إدوارد جي ستافورد

كيف ستتطور العلاقات التركية الأميركية بعد زيارة تيلرسون لأنقرة

قبل زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لتركيا الأسبوع الماضي، تكهن الكثيرون بشأن ما الذي يُمكن فعله من أجل استعادة العلاقات الإيجابية بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي، أو على الأقل وقف تدهور العلاقات بينهما.
وخلُص الكثير من المعلقين إلى أن الولايات المتحدة وتركيا ستواصلان السعي لتحقيق مصالحهما، بينما ستعملان في الوقت ذاته من أجل الحيلولة دون حدوث صدع في العلاقات بينهما.
وما يؤيد هذا الرأي أن الولايات المتحدة وتركيا كانت تربطهما علاقات وثيقة تتسم بدفء خاص في معظم الأوقات منذ دخول تركيا حلف شمال الأطلسي عام 1952. وقد ظل الزعماء السياسيون في الولايات المتحدة يؤمنون بتلك الرواية الحالمة أكثر مما هو الحال في تركيا.
فلا ينسى الزعماء السياسيون الأتراك أبدا خطاب الرئيس الأميركي السابق ليندون جونسون عام 1964 لرئيس الوزراء التركي وقتها عصمت إينونو الذي حذره فيه من مغبة أي تحرك عسكري في قبرص، ولا ينسون أيضا حظر الأسلحة في سبعينات القرن الماضي وإلقاء القبض على أفراد من القوات الخاصة التركية في شمال العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003. ويعتبر معظم الزعماء السياسيين الأميركيين مثل ذلك التاريخ أمرا قليل الأهمية اليوم.
وجزء من السبب في هذا سوء الفهم من الجانبين لطبيعة حلف شمال الأطلسي، إذ يبدو أن الجانبين يعتبرانه شيئا أكثر من كونه حلفا دفاعيا للحيلولة دون التوسع السوفييتي، وأيضا -- في الآونة الأخيرة -- هيكلا للتعاون في مكافحة الإرهاب وتقويض جهود زعزعة الاستقرار الروسية.
وعلى الرغم من أن هناك الكثير من القيم المشتركة التي تجمع أعضاء حلف شمال الأطلسي، فإن الغرض الأساسي من الحلف هو توفير قدر أكبر من الأمن للدول الأعضاء من خلال وضع صورة واضحة أمام أي معتدين محتملين، مفادها أن أي هجوم على إحدى الدول الأعضاء من الخارج سيمثل اعتداءً على جميع أعضاء الحلف.
وسوء الفهم لحلف شمال الأطلسي هذا يقود إلى تصور مثالي عن قدرة الحلف على تعزيز العلاقات الإيجابية بين أعضائه. لكن في حقيقة الأمر، كل دولة عضو في حلف شمال الأطلسي تسعى لتنفيذ سياساتها الخارجية لتحقيق أهدافها وإن كان يُرجى ألا تكون تلك الأهداف تتعارض مع المصالح الوطنية المهمة للحلفاء الآخرين.
واليوم، كما كان في الماضي، لا تملك الولايات المتحدة وتركيا أهدافا للسياسة الخارجية متسقة تماما مع بعضها البعض.
فتركيا تريد اجتثاث التوسع في المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في شمال سوريا. والحيلولة دون تأسيس منطقة متجانسة تتمع باستقلال أو حكم ذاتي تحت إدارة كردية على طول حدودها، أمر ذو أهمية بالغة تفوق حتى أهمية إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية أو أي جماعات جهادية إسلامية مشابهة تتبنى العنف.
في المقابل، تضع السياسة الأميركية مسألة هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الإسلامية الشبيهة التي تنتهج العنف على رأس قضاياها ذات الأولوية في سوريا. ومن أجل تحقيق ذلك الهدف، أبدت واشنطن رغبة في التعاون مع مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية الذين تراهم تركيا عنصرا في حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل داخل تركيا، وهو رأي مجتمع الاستخبارات الأميركي أيضا على ما يبدو.
وأي تحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بانتظار انقضاء حاجة واشنطن للمقاتلين المحليين في سوريا بحيث لا يكون عليها أن ترسل قوات أميركية بأعداد كبيرة إلى سوريا، إذ هو أمر غير مستساغ سياسيا كما أنه محفوف باحتمالات اتساع دائرة الصراع التي ما زالت محدودة في الوقت الحالي إلى حد كبير.
وبالمثل، فإن تركيا لن تدخر جهدا للحيلولة دون تأسيس كيان كردي مستقل في شمال سوريا على طول الحدود معها.
وإجمالا، فإنه حتى يكتمل قضاء الولايات المتحدة على تنظيم الدولة الإسلامية ويتحقق الهدف التركي المتمثل في الإطاحة بالآمال الكردية في الحكم  الذاتي، سيظل الصراع في سوريا منغصا للعلاقات بين الحليفتين. لكن هذه التنغيص لا يؤدي بالضرورة إلى كسر في العلاقات.
والأرجح أن الجانبان سيتخذان خطوات ضرورية للإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة وإيجاد مساحات من التعاون الذي يحقق رضا الطرفين إذا كان الزعماء على الجانبين يرغبون في ذلك.
وليس مؤكدا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعطي لعضوية حلف شمال الأطلسي حق قدرها كما كان أسلافه يفعلون، والمحتمل جدا أنه قد يراها عقبة في طريق حرية التصرف التركي أكثر من كونها سياسة تأمين لا تقدر بثمن في مواجهة تعرض الوطن للغزو من جيران طامعين.
وإذا صار أردوغان منكِرا لمنفعة حلف شمال الاطلسي والولايات المتحدة، فقد يتبنى تحركا لإحداث شقاق مع الحلف على سبيل المثال من خلال مفاقمة الصراع بشأن التنقيب عن النفط في المياه حول قبرص، أو إثارة وقائع مع اليونان في بحر إيجه. في المقابل، قد يُصدر الجيش أو الزعماء السياسيين في الولايات المتحدة تصريحات علنية عصبية تعزز الرأي القائل إن واشنطن لا تأخذ المخاوف التركية على محمل الجد.


ما الذي يتعين فعله؟
على الجانبين أن يتحدثا إلى بعضهما البعض بصدق شديد واحترام بعيدا عن عدسات الكاميرات وعن الخطاب الموجه للجماهير بهدف إثارة إعجاب المؤيدين السياسيين في الداخل. والتقرير المؤكد عن أن تيلرسون عقد اجتماعا مشتركا مع أردوغان في حضور وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو فقط كمترجم هو إشارة إيجابية. وقد سمح هذا الاجتماع الخاص، على الرغم من أنه نادر بعض الشيء، بإجراء حوار صريح بدون ثمة فرصة لتسريب ما دار به إلى الرأي العام. وسنكون قادرين على تحديد مدى فعالية ذلك الاجتماع خلال الأسابيع والأشهر القادمة.
وإذا استمر الخطاب العلني الحاد من كلا الجانبين أو زاد، فهنا يصبح حدوث صدع في العلاقات التركية الأميركية احتمالا حقيقيا بغض النظر عن مدى الضرر الذي سيلحقه بالجانبين. أما إذا رأينا بدلا من ذلك تخفيفا في نبرة الخطاب والمزيد من المناقشات في أجواء صافية بين ممثلي البلدين، فيمكننا هنا أن نرجو تحسنا في العلاقات يصب في المصلحة المشتركة المتمثلة في تحقيق الأهداف الأساسية للسياسة الخارجية.

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: