يشار ياكش
ديسمبر 28 2018

كيف ستحل تركيا مشاكل شرقي الفرات بدون حرب؟

في أعقاب الانسحاب الأميركي المفاجئ من سوريا، تتجه كل الأنظار إلى تركيا المتوقع أن تعلن عن عملية عسكرية ضد وحدات حماية الشعب التي يهيمن عليها الأكراد، وهي الحليف الرئيس لواشنطن في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا.

لقد تلقى مقاتلو وحدات حماية الشعب تدريباً وتسليحاً جيدين على يد القوات الأميركية، ولديهم اتصالات مع حزب العمال الكردستاني، الذي يحارب الحكومة التركية منذ أكثر من 30 عاما وتعتبره الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية.

ما من شك أن أي عملية عسكرية تركية ضد وحدات حماية الشعب ستكون مكلفة من حيث الخسائر البشرية ورأس المال السياسي العالمي. غير أنه قد يكون هناك سبيل لهزيمة وحدات حماية الشعب بدون غزو.

لم يتضح بعد كيف سيتم تنفيذ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ بسحب قوات بلاده من سوريا. ربما لا تعرف حتى الولايات المتحدة نفسها ذلك، لكن من المتوقع أن تستغرق عملية الانسحاب ما يصل إلى 100 يوم.

وحتى لو افترضنا أنه لن يكون هناك المزيد من الاستقالات الأميركية، بعد رحيل وزير الدفاع جيمس ماتيس والمبعوث الأميركي الخاص للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية بريت ماكغورك، فإن كثيراً من الأميركيين المسؤولين عن الانسحاب من سوريا سيحاولون تصويره بالشكل الذي يحقق أغراضهم.

تتوخى تركيا الحرص والحذر في انتظارها بصبر للتحرك استجابة للإجراءات الأميركية. فواشنطن تتلكأ فيما يتعلق بخريطة طريق منبج، التي تتضمن طرد مقاتلي وحدات حماية الشعب المحليين.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، قرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إرجاء العملية العسكرية التركية المزمعة شرقي الفرات حتى يتضح الموقف بشكل أكبر. وفي ضوء فترة المئة اليوم التي سيستغرقها الانسحاب الأميركي، يتسع الوقت أمام تركيا للنظر في كل الاحتمالات.

أهم مسألة بالنسبة لتركيا تتمثل في الطريقة التي ستقاوم بها وحدات حماية الشعب الجيش التركي. وحيث أن من المعروف أن تلك الوحدات تتعاون بشكل وثيق مع حزب العمال الكردستاني، فمن المرجح أن تدافع عن نفسها بالطريقة ذاتها. والجيش التركي ذو خبرة واسعة في مواجهة حزب العمال الكردستاني، وعرف على مرّ العقود مدى صلابة الحزب في حربه للدفاع عن قضيته. ومن ثمّ، فإن وحدات حماية الشعب لن تكون خصماً سهلاً.

لكن ثمة اختلافان مهمان: الأول هو أن الولايات المتحدة زودت وحدات حماية الشعب بشحنات عدة من الأسلحة والذخيرة واحدة، فضلا عما قدمته لها من تدريب. الثاني هو أن ساحة المعركة مختلفة. فحين يحارب الجيش التركي حزب العمال الكردستاني يكون محاطاً بعدد أقل من الأعداء، وذلك إلى حد كبير لأنه يقاتل على الأراضي التركية.

صحيح أن هناك بعض المتعاونين بين المدنيين يساعدون حزب العمال الكردستاني في بعض الأحيان، ولكن في الغالب يحارب الجيش على أرض بلاده. أما في سوريا، فسيكون الجيش التركي في أرض غير مألوفة له، بيئة معادية.

ستضطر القوات التركية لأن تخوض المعركة في شوارع غير مألوفة لها بين أناس يتحدثون لغة لا تعرفها. وستستخدم وحدات حماية الشعب المدنيين دروعا بشرية، بينما سيتعين على القوات التركية أن تتبع قواعد الاشتباك المحددة في اتفاقيات جنيف.

غير أن الجيش التركي يظل ثاني أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويتمتع بخبرة كبيرة في مواجهة الإرهاب. ومن ثم، من المستبعد أن يخسر المعركة أمام وحدات حماية الشعب، لذا يجب أن يكون الشغل الشاغل لأنقرة هو تنفيذ العملية بأقل خسائر بشرية ممكنة.

دبابة في رتل من المركبات العسكرية التركية التقطت صورتها قرب الحدود الشمالية السورية  25 ديسمبر .
دبابة في رتل من المركبات العسكرية التركية التقطت صورتها قرب الحدود الشمالية السورية 25 ديسمبر .

تضم وحدات حماية الشعب ما يقدر بما بين 60 ألفا و70 ألف مقاتل، من بينهم نحو 30 ألفا مدربين تدريبا جيدا. تدرّس الأكاديميات العسكرية أن شن هجوم ناجح على جيش دفاعي في أرضه يستلزم امتلاك ضعف القوة القتالية. وهذا يعني أنه يجب على تركيا أن تدخل سوريا بقوة أكبر من جميع قوات وحدات حماية الشعب.

علاوة على ذلك، تلتزم تركيا حالياً بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، المتمركز بعيداً عن حدودها، وتولت على عاتقها مسؤولية ذلك. ولم يتضح بعد حجم الدعم اللوجيستي الذي ستقدمه واشنطن إلى تركيا في هذه المساعي.

وفي محاربة وحدات حماية الشعب، ستتميز القوات التركية بنقطة تفوق واضحة بفضل سلاحها الجوي. بيد أن وحدات حماية الشعب تملك أسلحة مضادة للطائرات، والفضل في ذلك يرجع إلى الولايات المتحدة، ومن المؤكد أن مقاتليها سيستخدمونها.

غير أنه من المرجح أن تعتمد وحدات حماية الشعب على المجتمع الدولي في ممارسة المزيد من الضغط على تركيا أكثر من قدرتها القتالية. ويضغط ممثلو وحدات حماية الشعب في العواصم الأوروبية بالفعل على حكومات هذه البلاد لممارسة الضغط على تركيا كي تحجم عن الغزو.

لا يمكن لتركيا أن تتوقع الحصول على دعم مطلق من إيران أو روسيا، على الرغم من أن أنقرة قد دخلت في شراكات مع هذين البلدين في عدة مجالات. فحجم الدعم الذي تقدمه كل دولة من الدولتين إلى تركيا في سوريا ستحدده مصالحهما الوطنية.

حين أطاحت وحدات حماية الشعب بتنظيم الدولة الإسلامية من الحسكة والرقة في العام 2015، بسطت سيطرتها على المدينتين، وقيل بأنها منعت السكان العرب والتركمان الأصليين من العودة إلى ديارهم، وأحرقت وحدات حماية الشعب حقولهم وبيوتهم وأعادت توطين أكراد من مناطق أخرى هناك.

وفي الحقيقة، لم تمنع وحدات حماية الشعب العرب والتركمان والمسيحيين السريان فحسب من العودة، بلغ منعت أيضا الأكراد الذين لم يؤيدوها من العودة إلى ديارهم، وفقاً لما ذكره تقرير نشرته منظمة العفو الدولية في العام 2015.

ثمّة قلق ينتاب بعض الدول من أن تكون تركيا تخطط حالياً لعمل تغيير عرقي جديد في المناطق التي أعادت وحدات حماية الشعب تشكيلها من قبل.

ستكون استراتيجية عظيمة للسلام إذا أعلنت تركيا أنها لا نية لديها لذلك، وأنها ترغب فقط في إعادة المناطق التي جرى "تكريدها" في الآونة الأخيرة إلى أصحابها الأصليين.

ربما تعلن تركيا للمجتمع أنه إذا سارت كل الأمور وفقاً لهذه الخطة، فلن تكون هناك حينها للتدخل العسكري. وقد تأتي المعارضة الوحيدة من وحدات حماية الشعب نفسها، التي سيتم عزلها عن الساحة الدولية ومن ثم تستطيع تركيا تحقيق أهدافها بدون الحاجة إلى الحرب.

ذلك سيعني نطاقاً أقل من الصراع والدمار، وعدداً أقل من القتلى الأتراك والأكراد، وتحسّن مكانة أنقرة الدولية. هذا التحسّن في السمعة قد يفتح الباب أمام تركيا للاضطلاع بدور أكثر أهمية في الشرق الأوسط.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: