكمة" تابعة له، أو بعبارة أخرى، مجموعة تعتمد في أعمالها الاقتصادية بشكل كامل على مساندة حزب العدالة والتنمية.
تسببت هذه الطبقة الجديدة من رجال الأعمال في إقصاء، أو توفير بديل، لرأس المال القديم.
من ناحية أخرى، فإن تنفيذ المشروعات الاقتصادية قد أسهم في خلق اقتصاد آخر معتمد عليها، إذ ساهمت هذه المشروعات على سبيل المثال في توظيف كثيرين في قطاع الإنشاءات.
وساهمت مشروعات الإسكان كذلك في زيادة ملكيات المنازل، وبدورها ساهمت مشروعات النقل في المدن الكبرى في توفير وسائل مواصلات للمنتقلين حديثا من مناطق ريفية للعيش على حدود المدن.
لنأخذ كذلك المراكز التجارية التي ساعدت أبناء الطبقة المتوسطة الأدنى الجديدة على استشراف متع جديدة في أوقات الفراغ.
بشكل عام، فإن هذه التطورات تسبب في انطباع بأن تركيا باتت بلدا ناميا في طريقه للصعود. 
في الوقت نفسه، أخذت الدولة في خصخصة ممتلكاتها و/أو التخلي عنها لإنشاء مشروعات عقارية. في القطاع الزراعي أيضا، سيطرت المنتجات المستوردة على السوق المحلي.
بعبارة أخرى، فإن الاقتصاد التركي، ليس كله ولكن قدرا كبيرا منه، لم يكن سوى وهم بُني على ممارسات ائتمانية رخيصة لا يمكن تحملها على المدى البعيد.
واليوم، فإن الاقتصاد التركي أصبح أمام الحقيقة: فكل ما أُسس كان على بيت من ورق.
المكون الثاني في فقاعة "المبالغة غير المنطقية" الدولية بخصوص تركيا هو المكون السياسي.  فبعد عام 2008، وهو نفس الوقت الذي بدأت فيه تركيا حصد ثمار الائتمان الرخيص الذي ساهم في تعزيز اقتصادها، كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تبحث عن سبيل لحلحلة السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، مع تصحيح بعض مما اعتبرتها خطوات غير موفقة تمت خلال سنوات حكم جورج بوش الابن.
في السنوات التالية، امتزجت صورة تركيا كاقتصاد صاعد ورغبة إدارة أوباما في العثور على وسيط لرعاية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة نيابة عنها وتشكل بالتالي ما اصطلح على تسميته بأنه النموذج التركي."
من الصعب اليوم تذكر كل ما حدث خلال سنوات الامتزاج هذه، لكن تركيا، خاصة بعد انطلاق ثورات الربيع العربي في نهاية عام 2010، اعتبرت نموذجا للمنطقة روجت له، ليس تركيا وحدها، بل والولايات المتحدة أيضا.
يمكنني أن أقدم شهادتي الشخصية على هذا لأني حضرت الكثير من الاجتماعات السياسية مع أميركيين كان محورها "الربيع العربي" حيث كان علي دائما الإشارة إلى أن تركيا لم تكن في الواقع تدرك أو تفهم جيرانها أفضل من الأميركيين.
لقد أمضيت النصف الثاني من العام الجامعي 2012 في العاصمة الأميركية واشنطن في إطار منحة تدريس، والآن أشعر بالدهشة حين أتذكر الصورة الجميلة التي كانت ترسم لتركيا في ذلك الوقت باعتبارها قوة صاعدة، ومعجزة اقتصادية، وبلد نجح أخيرا في التوفيق بين الديمقراطية والإسلام والرأسمالية.
لم يكن التركيز كبيرا على الانتقادات التي تشير إلى أن تركيا لم تنجح حتى ذلك الوقت في حل مشاكلها الداخلية، خاصة ما يتعلق بحقوق الإنسان ومعاملة الدولة لسكانها من الأكراد، وبالتالي كانت الشكوك كثيرة حول قدرتها على حل مشاكل بقية الشرق الأوسط.
تولت المراكز البحثية ذات الصلة بالحكومة التركية الترويج لهذه الصورة الوردية لتركيا، وهي صورة كانت للحكومة التركية مصلحة واضحة في الإبقاء عليها.
ويجدر هنا القول إن هذه الرواية كان لها صدى جيد لدى صناع السياسة الأميركيين لأنها كانت شيئا يحبون سماعه. فعلى الأقل، يمكن القول إن من بين أسباب الحرب الأهلية السورية الأخطاء التي ارتكبت في تقييم الموقف في ذلك الوقت.
لتلخيص هذا، فإن الموقف الاقتصادي التركي خلال الفترة بين عامي 2008 و2013، والمنزلة التي حظيت بها تركيا على الصعيد العالمي، كان من بين أسبابها تأثير العوامل التي نتجت بشكل مباشر عن الكوارث التي وجدت الولايات المتحدة وأوروبا نفسها فيها بسبب أخطاء ارتكبت في العقد السابق.
فخلال هذه الفترة، كان الجميع في الغرب يركز على المشاكل هنا ويرغب في تصديق الكلمات اللطيفة عن القوى غير الغربية الصاعدة التي ستساعد في تخفيف وطأة المشاكل التي تعانيها الأسواق الدولية وستشارك في تحمل أعباء الحوكمة العالمية وإدارة مناطق الأزمات وعلى رأسها الشرق الأوسط.
في مرحلة حرجة على الصعيد المحلي، استفاد حزب العدالة والتنمية وأردوغان من هذه الرغبة التي توفرت في الغرب لتصديق قصة "الشعور اللطيف" هذه عن تركيا.
وفي نفس الوقت، كان يتم التسويق في الداخل التركي لفكرة أن تركيا تعود إلى جذورها التاريخية كقوة إقليمية كبرى، لأن الأتراك، لأسباب تاريخية، يهتمون كثيرا بالمنزلة الدولية.
كما أن الدعم المفرط الذي حظي به أردوغان من الغرب وصولا إلى عام 2013 قد جعل من الصعب على المعارضين في الداخل تشكيل حركة معارضة جادة للرئيس لأن هؤلاء المعارضين أنفسهم قد اعتادوا الارتكان إلى الغرب كمرجعية.
وبعد احتجاجات ساحة غيزي، سرعان ما تبددت فكرة "النموذج التركي" في الشرق الأوسط، حيث أصبح جليا أكثر من أي وقت مضى أن تركيا ليست البلد النموذجي الذي رغبت فيه إدارة أوباما.
وللمفارقة، فإن احتجاجات ساحة غيزي تزامنت مع اللحظة ذاتها التي قرر فيها بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الامريكي) وضع حد لعمليات الائتمان الرخيصة.
تلقت الليرة التركية ضربة مزدوجة إذا، وإن لم تكن بنفس السوء الذي واجهته خلال الصيف الماضي، كما سارع أردوغان بتغيير نهجه الخطابي فبدأ في توجيه اللوم لجماعات المصالح والغرب الحاقد باعتباره وراء كل ما تعانيه تركيا من متاعب، ولم يتوقف الرئيس التركي منذ ذلك الوقت عن هذا النهج.
يمثل هذا نهجا آخر يتمتع بقدر كبير من القبول داخل تركيا لأنه نهج مألوف: فكل تلاميذ المدارس يدرسون كيف تآمرت القوى الاستعمارية الأوروبية على الإمبراطورية العثمانية بنية تجريدها من مناطق حكمها.
وبعد فترة من الرخاء الاقتصادي والمكانة العالمية الرفيعة، فإن الحديث عن المؤامرات السرية قد لاقى قبولا لدى رجل الشارع لأنه توافق مع شكوكه في النظام العالمي.
وبالتالي، ثُقبت الفقاعة الغربية القائمة على "المبالغة غير المنطقة" بخصوص تركيا، إن لكن قد تبددت بشكل كامل.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح البخار الناجم عن تبدد تلك الفقاعة يندفع بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، رغم محاولات أردوغان للعب بما تبقى لديه من أوراق، وبينها اتفاق اللاجئين الذي أبرمه مع ميركل، والذي عزز وضع نظامه في وقت شديد الحرج.
استفاد أردوغان كذلك من المناخ الفوضوي المتزايد حول العالم، حيث كثُر القادة من أمثاله ليصبحوا الشكل المعتاد وليس الاستثناء، حتى في قلب النظام العالمي.
وصلنا أخيرا لنقطة لم يتبق عندها الكثير مما يمكن طرحه كإيجابيات، سواء بالنسبة لاقتصاد تركيا أو سياساتها الخارجية.
فتركيا بلد يسبح فوق أبخرة من مختلف الاتجاهات. ولا يمكن لأحد أن يخمن إلى متى يمكنها الاستمرار هكذا، أخذا في الاعتبار ما قام به أردوغان، بنجاح في الحقيقة، من تفكيك لجميع أشكال المعارضة لحكمه تقريبا.
انقضى الوقت المتاح لي أو يكاد، لذا اسمحوا لي بالتذكير بالهدف من وراء محاولاتي لفت الانتباه للعوامل الدولية التي ساهمت في اختلال مسار السياسة التركية. 
فلو أن هناك نتيجة واحدة كبيرة يمكن استخلاصها من كل ما تقدم، فهي أنه لم يعد هناك مجال للاعتقاد بأن الغرب وبقية العالم ككيانات منفصلة مستقلة لها مصائر ورؤى مستقبلية منفصلة.
ما يحدث في واشنطن أو لندن أو باريس أو غيرها يحدث توابع غير مرئية في أنقرة وفي ريو ودلهي، والعكس صحيح.

المقال أعلاه هو النص الكامل للكلمة التي ألقتها عيشة زاراكول الأستاذة الجامعية المرموقة بجامعة كمبريدج. وذلك في ندوة عنوانها "نهاية الديمقراطية: تركيا الجديدة ومنطقة في حالة انصهار"، وكانت في إطار المؤتمر السنوي لحزب العمال البريطاني في مدينة ليفربول. ويذكر ان الندوة من تنظيم موقع "أحوال تركية".

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-democracy/how-bubble-western-irrational-exuberance-about-turkey-was-deflated
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.