تيم لويل
يونيو 22 2018

كيف يمكن تزوير الانتخابات التركية؟

منذ زمن بعيد وهناك مشكلة واضحة تلوح عندما نتحدث عن الانتخابات التركية؛ فلتركيا تاريخ طويل مع الديمقراطية ولديها ثقافة ديمقراطية راسخة؛ وحتى وقت الانتخابات المحلية التي أجريت في عام 2014، كان القليلون فقط من الممكن أن يتخيلوا أن تلجأ أي حكومة في هذا البلد إلى تزوير الانتخابات.
فقد دمر التزوير الصارخ في تلك الليلة تماما أي نوايا حسنة كانت قد بنتها حكومة حزب العدالة والتنمية التركي حتى ذلك الوقت. وعلى الأقل، كان واضحا في أنقرة أن وزراء وحدوا جهودهم مع مسؤولين رفيعي المستوى في الدولة لتعطيل السير المعتاد للنظام الانتخابي وفرض فوز مليح غوكشيك.
ولا نبالغ إذا قلنا إن صدمة قومية هزت المجتمع في تلك الليلة. فبفضل ما تبقى من صحافة حرة، علم مشاهدو التلفزيون أن فرز الأصوات في أنقرة – والذي تحول بشكل حاسم لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري منصور يافاش – توقف في الأماكن التي كانت احتمالات فوز المعارضة فيها مرتفعة جدا، وأن التفسير الرسمي كان أن قطة دلفت إلى محول كهربائي وأحدثت ماسا كهربائيا. 
وصل غوكشيك وقتها إلى مكاتب اللجنة العليا للانتخابات التي واصلت عملها، وأخلت قوات الأمن منطقة فرز الأصوات المركزية في معقل حزب الشعب الجمهوري في يني محلي أمام وزير الداخلية أفكان آلا ليتدخل في الأصوات بنفسه. وفي جنكايا، أحد أكبر الأحياء التركية، بتعداد سكان يتجاوز 900 ألف نسمة، ومنطقة أخرى يهيمن عليها حزب الشعب الجمهوري، كانت هناك تقارير أيضا عن إخلاء الشرطة لجان الفرز بالإجبار.
وعندما استؤنف إعلان النتائج بعد ذلك بساعة، لاحظ المشاهدون أن فارق الثلاثة آلاف صوت بين مرشحي أنقرة زاد إلى 20 ألفا في ثلاث دقائق. و"صوت" بعض من الأجزاء المتبقية من جنكايا بأكثر من 55 بالمئة لصالح حزب العدالة والتنمية – وهذا أمر لا يمكن تصديقه إلا أذا صدقنا أن كاليفورنيا من الممكن أن تصوت بأغلبية للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية بدون أي سابق إنذار. ولم تمر سوى أيام حتى أُعلنت نتائج أنقرة الرسمية لصالح غوكشيك. وكانت الحكومة قد أعلنت الفوز في أقرب وقت ممكن.
كانت المعارضة غير جاهزة بمعنى الكلمة لهذا التحول في الأحداث. وربما تكون قد افترضت أن حزب العدالة والتنمية يتمتع بشعبية كافية تجعله يتحمل ضربة مثل الخسارة في أنقرة من دون الكثير من المشاكل، على الرغم من أن جذور حزب العدالة والتنمية تكمن في ادعاء الإسلاميين بإدارة الخدمات البلدية بصورة أفضل وبتكلفة أرخص وبقدر أقل من الفساد في المدن التركية الكبرى. فضلا عن ذلك فإنه لم تكن هناك أمثلة على تزوير الانتخابات على هذا النطاق في تاريخ تركيا – وحتى انتخابات 1946 التي كانت العدالة غائبة عنها بشكل كبير، لم تكن بحاجة إلى تدخل واسع على مستوى صناديق الاقتراع. من ثم فإنه في كل عملية انتخاب واستفتاء منذ عام 2014، كان هناك غياب كبير للثقة في العملية الانتخابية على نطاق واسع بين المعارضة. ولم تهدأ حالة عدم الثقة هذه بعد استفتاء عام 2017 الذي اتخذ خلاله المجلس الأعلى للانتخابات الخاضع لسيطرة الحكومة قرارا بعد نهاية التصويت بإلغاء ضمانة مهمة ضد التزوير لكي يقبل أوراق الاقتراع في أنحاء تركيا، حتى وإن كانت تلك الأوراق أو المظاريف الموضوعة فيها غير مختومة من جانب محطة الاقتراع المعنية.
وبموجب القواعد الانتخابية الجديدة التي وضعت في مارس هذا العام، لن تكون تلك الضمانات موجودة في هذه الانتخابات، وكذلك حظر دخول الشرطة والدرك إلى محطات الاقتراع بدون إذن المسؤولين عن تلك المحطات.
إذا، فما هي الطريقة المثلى لتزوير هذه الانتخابات بالنظر إلى أن المعارضة تبدو قريبة جدا من الإطاحة بالأغلبية الرئاسية والبرلمانية الحكومية؟
أصدر المجلس الأعلى للانتخابات في وقت سابق من هذا العام قرارا تحت ذريعة الأمن نقل بموجبه صناديق الاقتراع على مسافة تصل إلى 20 كيلومترا بعيدا عن جنوب شرقي البلاد ذي الأغلبية الكردية، والذي يهيمن عليه 144 ألف ناخب أغلبهم من مؤيدي حزب الشعوب الديمقراطي. 
ومزيد من مضايقات اللحظات الأخيرة من هذا النوع، وخاصة في أماكن يكابد فيها معارضو الحكومة لدفع فواتير الوقود، ستجعل التصويت ضعيفا. ولم يتسن تصعيد عمليات اعتقال نشطاء حزب الشعوب الديمقراطي كما حدث قبل استفتاء عام 2017؛ لكن بدلا من ذلك، وكما شهدنا في انتخابات سابقة، فإن نشر قوات عسكرية بالقرب من مداخل مراكز الاقتراع قد يخلق مناخا أضيق أفقا لناخبي المعارضة الأكراد.
وفي المعاقل الأناضولية التركية، قد تكون بعض محطات الاقتراع مزودة بمراقبين فقط من حزب العدالة والتنمية، أو من حزب الحركة القومية الموالي له وموظفي الدولة المعينين لهذا الغرض، على الرغم من الجهود التي بذلتها أحزاب المعارضة والجماعات المستقلة في الآونة الأخيرة. في تلك الحالة، عندما يكون جميع الحضور متفق عليهم، فبإمكانهم حشو الصناديق في غياب الرقابة.
وكانت المنافسة محتدمة على وجه الخصوص في استفتاء العام الماضي في دوائر انتخابية جنوبية مثل أورفة، حيث يوجد عدد كبير من السكان الأكراد، لكنها خاضعة بقوة لسيطرة حزب العدالة والتنمية. وبعد كل شيء يمكن إجراء عمليات تزوير واسعة في صناديق الاقتراع بشكل غير مركزي.
وقال الرئيس رجب طيب أردوغان في كلمة مسجلة سرا لاجتماع مسؤولين حزبيين في إسطنبول الأسبوع الماضي "آلتنا الحزبية يجب أن تعمل بشكل مختلف تماما على حزب الشعوب الديمقراطي. لن أقول هذا علنا. أنتم ستضعونهم في زاوية ضيقة؛ فببقائهم دون العتبة الانتخابية (عشرة بالمئة) نصبح نحن في وضع أفضل".
أضاف "إذا ضمنا هذا، فسننجز عملنا في إسطنبول قبل أن نبدأه. لا يجب أن نذهب للسابع من يونيو من جديد"، وذلك في إشارة إلى الانتخابات الأولى في عام 2015 التي فشل حزبه خلالها في الحصول على أغلبية في البرلمان وتجاوز فيها الحزب الكردي العتبة الانتخابية للمرة الأولى.
ومن الصعب فهم ما يريد أردوغان هنا من مسؤوليه أن يفعلوا إذا كان لهم أن يفسروه في حدود ما يسمح به القانون. بيد أن البعض من الممكن أن يسيء فهم هذا ويفسره على أنهم مطالبون باستغلال أي فرصة لزيادة أصوات حزب العدالة والتنمية على حساب حزب الشعوب الديمقراطي. وفي تلك الحالة، وخاصة إذا ألقى أردوغان كلمات مشابهة لمسؤولين في أماكن تقل بها رقابة المواطنين عن المستويات الموجودة في إسطنبول، فهناك خطر حقيقي بأن يحاول البعض التحرك في ضوء هذا الفهم؛ فهؤلاء وحكام المناطق الذين يعملون تحت إمرة أردوغان، وموظفو العموم ونشطاء الأحزاب، سيتوقعون في هذه الحالة بكل تأكيد أنهم سيُعفون من أي تبعات إذا فعلوا ذلك.
هناك أيضا احتمال لمحاولة استعمال شكل آخر من أشكال خفة اليد. فنظرا لأن المجلس الأعلى للانتخابات في جيب الحكومة، بينما وكالة الأنباء الحكومية دون غيرها هي المخولة بإعلان النتائج من البيانات الأولية – وحتى هذه البيانات محجوبة إلى حد كبير بشكل سياسي عن غرفة الأخبار الرئيسية – يمكن للحكومة أن تكتب نتيجة انتخابات على نحو يجعلها تحتاج وقتا طويلا وجهدا بشريا خارقا لتدقيقها يدويا. ولحسن الحظ، فإن تركيا واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي بدأ يحدث فيها هذا – فجماعات مثل أوي في أوتيسي (ومعناها باللغة العربية: التصويت وما بعده)، وصناديق غوجو (قوة الصندوق)، تجمع صورا لإحصاءات فرز كل صندوق اقتراع وتقوم بإدخال البيانات يدويا لتحديد أي أخطاء قد تكون ارتكبت. لكن هذه الجماعات تتحدث أيضا عن محاولات متكررة للتسلل إليها وتقويضها من قبل مؤيدين للحكومة. وإذا جرى سحب شبكات تلك الجماعات – سواء الأشخاص أو أجهزة الكمبيوتر – في لحظة حاسمة بعد التصويت، فقد تعلن الحكومة الأمر الواقع. كما أنه إذا جرى التلاعب في البيانات بحلول وقت فرز صناديق الاقتراع، فسيذهب هذا الجهد سدى.
وأمام الرئيس أردوغان والكثيرين من كبار مسؤولي حزبه وحكومته مهمة صعبة في الانتخابات التي ستجرى في الرابع والعشرين من يونيو؛ وإذا غامروا وخسروا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فستكون هناك محاولات بالتأكيد من قبل بعض منافسيهم لمحاكمتهم على سنوات الفساد، حتى وإن فعل مرشح المعارضة الرئيسي محرم إينجه كل ما بوسعه لكبح حماسه لفعل ذلك. وإذا فروا من البلاد، فسيكون من الصعب جدا القول أين سيجدون ملاذا آمنا – ربما في قطر المحاصرة، أو ربما في ماليزيا، على الرغم من أن الأخيرة أبدت عدم تورعها عن إطلاق يد القضاء في مواجهة أصحاب النفوذ. وقد يتم انتشال قطاع البناء جزئيا من الإفلاس، ذلك القطاع الذي لا يخلو من المحاباة، والذي نما وترعرع في كنف أردوغان وأخذ حصة متعاظمة من الناتج المحلي الإجمالي التركي خلال السنوات الأخيرة. لكن الأغلبية العظمى من القطاع ستصبح بالتأكيد في حالة يرثى لها. من ثم، فإن الحكومة حتى إذا كانت تتوقع فوزا شريفا عندما أعلنت الدعوة إلى انتخابات مبكرة في أبريل، ستراودها فكرة إيجاد سبل أخرى للحفاظ على سلطتها في يونيو.
بيد أن النظام الانتخابي الرئاسي الجديد يعطي أردوغان فرصة أخيرة. فإذا نجح في الحفاظ على الرئاسة وخسر البرلمان، يمكنه حينئذ حل البرلمان وفرض إجراء انتخابات جديدة عبر الاستقالة من الرئاسة. وبالطبع فإنه إذا سمح لنفسه بأن يوضع في موقف الضعف هذا، فقد يجعل المسؤولين أكثر ضعفا والمؤيدين أقل حماسا في المرة الثانية. كما أنه يترك له على الورق ولاية واحدة من اثنتين مسموح بهما للرئيس، مدة كل منهما خمس سنوات. غير أنه يفتح أمامه جميع الاحتمالات من جديد إذا قرر التمسك بالسلطة لآخر نفس.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/how-fix-turkish-election