اومت اوزكرملو
فبراير 16 2018

كيف يكون جديرا بالانتماء لتركيا؟

رغم أن الكاتب الإنجليزي إريك أرثر بلير، الذي عُرف باسم جورج أورويل، أسس شهرته العالمية على كتابة الروايات، ومنها روايتا "1984 و"مزرعة الحيوان" إلا أنه اشتهر أيضا بمقالاته وانتقاداته المثيرة للجدل التي غطت مجموعة متنوعة من الموضوعات.
بهذا التنوع وحجم الأعمال الكبير، حظي أورويل بتقدير باعتباره أحد أكثر الكتاب تأثيرا خلال القرن العشرين، وقد وضعته صحيفة "تايمز" في المركز الثاني بقائمتها لأعظم 50 كاتبا إنجليزيا منذ عام 1945خلف الشاعر فيليب لاركن.
أحد أشهر مقالات أورويل كانت "ملاحظات بشأن القومية" التي نشرت أول مرة في مايو 1945. وقد وضع فاصلا واضحا بين الوطنية والقومية، وقد عرف الأخيرة بأنها "عادة تفترض أن من الممكن تصنيف البشر مثل الحشرات وأنه يمكن وصف ملايين أو عشرات الملايين من الناس بأنهم "أخيار" أو "أشرار".
صفة أخرى لتعريف القومية تحظى أيضا بنفس الأهمية وهي أنها "عادة ربط تعريف النفس بأمة واحدة أو وحدة أخرى، ووضعها فوق الخير والشر وعدم الاعتراف بأي واجب آخر غير تحقيق مصالحها".
وبمقدوري القول إن أورويل كان صائبا لأن القومية كانت واحدة من أهم العوامل التي حطمت أحلام عالم أكثر ديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة وبدلتها بإحساس عميق بالتشاؤم.
الشعبوية، والمشاعر المناهضة للمهاجرين، والحركات الانفصالية، وصعود الأنظمة الاستبدادية، وكثير من المفاهيم والظواهر التي تركت بصماتها على التحليلات السياسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة لا يمكن شرحها بسهولة دون فهم القومية والإحساس القوي بالانتماء إليها الذي نجح في التطور خلال المائتي عام الماضية أو نحو ذلك.
تركيا اليوم، حيث تسببت "حالة الحرب" في زيادة الشعور القومي إلى حد الهيستيريا، تقدم فرصة فريدة لدراسة هذه الاتجاهات.
أحتوى مسح عن "مستوى الاستقطاب في تركيا" أجراه مركز أبحاث الهجرة التابع لجامعة بيلجي في اسطنبول على ثروة من البيانات عن هذه الهيستيريا والمشاعر التي تساعد على ظهورها رغم أنه لم يركز على القومية في حد ذاتها.
وقد أجري البحث بالتعاون مع ورشة عمل "إنفاكتو" البحثية، وتحت إشراف الباحثين إمري أردوغان وبينار أويان سميرجي.
يعرض المسح بيانات جمعت من مقابلات مباشرة مع 2004 أشخاص فوق سن الثامنة عشرة في 16 مدينة تركية بهامش خطأ نسبته ثلاثة في المئة، وقد درس البحث الاستقطاب الاجتماعي الذي أصبح ملحوظا بدرجة أكبر خلال حكم حزب العدالة والتنمية القائم منذ  15 عاما ولم يعد يقتصر على مؤيدي الأحزاب السياسية  فقط.
قال الذين شاركوا في المسح إن الهوية التي يشعرون أنها الأقرب إليهم هي "التركية".  وتجدر الإشارة هنا إلى أن 29.6 في المئة أو الثلث تقريبا ممن شاركوا في المسح اختاروا "التركية" عندما سئلوا عن تحديد هوية واحدة لتعريف أنفسهم.
وذكر 16.5 في المئة من المشاركين في المسح تعبير "الأتاتوركية" (وما يلفت الانتباه هنا هو أن هذه النسبة أقل من نسبة من عرفوا أنفسهم بأنهم يصوتون لحزب الشعب الجمهوري" بينما قال 12.8 في المئة من المشاركين إنهم أقرب إلى "الناس المتدينين الأتقياء".
وبالمثل، كانت التركية (الانتماء لتركيا) إحدى أشهر الإجابات (76 في المئة) عندما عُرض على المشاركين اختيار هوية يرغبون الانتساب إليها عند الإشارة إليهم بكلمة "نحن" بينما وصل عدد المشاركين الذين اختاروا "العائلة" نسبا لهم إلى 90.9 بالمئة.
كما أظهرت نتائج المسح أن الأغلبية الكاسحة من الأتراك لا يزالون يتفقون مع نظريات المؤامرة القومية وهو اتجاه يشار إليه على نطاق واسع باسم "متلازمة سيفريز" ويشير إلى الفترة التي أعقبت معاهدة وقعتها السلطات العثمانية مع القوى الأوروبية في عام 1920 لتفكيك ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية.
ولذلك، اتفق 87.6 في المئة من المشاركين في المسح مع المفهوم القائل "إن الدول الأوروبية ترغب في تقسيم تركيا مثلما فعلت مع الإمبراطورية العثمانية في الماضي".
ووصلت نسبة الأفراد الذين يعتقدون أن أوروبا تساعد منظمات انفصالية في تركيا إلى 87.5 في المئة، بينما أعرب 77.3 في المئة عن اعتقادهم بعدم وجود اختلاف بين الإصلاحات التي يشترطها الاتحاد الأوروبي لعضويته وبين الامتيازات الأجنبية، وهي اتفاقيات تجارية غير منصفة أبرمتها الإمبراطورية العثمانية مع الدول الأوروبية.
وفي النهاية قال 77.6 في المئة إنهم يتفقون مع من يقولون "إن روح الصليبيين ترقد في نهج الأوروبيين المناهض لتركيا".
وقال عدد أكثر قليلا من النصف ونسبتهم 52.7 في المئة إن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد هو أبعد الأحزاب السياسية بالنسبة إليهم.
يبين ذلك أن الآراء السلبية تجاه الأكراد و "الكردية" هي واحدة من القواسم المشتركة النادرة بين الأغلبية رغم أن الرقم لم يجر ذكره في قسم بعنوان "قواسمنا المشتركة".
ووسط الأغلبية، رأينا أيضا القيم التي يعتقد على نطاق واسع أنها تمثل "الهوية التركية" مثل الدين والقيم الأسرية المحافظة وهي نتائج أيدتها مسوح سابقة أيضا.
لكن العنصر الذي أضيف مؤخرا إلى هذه القائمة هو العداء تجاه اللاجئين إذ تبلغ نسبة من يرون بضرورة ترحيل اللاجئين السوريين 83.2 في المئة من أنصار حزب العدالة والتنمية بينما يصل الرقم إلى نسبة كبيرة للغاية وهي 92.8 في المئة بين أنصار حزب الشعب الجمهوري المعارض. وينبغي هنا الإشارة إلى أن 75.9 من أنصار حزب الشعوب الديمقراطي يؤيدون أيضا ترحيل اللاجئين السوريين.
للوهلة الأولى، ربما يزعم المرء أن هذه النتائج تتعارض مع فكرة دعمتها بقوة في مقالاتي السابقة وترى أن تركيا عاجزة عن التطور إلى مجتمع توحده مجموعة من القيم والمصالح المشتركة ناهيك عن كونه أمة متجانسة.
ففي النهاية، معظم المواطنين يعرفون أنفسهم بأنهم أتراك. لكن هذه الأغلبية تتألف من مجتمعات مختلفة ولكل منها فهمها الخاص "بالهوية التركية"، ويبدو هذا جليا عند النظر إلى القسم الذي يحمل عنوان "أنصار الحزب السياسي والهويات: خريطة تشابه".
تظهر الخريطة بوضوح وجود ثلاث "مجموعات" كبيرة تلتف حول (1) القيم القومية والدينية والمحافظة و(2) القيم الأتاتوركية والعلمانية (3) والقومية الكردية (وتضم هذه الفئة أقلية صغيرة من اليساريين)".
وكما أكدت من قبل، فإن هذه المجموعات السكانية ليست متجانسة أيضا، لكنها تحتوي على عدد من المجموعات الأصغر، ويشكل هذا الحشد الضخم من الناس "أرخبيل المجتمعات" الذي سعيت لرسمه في مقالاتي الأولي في "أحوال تركية".
ونظرا لذلك، لا عجب في اتهام أردوغان لعدد من المنظمات بأنها "غير جديرة بالانتماء  لتركيا" والهوية التركية ، ولا  عجب في أن الحكومة أطلقت خدمة على الانترنت للمواطنين الراغبين في معرفة أصولهم وأنسابهم، ولا عجب أيضا أن يكتب أحد كتاب الأعمدة البارزين في تركيا ليعبر عن غضبه لرؤية سوريين أقوياء البنية وهم يجلسون في المقاهي يستمتعون بتدخين النرجيلة بدلا من انضمامهم للقتال دفاعا عن بلدهم.
وفي نهاية اليوم، وكما قال أورويل "القومية مسعى للوصول للسلطة يروضه خداع النفس. فكل قومي قادر على القيام بكل خيانة صارخة لكنه أيضا واثق تماما من أنه على صواب خاصة وأنه على دراية بأنه يخدم شيئا أكبر منه".

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: