أحوال تركية
يوليو 06 2018

كيف فاز أردوغان في الانتخابات؟

في السادس عشر من أبريل، أجرت تركيا استفتاءً دستورياً بينما كانت البلاد ما زالت خاضعة لحالة الطوارئ التي أُعلنت الصيف الماضي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.
وينطوي التعديل الدستوري على التحول من النظام البرلماني الحالي إلى نظام رئاسي ينقل السلطة التنفيذية إلى الرئيس، الذي يعين بدوره جميع الوزراء وكبار المسؤولين القضائيين، بما في ذلك أغلبية قضاة المحكمة العليا.
كما يسمح النظام الرئاسي التركي للرئيس بإصدار مراسيم وإعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان لإعادة انتخابه.
وكان مؤيدو التعديلات الدستورية حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية، وهما تكتل يميني حصد 61 بالمئة من الأصوات خلال الانتخابات السابقة. أما تكتل المعارضة فيضم حزب يسار الوسط العلماني، حزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعوب الديمقراطي، وهو حزب اشتراكي ديمقراطي مناصر للأقليات.
وجرت الموافقة على التعديل الدستوري بأغلبية تزيد بواقع 1.4 نقطة مئوية عن الأغلبية المطلقة. وفي هذا البحث نحلل السلوك التصويتي للناخبين الأتراك في الاستفتاء.
حقيقة أن البلاد كانت خاضعة لحالة الطوارئ، والصراع المسلح الذي وقع في الآونة الأخيرة جنوب شرق الأناضول – والذي تسبب في نزوح ما يصل إلى 400 ألف شخص، فضلا عن تكميم أفواه المعارضة السياسية، أثارت تساؤلات بشأن نتائج الاستفتاء. وخلال الاستفتاء وبعده، أثارت كتلة المعارضة ومراقبون مستقلون مخاوف حقيقية من وجود مخالفات.
وفي مسعى لإعلان بطلان نتائج الاستفتاء، تقدم حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي، بطعن أمام اللجنة العليا للانتخابات، وهي المؤسسة الدستورية المعنية بتنظيم الانتخابات في تركيا. ويجب أن يضع القارئ في حسبانه هذه الملابسات عندما يتصدى لتفسير النتائج. وتحليلنا هذا يتعامل مع نتائج الانتخابات على أنها حقيقة واقعة.
وفقا لتقديراتنا، فإن ناخبي حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري اتبعوا القيادة الحزبية، حيث صوت ناخبو الحزب الحاكم بأغلبية ساحقة لصالح التعديلات، بينما صوت ناخبو حزب الشعب الجمهوري ضد تلك التعديلات. وفي تناقض واضح لتوجه حزبهم، صوت ما لا يقل عن 77 بالمئة من مؤيدي حزب الحركة القومية ضد التعديلات. وكانت المفاجأة أن ما لا يقل عن ستة بالمئة من ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد أيدوا التعديلات الدستورية ولعبوا دورا محوريا في نتائج الاستفتاء. وزاد إقبال الناخبين في غربي تركيا، بينما قل في الشرق.
يلخص المخطط البياني (مخطط سانكي) التالي تغير مواقف الناخبين في استفتاء أبريل 2017 مقارنة مع الانتخابات العامة التي أجريت في نوفمبر 2015 مقدرا بناء على الاستدلال البيئي وباستخدام نتائج الانتخابات من 970 دائرة انتخابية. 

مخطط بياني

الاختلافات المناطقية بين انتخابات نوفمبر 2015 العامة واستفتاء أبريل 2017 لافتة للنظر. فالكتلة المؤيدة، أو كتلة "نعم"، أقل حجما من مستوى الدعم الانتخابي بكثير في جميع الدوائر باستثناء شرقي وجنوب شرقي تركيا. وعلى الرغم من الأداء الفائق في شرقي تركيا، فقد جاءت كتلة "نعم" في النهاية دون المستوى التراكمي لدعم الناخبين (الذي بلغ 61 بالمئة مقارنة مع 51.4 بالمئة) بواقع عشر نقاط مئوية فقط.
وفي جميع مناطق وسط وغربي الأناضول تقريبا، تقل كتلة "نعم" عن مستوى دعم الناخبين لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية المسجل في نوفمبر 2015 بمقدار خمس نقاط مئوية. وفي منطقة البحر المتوسط، يزيد الفارق أكثر، حيث يبلغ ما يتراوح بين 10 و15 نقطة مئوية دون حجم دعم ناخبي حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية معا. والنهج في شرقي تركيا مختلف تمام.
وكانت حصة المصوتين "بنعم" بشكل موحد فوق حصة كتلة "نعم" التصويتية في جميع الدوائر التي يحظى فيها حزب الشعوب الديمقراطي تاريخيا بتأييد سياسي قوي. ومن الممكن أن يعزى هذا التأييد إلى وجود أغلبية كردية في المنطقة. 

مخطط بياني
مخطط بياني
مخطط
مخطط

بينما كان الحجم الإجمالي لإقبال الناخبين مشابها في نوفمبر 2015 وأبريل 2017 (85.23 بالمئة و85.32 بالمئة)، فإن البيانات التفصيلية لكل منطقة تظهر وجود عدم تجانس كبير. ففي مناطق الشرق والجنوب الشرقي، انخفض مستوى إقبال الناخبين بما يتراوح بين 0.5 و1.5 نقطة مئوية.
وربما يكون تغير نسب المشاركة نتج عن نزوح السكان من المنطقة وانحسار المشاركة المدنية من الناخبين الأكراد منذ يونيو 2015.
وبالنسبة لبقية تركيا، فقد انخفض أيضا مستوى إقبال الناخبين في مناطق وسط وشرق البحر الأسود ووسط الأناضول. ونلاحظ زيادة المشاركة المدنية في المحافظات المطلة على ساحل البحر المتوسط وبحر إيجه، والتي تضم شرائح علمانية متعلمة تعليما أفضل من جمهور الناخبين الأتراك. وزادت نسب المشاركة في هذه المناطق بما يتراوح بين 1-1.5 نقطة مئوية.

مخطط بياني يظهر تغير حجم إقبال الناخبين.
مخطط بياني يظهر تغير حجم إقبال الناخبين.

التحليلات المناطقية والارتباطية مؤشرات قوية على السلوك التصويتي، لكنها لا توفر تقديرات موثوقة لحجم التغير الذي طرأ على سلوك الناخبين. ومن ثم، فنحن بحاجة إلى طرقٍ أكثر تقدماً للاستدلال على سلوك الفرد عند استخدام البيانات المجمعة للدوائر الانتخابية.
وإلى هنا، فإننا نستخدم منهج الاستدلال البيئي الإحصائي الذي وضعه روسين إيتال عام 2001 لتقييم سلوك الأفراد التصويتي من خلال استخدام البيانات المجمعة على مستوى الدوائر الانتخابية. 
ووفقا لهذه التقديرات:
• ما يتراوح بين 92.8-96.2 بالمئة من ناخبي حزب العدالة والتنمية وافقوا على الدستور الجديد، وهو ما يعادل 46-47.8 بالمئة من الأصوات الصحيحة في الاستفتاء. وأقل من 1.6 بالمئة من ناخبي حزب العدالة والتنمية لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع.
• رفض مؤيدو حزب الشعب الجمهوري بالإجماع تقريبا التعديلات الدستورية، حيث صوت 95.3-98.2 بالمئة منهم بالرفض. ويشكل المصوتون بالرفض من المحسوبين على حزب الشعب الجمهوري 24.5-25.3 بالمئة من الأصوات الصحيحة، بينما بلغت نسبة المتخلفين عن التصويت بينهم ما يقل عن 1.2 بالمئة من إجمالي المتغيبين.
• بينما لعب حزب الحركة القومية دورا مهما في تأمين الأغلبية لقرار الاستفتاء في البرلمان، نجد أن قاعدة الحزب الانتخابية صوتت بأغلبية ساحقة ضد هذا الخيار. فقد وافق 6.7-18.4 بالمئة فقط من مؤيدي حزب الحركة القومية على التعديل الدستوري. وهذه الشريحة تمثل فقط 0.8-2.2 بالمئة من الأصوات الصحيحة. وبناء عليه، فإن مجموع المصوتين بالموافقة من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لم يكن ليبلغ الأغلبية المطلقة بدون مساعدة ناخبين آخرين.
• أغلبية مؤيدي حزب الشعوب الديمقراطي صوتوا بالرفض (76.3-85.4 بالمئة)، وهو حجم يمثل ما يتراوح بين 8.1-9.0 بالمئة من الأصوات الصحيحة. وصوت نحو نصف الناخبين المتبقين (5.8-13.7 بالمئة) بنعم بينما لم يصوت النصف الآخر (ويتراوح بين 5.7 و11.9 بالمئة). من ثم، فإن إسهام حزب الشعوب الديمقراطي في التصويت بالموافقة كان محدودا، ولكنه كان مهما في تشكيل نتيجة الاستفتاء.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: