تانير أكشم
يوليو 13 2018

كيف يغير الأتراك تفكيرهم إلى الطريقة الألمانية؟

هناك كلمة في اللغة الألمانية هي"umdenken"  والتي يمكن أن تترجم بشكل عام إلى "إعادة التفكير"، ولكن لترجمتها بشكل أكثر دقة، ينبغي الإشارة إلى أنها ترادف "تغيير طريقة التفكير" أو حتى "عكس اتجاه التفكير".
وما أود أن أقترحه في هذا المقال هو شيء من هذا القبيل. فمن وجهة نظري، أولئك الذين يريدون تغيير الوضع في تركيا، يجب أن "يعيدوا تفكيرهم". أو بعبارة أخرى، علينا تغيير طريقة تفكيرنا وبذل المزيد من الجهد لاستيعاب ما نمر به بطريقة مختلفة، وربما حتى بطريقة تخالف نوعا ما توقعاتنا وأفكارنا المسبقة.
فعلى مدار الأيام الأخيرة، تأرجحت التحليلات بشأن نتائج انتخابات الشهر الماضي بين فريقين متمايزين، الأول مؤلف من أشخاص يشعرون باليأس ويعانون من إحساس بالهزيمة الكاسحة والثاني يضم هؤلاء ممن يعتقدون أن الوضع ليس بهذا السوء وأن المعركة لم تنته بعد.
والحديث السائد الآن بين الفريقين يتمحور حول ضرورة تشكيل جبهة قوية على خط المواجهة مع الرئيس رجب طيب أردوغان قبل فوات الأوان.
وفي الحقيقة، هذا الاستقطاب الثنائي هو الخطأ بعينه.
دعوني أعود بكم إلى عام 1982 عندما كان حزب الخضر الألماني يعقد مؤتمره العام في مدينة هامبورغ. وكان الفيلسوف والسياسي رودولف باهرو يتحدث في إحدى جلسات المؤتمر، وهو الشخص نفسه الذي عارض النظام في ألمانيا الشرقية وحكم عليه فيما بعد بالسجن لمدة ثماني سنوات بسبب كتابه "البديل" وبعدها جرى نفيه إلى ألمانيا الغربية بعد موجة انتقادات من الغرب.
كان باهرو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب الخضر ودار حديثه حول كيفية حماية البيئة/الطبيعة التي كانت تتعرض للتلف والدمار جراء مشروعات التصنيع الرأسمالي والاشتراكي. وكان يوضح أن هناك طريقتين مختلفتين لممارسة السياسة. 
وأوضح "الطريقة الأولى هي السياسة التي تتشكل عندما تكون الساعة في حدود الثانية عشرة إلا ربع".
"في ذلك التوقيت، لا يزال الوقت غير متأخر، وما زالت هناك فرصة لإنقاذ أو حماية بعض الأشياء. وحينها يمكن للسياسات التي يتم اقتراحها أن تناقش الخطوات الواجب اتخاذها لمنع وقوع الضرر أو الكارثة قبل فوات الأوان".
وهؤلاء الذين يمارسون السياسة وفقا لهذا المنطق دائما ما يرون أن الساعة تقترب من الثانية عشرة فقط عندما لا تتحقق اقتراحاتهم وتوقعاتهم. ويجدون أنفسهم منغمسين في حالة من التشاؤم الحاد مع ازدياد سوء الوضع. وعندها، ستجد أولئك الذين يقولون "لقد قضي علينا تماما، لا يمكن إصلاح الوضع بعد الآن" في مواجهة محتدمة مع هؤلاء الذين يؤمنون "بأننا لم نخسر كل شيء بعد، لا تزال هناك خطوات يمكن القيام بها".
ومن الطبيعي أن يدخل المتشائمون والمتفائلون في هذه المناقشات السياسية من حين لآخر، لكن في الواقع، يدور المنطق الأساسي لكل منها حول نفس الفكرة، فيما تقترب الساعة من منتصف الليل، مؤذنة بقرب انتهاء هذه الدورة من الأحداث.
يقول باهرو "لكن هناك أيضا طريقة ثانية لممارسة السياسة". وفي هذه الطريقة، أصبحت الساعة بالفعل الثانية عشرة والربع، وهو ما يعني أن ما كنت تخشاه وتتمنى تجنبه بأي وسيلة قد وقع بالفعل. في هذه الحالة، لا يوجد شيء يمكن فعله الآن ولم يعد هناك حاجة للاستعجال والشعور باليأس، إذ لم يعد هناك شيء يمكن إنقاذه. كما لا توجد الآن كارثة وشيكة يجب منعها، فالأمر انتهى...لقد مررت بها بالفعل.
الآن، يصبح السؤال: ماذا ينبغي فعله في رأيك في ظل هذه الظروف؟
اقترح باهرو أن يعمل حزب الخضر دائما على وضع سياساته بناء على فكرة أن الساعة أصبحت الثانية عشرة والربع.
وهذا ما أقترحه للسياسة التركية.
الساعة الآن أصبحت الثانية عشرة والربع ولا يوجد شيء يمكننا إنقاذه. لذلك، ليست هناك جدوى من الاندفاع بتهور إلى أي تصرف. فنحن الآن في مواجهة أمر واقع، ألا وهو ترسيخ الجمهورية التركية الثانية لوجودها، وستفرض هذه المؤسسة واقعها الخاص مهما حاولنا جاهدين مقاومة سلطتها.
ومن الممكن أن أكون أكثر جرأة لأقول إن طرق تفكيرنا الحالية والاكتفاء بلعب دور المعارضة فقط هي عوامل تدعم الجمهورية الثانية وتجعلها أقوى.
إذا ماذا نفعل؟
بكل بساطة، علينا أن "نعيد التفكير" كما تقول الكلمة الألمانية بكل ما تحمل من معاني. علينا إعادة هيكلة صفوفنا وهدم أفكارنا المسبقة وبناؤها مرة أخرى من خلال التشكيك في الطريقة التي نفكر بها والطريقة التي نمارس بها السياسة.
والسؤال الرئيسي هنا ينبغي أن يكون حول ما إذا كانت هناك فرصة للشعب التركي بدياناته ولغاته وثقافاته ومعتقداته وعرقياته وأنماط حياته المختلفة أن يتعايش مع بعضه البعض؟ هل هذا ممكن في المستقبل؟
ليس لدي ما أقوله لهؤلاء الذين يقولون "لا...هذا ليس ممكنا. هذا يعني هدم ما هو موجود بالفعل وبناءه مرة أخرى".
فأنا اعتبر نفسي بين أولئك الذين يقولون "نعم، هناك إمكانية لحدوث ذلك".
وأنا لا أقول هذه الكلمات لمجرد الاعتقاد بأن هناك أشياء لا يزال من الممكن إنقاذها. ولكنني أقولها بكل أريحية لمعرفتي أن الساعة الآن باتت الثانية عشرة والربع.
ولذلك يتمثل اقتراحي في أن نبدأ في الإفصاح بصراحة عما ينبغي قوله بشأن هذا الوضع. 
وأول شيء ينبغي أن يتم ذكره هو الحاجة إلى تطوير منظور سياسي يتجاوز الانقسامات السياسية القائمة في تركيا، والتي يدور فلكها بين تصنيف الجماعات المختلفة بين يمينية ويسارية وكمالية وعلمانية وحداثية وغربية ودينية وإسلامية ومحافظة وقومية، وتسمو فوق ثقافة سياسية تتشكل ملامحها استنادا إلى الاختلافات العرقية والدينية، بين علوي/سني وتركي/كردي وعلماني/إسلامي، وهي كلها تصنيفات وانتماءات شكلت مصدرا للانقسامات التي تسود واقعنا في الوقت الحالي.
وهذا الوضع السياسي، والذي يشبه كثيرا ما حدث في دول البلقان في العقود الأخيرة، هو واقع كل من الجمهوريتين الأولى والثانية، ولن يكون بإمكانك إنجاز أي شيء إذا ما قررت أن ترسم سياستك وفقا لتلك الخطوط الفاصلة.
بعبارة أخرى، ما أقترحه ليس "تشكيل جبهة" وفقا للتصنيفات والمعطيات القائمة، بل إيجاد منظور جديد يجعل المعطيات الموجودة بلا معنى ويسمو فوقها. هذا أمر من الممكن الإتيان به.
ثانياً، بالنسبة للأفراد الذين ينتمون إلى كل هذه الجماعات السياسية المختلفة، لكنهم يدركون في الوقت ذاته ضيق أفق هذه المجموعات وأوجه القصور بها، عليهم أن يعملوا معا كأفراد دون إنكار لماضيهم اليساري أو اليميني أو العلماني أو الديني أو القومي جراء ذلك. فهم ليسوا بحاجة إلى التبرؤ من ماضيهم أو من الجماعات التي أتوا منها، كما أنهم ليسوا بحاجة إلى ابتذال أفكارهم السابقة أو الانتقاص منها، ففي كل جماعة أو فكر، هناك أفكار وقيم مشتركة تتداخل مع نظيراتها في الجماعات والمدارس الفكرية الأخرى ويمكن أن تشكل الأساس لبناء المستقبل. فعلى سبيل المثال، تؤمن جميع هذه الجماعات بالعدالة ضمن هذه القيم المشتركة.
ثالثًا، يجب على الأفراد الذين يعملون سويا أن يتعلموا كيف يضعون انحيازاتهم جانبا. وربما يمكن توضيح ذلك بعرض مثال بسيط، فحزب الشعوب الديمقراطي المعارض والمؤيد للأكراد، والذي يزعم أنه يناضل من أجل الديمقراطية، يخشى السماح لأعضائه بالتصويت للمرشحين الذين يختارونهم لدخول البرلمان. وعوضا عن ذلك، تم تحديد المرشحين المفضلين للحزب خلف الأبواب المغلقة وبعد الحصول على موافقة قادة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.
بهذه الطريقة، يمكنك بناء نظام قائم على الوصاية، وليس جمهورية ديمقراطية. وأنا هنا لا أتطرق للهجمات أو أوجه الظلم التي يتعرض لها حزب الشعوب الديمقراطي. فبالنسبة لي شخصيا، كان التصويت لصالح هذا الحزب هو الفعل الصائب الذي ينبغي القيام به في انتخابات 24 يونيو. ما أقوله هو شيء أعم وأشمل من ذلك.
لا تنسوا أن الساعة أصبحت بالفعل الثانية عشرة والربع، أي أن الوقت قد حان بالفعل لنقول بصوت عال وواضح ما يجب فعله.
وهناك العديد من الأمثلة على عبء "الانحيازات" المسبقة؛ ومنها صلات جماعات سياسية نشطة حاليا بأعمال عنف حدثت في الماضي.
وهذه العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه ليست سوى محاولة مني لاستعراض للمشاكل التي تطفو الآن على السطح. وما ينبغي فعله حقا هو تغيير كامل الأرضية التي نقف عليها عند ممارستنا للسياسة.
ففي الوقت الراهن، الأرضية السياسية التي نقف عليها حاليا ويتم تقسيمنا في إطارها بين يمينيين ويساريين ومحافظين وتقدميين وإسلاميين وعلويين وقوميين وغربيين ليست جديرة بالإبقاء عليها. ولن يمكنك رسم سياسة سليمة من خلال الوقوف على هذه الخطوط الفاصلة، لأن هذه الأرضية مبنية على الأكاذيب والإنكار.
وفي هذا الواقع المصطنع الوهمي، لا يخدع المجتمع إلا نفسه، والأهم من ذلك، أننا كأفراد في هذا المجتمع ندرك أن الخداع هو السائد بيننا.
لذلك، ما يجب القيام به هو بسيط وسهل للغاية: أن يقول الجميع بشكل علني ما يجب أن يقال.
قد تجادلني بالقول إننا لا نستطيع أن نكون أغلبية بمثل هذه الطريقة.
نعم...بالضبط!
هل لديك الشجاعة لتقول ما يجب أن يقال حتى لو كان ذلك يعني الخسارة بدلا من الفوز؟ تذكر، لقد أصبحت الساعة بالفعل الثانية عشرة وربع.
وما يجب القيام به في الساعة الثانية عشرة وربع بسيط. يجب أن تتصالح المجموعات والدوائر التي سبق أن ذكرتها مع نفسها ومع ماضيها بكل صدق وشفافية، وذلك لأنه لم يعد هناك مجال للمزيد من خداع أنفسنا وتمجيد ماضينا.
وحتى هذا وبمنتهى الأمانة، كان مؤسسو الجمهورية الأولى والثانية ولا يزالون أفضل منا في مسألة تمجيد أنفسهم وماضيهم.
إنني أدق ناقوس الخطر للجميع من أجل أن يواجهوا حقائق تاريخ مجتمعنا وواقع كل مجموعة بصدق وصراحة. لن يمكننا تحقيق أي شيء من خلال التشبث بهوياتنا الانفصامية المبنية على حقائق مجزأة، والتي تبرز الآراء "الرسمية" على السطح، بينما تبقي الآراء "الحقيقية" مدفونة في الأعماق.
يجب أن تتغير أساسات السياسة التي نلعبها لتتخطى مسألة الخوف من الخسارة ولتركز أكثر على تعليمنا كيفية تقبل الخسارة والتعلم منها. علينا جميعا أن نغير أرضية السياسة في تركيا، بغض النظر عن آرائنا والمجموعات التي ننتسب إليها. يجب إعادة بناء هذه الأرضية التي تقوم عليها سياساتنا، والتي تحدد بدورها أيضا من نحن.
لكن إذا حدث ذلك، ماذا سيتتبع عليه "تجريف التربة" هذا في السياسة؟ وكيف سيبدو الواقع الجديد للحياة السياسية للأمة التركية إذا تغيرت الأمور على مستوى القاعدة؟
سأناقش هذا في مقالتي التالية، لكن يمكنني البدء بالقول الآن إن تحمل المسؤولية سيكون عاملا حاسما في هذا الأمر.
فهل أنت مستعد للتصرف طبقا لمفهوم المسؤولية دون إلقاء اللوم على الآخرين والإصرار على أنهم هم المخطئون؟ هل أنت مستعد للتخلي عن لعب دور الضحية واتهام الآخرين بأنهم السبب الرئيسي وراء كل المصائب والمشاكل؟
لا تنسوا...لقد أصبحت الساعة الثانية عشرة والربع، ولا يمكن لهذا المجتمع بناء مستقبله دون مواجهة تاريخه والواقع الاصطناعي الذي أنشأه.

* أريد أن أوضح شيئا لا يتعلق بمحور الحديث هنا. لا أستطيع أن أتذكر العام بالضبط، من الممكن أن يكون عام 1982 أو 1983 عندما كان رودولف باهرو من بين المفكرين الألمان الذين جاؤوا إلى أنقرة وقاموا بتقييد أنفسهم بالسلاسل في حديقة غوفين في منطقة كزلاى للاحتجاج على فظائع نظام 12 سبتمبر. وبدلا من احتجازهم، تم طردهم بسرعة من البلاد تجنبا لوقوع المزيد من المناوشات مع أوروبا حينئذ. وبسبب ذلك، أكن له ولذكراه احتراما كبيرا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: