كيف يتحكّم أردوغان بالبلديات التي خسرها في الانتخابات

تعبير مكسب وخسارة هو النسخة التركية من تعبير "المكسب للجميع" أو "الخسارة للجميع"!
دعونا نبدأ برؤساء البلديات المنتخبين أو الذين أُعيد انتخابهم في الانتخابات المحلية التي أجريت يوم الأحد، مع الوضع في الاعتبار أن الحكومات المحلية كانت دائماً ربيبة السياسة التركية. الحكومات المحلية ليست فقط ربيبة السياسة، بل من خاسريها أيضاً، لأن الحكومات المحلية في تركيا تخضع لسلطة الإدارة المركزية.
الحكومات المحلية ليست خاضعة لسلطة أنقرة فحسب، ولكنها أيضاً خاضعة لسلطة قيادات الأحزاب السياسية. لمن صوت الأتراك يوم الأحد؟ لم يصوتوا حتى للمرشحين الذين رشحتهم القيادات الحزبية، وصوتوا للأحزاب السياسية! في كثير من الأماكن، لم يكونوا على دراية بمن كان يترشح لمنصب رئيس البلدية.
يخبرنا هذا التقليد الغريب بالكثير. يقف نفس العائق أيضاً في طريق المشرعين. في البرلمان، يُشار إلى النواب عادة عن طريق أحزابهم السياسية، وليس عن طريق الأقاليم التي يمثلونها. في حين أن الانتخابات المحلية غالباً ما تكون بمثابة انتخابات عامة من الدرجة الثانية، فقد تم تجاهل البرامج والمشاكل المحلية تماماً في الحملة الانتخابية لانتخابات يوم الأحد بسبب التوترات السياسية الشديدة. بات خلو الانتخابات المحلية من المعنى واضحاً تماماً.

تحدد المواد 123 و126 و127 من الدستور ما يسمى بالوصاية الإدارية، وهو نظام لا يمكن لرئيس البلدية بموجبه أن يدق مسماراً واحداً دون موافقة الحكومة المركزية أو حكام المقاطعات أو المناطق الذين يشكلون ممثليها المحليين. وتمثل السيادة المطلقة والدائمة للموظفين العموميين المعينين على الممثلين المنتخبين السمة المميزة الأخرى للديمقراطية الوهمية في تركيا.

وقد تم تعزيز اعتماد الحكومات المحلية على الحكومة المركزية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، الذي ظل في السلطة منذ عام 2002. ومنذ ذلك الحين، تقلصت النسبة الثابتة البالغة 15 في المئة من الميزانية المخصصة للحكومات المحلية إلى 10 في المئة. لقد أصبحت البلديات معتمدة على الحكومة المركزية لتقديم الخدمات. وقد لجأت بلديات عديدة إلى طرق جديدة لتحقيق الربح من أجل كسر هذه التبعية. تعد المشكلات المالية للحكومات المحلية أحد أسباب تدمير المدن والبيئة في تركيا.
وعندما تحولت حكومة حزب العدالة والتنمية إلى حكم الرجل الواحد، بالطبع أخذت الحكومات المحلية نصيبها من التأثير. وفي شهر أغسطس، ربط مرسوم رئاسي جديد ميزانيات جميع البلديات والهيئات الإدارية المحلية بوزارة الخزانة والمالية، الخاضعة لسيطرة صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، بيرات البيرق. يجب على البلديات الآن الحصول على موافقة الحكومة المركزية، ليس فقط من أجل إيراداتها، ولكن أيضاً لنفقاتها، سيحدد أردوغان وصهره موارد البلديات.
أشار أردوغان إلى نيته خلال إحدى المونولوجات التلفزيونية إذ قال "لن يكونوا قادرين على الإدارة؟ لماذا؟ لن تكون لديهم القدرة على دفع الرواتب في تلك البلديات. لدينا سجلات بجميع حساباتهم، والديون الحالية لبلدياتهم. لن يكونوا قادرين على الإدارة. وأولئك الذين لا يعملون في وئام مع الإدارة المركزية في المستقبل سيعلنون إفلاسهم تماماً". وقال تونج سوير، رئيس بلدية إزمير الجديد المنتمي لحزب الشعب الجمهوري الذي يمثل المعارضة الرئيسة، الذي يدرك هذا الوضع، خلال حملته الانتخابية إنه سيتعين عليه أن يطرق باب الرئيس للحصول على الموارد.
كما حذر أردوغان من أنه قد يعين مديرين ليحلوا محل رؤساء البلديات المنتخبين المشتبه في صلتهم بالإرهاب، كما فعل من قبل في الجنوب الشرقي للبلاد الذي تقطنه أغلبية كردية. ونظراً لأنه هو الذي يقرر تعريف الإرهاب، بغض النظر عن نتائج الانتخابات، فقد انتهت الحكومة المحلية من الناحية العملية. أولئك الذين يتوقعون المعجزات من رؤساء البلديات المنتخبين يجب عليهم توخي الحذر.
عندما يتعلق الأمر بالفائزين والخاسرين في انتخابات يوم الأحد، يقول كثيرون إن الديمقراطية هي الفائزة. لذلك دعونا نلقي نظرة على آفاق الديمقراطية.
يمكننا أن نفترض أن ما قاله رئيس بلدية إزمير الجديد صحيح بالنسبة لجميع الأبعاد السياسية، بصرف النظر عن حزب الشعوب الديمقراطي الذي يغلب عليه الأكراد. لم يتبق الآن أي مؤسسة سياسية تشكك في شرعية صلاحيات أردوغان التي اكتسبها من خلال العنف والخداع. بالنظر إلى ذلك، يمكنه الآن تعزيز سطوته على الأحزاب السياسية وتحديد جميع قواعد اللعبة.
الأحزاب الأخرى تنضم إلى تلك اللعبة. في الواقع، كان النظام غير شرعي منذ انتخابات السابع من يونيو 2015. في مرحلة ما، قبل الاستفتاء على الدستور في عام 2016، حاولت زعيمة الحزب الصالح، ميرال أكشينار، التعبير عن انعدام الشرعية هذه، ولكنها سرعان ما استسلمت. رأينا قبل انتخابات الرابع والعشرين من يونيو في العام الماضي أن زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو قد انزعج من الدعوات لمقاطعة الانتخابات التي اعترفت ضمناً بعدم الشرعية تلك.
دعونا نتحدث عن المعارضة التي قيل إنها حققت النصر. عندما ننظر عن كثب، لا توجد جبهة واحدة للمعارضة لكن ثمة جبهتين للمعارضة. الجبهة المناهضة لأردوغان التي تأسست قبل الاستفتاء، بما في ذلك خمس حركات سياسية متباينة، ليس لها مستقبل سياسي لأنها ليس لديها سياسة تتجاوز معارضة الرئيس. هذه الجبهة تنشط نفسها من الانتخابات إلى الانتخابات، ولا تدوم أي مكاسب تحققها إلا لبضعة أيام في أعقاب الانتخابات.
في بيئة انتخابية لم تكن حرة ولا نزيهة، حصل الائتلاف الحاكم لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية اليميني المتطرف على ما يزيد قليلاً عن 50 في المئة من الأصوات. لذلك لا يوجد تهديد واضح يمكن أن يقوض النظام في المستقبل المنظور. ألم يقل أردوغان في ليلة الانتخابات أنه سيحكم البلاد لمدة أربع سنوات ونصف؟ وإجراء انتخابات مبكرة ليس في الأفق.
كتب عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري، أيكوت أردوغو، في 27 مارس في تغريدة على تويتر قائلاً "يجب أن تعرف أمتنا جمعاء. من المحتمل أن نفوز في المدن الكبرى ... لن نطلب إجراء انتخابات مبكرة إذا فزنا في الانتخابات المحلية ... وسنقدم كل دعمنا" للتغلب على الانكماش الاقتصادي الذي نشهده ولتنفيذ الإجراءات الهيكلية".
وقالت أكشينار على نحو مماثل "أنا أدعو الرئيس مرة أخرى. لا ترهق الناس ولا تتعبهم ... فلتعلم أننا سندعمك في كل خطوة صحيحة تتخذها وسنقف ضدك نيابة عن الشعب التركي في كل خطوة خاطئة". ألم تقل ذلك؟
تضع المعارضة نفسها بحماس تحت أنقاض الديمقراطية. هناك مقدر لها البقاء حيث تمت إزالة جميع الضوابط والتوازنات. هل يبدو ذلك وكأنه فوز؟
رؤساء البلديات المعارضون الجدد ملزمون بالرضوخ للإدارة المركزية مباشرة بعد توليهم مهامهم، يجب أن يُؤخذ ذلك أيضاً في الاعتبار عند تقييم ذلك "الفوز".
فما شكل الربيع الذي وعد به حزب الشعب الجمهوري خلال حملته؟ إن الأشخاص الذين خنقهم النظام طوال كل هذه السنوات يحتاجون لرؤية هذه الهزيمة النسبية للحكومة. لكن دعونا لا ننسى أن انتخابات السابع من يونيو لعام 2015 بدت أيضاً بداية جديدة، لكن كانت لها نتائج كارثية. من المحتمل أن ينتهي انتصار الحادي والثلاثين من مارس بطريقة مماثلة لأنه لا يوجد بديل سياسي جدي يمكنه أن يحقق هذه الآمال. لا يوجد شيء في الأفق باستثناء الأزمات الاقتصادية والدبلوماسية. لن تخفف الحكومة بالتأكيد من ضغوطها على المعارضة، فهل يمكننا أن نطلق على هذا فوز؟
أخيراً، دعونا نتحدث عن الحركة السياسية الكردية التي قيل إنها ساعدت المعارضة على الفوز. شارك حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات، ودعا رئيسه المشترك السابق المسجون صلاح الدين دميرطاش الناس إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع، ولكن حزب الشعوب الديمقراطي كان المؤسسة السياسية الوحيدة التي لم تلجأ إلى العنف اللفظي أو المادي. الحزب، الذي يواجه كل شيء ممكن منذ أن قررت الدولة تدميره في أواخر عام 2014، أشار مرة أخرى إلى أن صناديق الاقتراع هي مكان إظهار رد الفعل. من الواضح أن هذا التكتيك أثر على النتائج في المدن الكبرى يوم الأحد.
وعلى الرغم من أن ذلك كان يعني التصويت انفصاماً في الشخصية للمرشحين الذين ينتمون إلى خلفيات سياسية تكره الأكراد بقدر ما تفعل الحكومة، إلا أن موقف حزب الشعوب الديمقراطي كان مكسباً مهماً للسياسة التركية. لكنني أخشى من أن هذا التكتيك، الذي لقن الحكومة درساً، يمكن معاقبته أيضاً. من الذي يضمن أن الحكومة لن تطرد رؤساء البلديات من حزب الشعوب الديمقراطي وتعيين مسؤولين في مكانهم؟ المعارضة "الرسمية" لن تدعم حزب الشعوب الديمقراطي في مثل هذه الظروف. هل يمكن أن نطلق على هذا فوز؟
وفقاً لأردوغان وكونه الموازي، فقد فاز يوم الأحد، لكنه خسر أيضاً. على الرغم من أنه يعلن النصر في الانتخابات منذ عام 2013، إلا أنه تعرض هذه المرة لضربة قوية. سيعتمد مستقبله على الوضع الاقتصادي الصعب وإخفاقات السياسة الخارجية. لسوء الحظ، دخلت البلاد مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة الخسارة بدلاً من وصفها بمرحلة الفوز.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/local-elections/results-turkeys-polls-means-win-lose-all
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.