Tiny Url
http://tinyurl.com/y4tbm7xo
دايفيد ليبسكا
فبراير 27 2019

كيف يمكن وقف موجة الشعبوية قبل ابتلاع تركيا؟

في ليلة 15 يوليو 2016، بدأت الكاتبة والمؤلفة التركية إيجي تيميلكوران في تكديس الوسائد أمام نوافذ شقتها في إسطنبول بعد أن اخترقت طائرات مقاتلة حاجز الصوت فوق المدينة.
كانت هذه ليلة محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا، والتي قُتل فيها أكثر من 250 شخصا قبل أن تستعيد الحكومة زمام الأمور في الساعات الأولى من الصباح. وفي الوقت الذي دوت فيه النداءات من مكبرات الصوت في المساجد لدعوة الناس إلى النزول للشوارع لإنقاذ الأمة باسم الله والدين، تذكرت تيميلكوران القصيدة التي ألقاها رجب طيب أردوغان علنا في عام 1999: "المساجد ثكناتنا، والقباب خوذنا، والمآذن حرابنا، والمؤمنون جنودنا".
وقتها، تسببت قراءة هذه الكلمات في دخول أردوغان السجن وتحويله إلى شهيد بُعث إلى الحياة ليصبح الحاكم الأطول بقاء في حكم تركيا المعاصرة. وكتبت تيميلكوران عن تلك اللحظة في كتابها الجديد (كيف تفقد بلدا): "بعد 17 عاما، وفي ليلة الانقلاب، تبدو تلك القصيدة وكأنها نبوءة تحقق ذاتها ووعد تم الوفاء به على حساب دولة بأكملها".
وكانت محاولة الانقلاب قد وقعت بعد أسابيع من تصويت البريطانيين لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي وقبل بضعة أشهر من انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، رأت تيميلكوران الكثير من القواسم المشتركة بين ما مرت به تركيا وبين ما بدأت بعض الدول الغربية، ومن بينها ألمانيا وفرنسا وإن كانت بدرجة أقل عن غيرها، في المرور به في الفترة الأخيرة، وشرعت في العمل على هذا الكتاب على أمل مساعدة تلك الدول على تجنب مصير تركيا.
وكانت تيميلكوران قد سافرت في جولة عبر تركيا في عام 2002 لكتابة تقارير صحفية عن حزب العدالة والتنمية الذي أنشئ حديثا وقتها وفاز بالانتخابات في ذلك العام وفي كل جولة انتخابية جرت منذ ذلك الحين. ووجدت أن النشطاء الموالين للحزب والقائمين على حملاته الانتخابية يرون أنفسهم في الواقع كحركة، وليس كحزب سياسي، وأن مهمتهم هي التحدث إلى "الناس الحقيقيين"، وهو للمفارقة تعبير شائع بين الشعبويين اليوم.
ولعلنا نلاحظ أن من بين الخطوات الأساسية التي يعتمد عليها الساسة الشعبويون في الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها هو التحكم في نسق لغة الخطاب في بلدانهم. فترامب على سبيل المثال لديه تويتر، وأردوغان لديه خطاباته شبه اليومية وسيطرته المطلقة تقريبا على وسائل الإعلام، في حين أن بوتين بحوزته العديد من وسائل الإعلام وجيش من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الموالين له. وكل هذه الوسائل تساعد على بناء التفاهم والثقة بين الزعيم الشعبوي ومؤيديه إلى جانب نبذ وسائل الإعلام الرئيسية.
وعلى الرغم من أن تيميلكوران تلقي باللوم على ضياع الحياء العام في تركيا، إلا أن تدهور الصحافة وصعود أسهم وسائل التواصل الاجتماعي ربما ساهما أكثر في انتشار الخطاب الشعبوي. ولم يكن من قبيل المصادفة أنّه بدءا من عام 2010، وهو تقريبا نفس العام الذي بدأت فيه صناعة الأخبار انهيارها الكبير والمستمر حتى الآن، وجد السياسيون من جميع الأطياف أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الالتزام بالأسلوب القديم في ظل قدرتهم على التحدث مباشرة إلى الناس عبر أبواق الإنترنت.
وكما تشير تيميلكوران، فإن الأكاذيب على وسائل التواصل الاجتماعي تتحول إلى "حقائق بديلة" وتصبح قادرة على الانتشار كالنار في الهشيم. وفي مقالة له على صحيفة (نيويورك تايمز) الشهر الماضي، تناول فرهاد مانجو، مؤلف كتاب (صحيح بما يكفي: تعلم العيش في مجتمع ما بعد الحقائق) في عام 2018، حملة التسريحات الضخمة التي شملت 1400 عامل في مواقع بازفيد وياهو وهافينغتون بوست وغانيت، وكتب: "نحن في خضم حرب معلومات عالمية. والتسريحات التي أجريت الأسبوع الماضي تروي قصة موت صناعة بالحركة البطيئة واقتراب الديمقراطية من مواجهة حالة طوارئ".
لكن تيميلكوران تحاجج بدلا من ذلك بأن وسائل الإعلام اتخذت طابعا تجاريا وبدأت في التخلي عن حقوق الضعفاء واستمالة الأقوياء. ولدى قراءتي لهذه الكلمات، تساءلت إذا كانت تطبق هذه النظرية على نفسها. ففي مرحلة مبكرة من الكتاب، تجادل بأن الشعبوية تبزغ عادة في المدن الصغيرة، نظرا لأن جذورها "تتغذى على التصورات المحلية". وهي تتحدث بعد ذلك بإعجاب شديد عن الاحتجاجات التي جرت في سياتل عام 1999 وميدان التحرير في مصر عام 2011، وتوضح أن الدعم الممنوح للشعبويين يأتي استجابة لمخاوف مماثلة، ولكن من قبل أناس لديهم "نظرة أضيق وأحلام أصغر بالنسبة للعالم". وقرب نهاية الكتاب، كتبت تيميلكوران أن الناخبين الشعبويين "فقدوا كل الأمل في الحصول على العدالة من المؤسسات المتداعية"، لذا فهم يدعمون زعيمهم بدون مناقشة.
وأعربت تيميلكوران عن الرأي بأن أعدادا غفيرة من الناس فاقدي الأمل ضيقي الأفق تعرضوا لعملية خداع واسعة النطاق قادتهم إلى التصويت لسياسيين أشبه بزعماء المافيا. لكن العديد من المراقبين، ومنهم أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد جيفري فريدين وعالم التاريخ بجامعة هارفارد والكاتب الأكثر مبيعا نيال فيرغسون، وفيليب جينينجز رئيس أحد الاتحادات العمالية الدولية، يرون أن صعود النزعة الشعبوية هو في جزء منه رد فعل عكسي للعولمة من جانب الملايين ممن لم يستفيدوا من هذه الظاهرة بعد. وبحسب قول اثنين من أساتذة الاقتصاد في جامعة شيكاغو، فإن احتضان الشعبوية وفهم أسبابها قد يكون هو "الرد الأمثل من جانب الناخبين العقلانيين إزاء ارتفاع معدلات عدم المساواة"، بغض النظر عن جهل المؤيدين لهذا التيار وافتقارهم للمنطق. 
ولو نظرنا إلى القاسم المشترك بين أردوغان وترامب ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان فسنجد أنهم جميعا قادوا بلادهم إلى درجات متفاوتة من النجاح الاقتصادي. وبإجراء عملية بحث بسيطة على غوغل، ستجد العديد من المصادر التي توضح بالتفصيل الأسباب الرئيسية لدعم الناس للشعبويين، ومنها بالطبع زيادة الهجرة وتزايد أوجه عدم المساواة والشعور باستشراء الفساد وإصابة المؤسسات الديمقراطية بالشلل والمعاناة من أثار أزمة مالية أو انكماش اقتصادي مؤخرا. على سبيل المثال، وقبل أسابيع من انتخاب ترامب، أظهر استطلاع للرأي أن تسعة في المئة فقط من الأميركيين يثقون بالكونغرس، وقبل فوز حزب العدالة والتنمية بانتخابات 2002، كانت تركيا ترزح تحت وطأة ركود اقتصادي حاد واتهامات واسعة بالفساد.
لكن على الأقل تعترف تيميلكوران أنه في السنوات الأخيرة، وبعد أن كان النقد الموجه للشعبويين وأنصارهم لا يخلو من الازدراء، بدأت وسائل الإعلام "تتساءل عن مدى قدرتها على احترام الناس العاديين". في المقابل، يبدو أن تيميلكوران تتمتع بدرجة عالية من تقدير الذات، إذ يسلط الكتاب الضوء على العديد من آرائها الاستباقية والصادمة التي عبرت عنها خلال العديد من حلقات النقاش. فعلى سبيل المثال، تقول إنها شعرت بعد إحدى المناقشات وكأنها "كاساندرا هذا العصر" في إشارة إلى الأميرة التي كانت تتنبأ بالمستقبل كما تقول الأسطورة الإغريقية، وبعدها وصفت الكاتبة نفسها في جزء لاحق بأنها "نذير شؤم". 
وقبيل إصدار هذا الكتاب، قابلت تيميلكوران الكثير من المفكرين البارزين في بعض من أفخر نوادي لندن الخاصة وحظيت بشرف إلقاء الكلمة الرئيسية في مؤتمرات في برلين وبوينس آيرس وحظيت بعطلات في إسبانيا برفقة أحد نجوم موسيقى الروك في تركيا. وفي الواقع، من حق تيميلكوران أن تشعر بالرضا عن نجاحها وأن تستمتع بحياتها كما يحلو لها. وليس لدي شك في أنها عاشت لحظات عصيبة تحت وابل الهجمات التي تعرضت لها على وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة. لكن كان من المبالغ فيه أن تقدم نفسها في صورة المناضلة التي تعيش في المنفى وتعاني من القهر والهجمات على تويتر في الوقت الذي تجوب فيه العالم مع النخبة والأثرياء.
ومع ذلك، فقد استحقت تيميلكوران هذه المكانة بشكل من الأشكال، فهي كانت لعدة سنوات واحدة من أشهر كتاب الأعمدة في تركيا، ولديها حاليا أكثر من 2.7 مليون متابع على تويتر. والقليل فقط من عانى مثلها من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، والقليل أيضا من شاهدوا مثلها مجتمعاتهم ومؤسساتهم وقد أعيد تشكيلها من قبل التيار الشعبوي على مدى هذه الفترة الطويلة وبهذه الدرجة من القرب. ولقد أدركت هي أن الزعماء الشعبويين يفضلون من يشبههم، ولذلك أوضحت بشكل حاذق أن السؤال الأهم هنا هو "هل الشبكات الاقتصادية التي يبنيها القادة الشعبويون قوية بما يكفي لضمان سلامة أنظمتهم خلال استيلائهم على سلطات الدولة".
تاريخيا، يتبع القادة الشعبويون النمط نفسه تقريبا في مختلف الدول والأزمان. فبعد فترة وجيزة من تسلم مقاليد السلطة، يبدأ الزعماء الشعبويون في التلميح إلى أن بعض المؤسسات الديمقراطية قد تكون غير ضرورية، وأن سلطتهم يجب أن تكون حرة دون قيود أو ضوابط. بعدها، يستندون إلى التفويض الشعبي الذي منحه الناخبون لهم في الانتخابات ويقولون إن الأشخاص الذين يعارضون رؤيتهم يقفون في طريق التقدم، أو تجدهم يرفعون شعار "من ليس معنا فهو ضدنا" مثلما يفعل أردوغان وترامب وأوربان وغيرهم. ومن ثم تتلاشى سيادة القانون في الدولة، ما يدفع المواطنين إلى البدء بالتفكير "هذه ليست بلدي".
وفي بداية الكتاب، تشير تيميلكوران بوضوح إلى أن هدفها الرئيسي هو: استعراض أنماط الشعوبية وإيجاد طريقة لكسرها. ومع ذلك، تتبع الكاتبة نفس نهج الزعماء الشعبويين الذين تسعى إلى إسقاطهم، فهي تقسم الناخبين إلى معسكرين "نحن وهم"، وتوجه حديثها في الكتاب فقط لمعسكرها الذي تدعوه لخوض المعركة ضد المعسكر الآخر. فهي تقول في كتابها "لا يهم إذا ما تم إسقاط ترامب أو أردوغان غدا. سيظل ملايين الأشخاص ممن تحمسوا لهما موجودين، وسيظلون مستعدين للتصرف بناء على أوامر أي شخص له نفس الأفكار".
في رأيي، يبدو من المرجح أن كتاب (كيف تفقد بلدا) سيزيد من الاستقطاب بدلا من تخفيف حدته. نعم، ربما أخفق مؤيدو الزعماء الشعبويين في التعبير عن الإحباط الذي يعتريهم عبر اختياراتهم الانتخابية، لكن ذلك لا يبرر نبذهم باعتبارهم جهلة. فالأشخاص الذين يصوتون لصالح أردوغان وترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يريدون إلى حد كبير نفس الشيء الذي يريده الطرف الآخر، ألا وهو الأمن والازدهار. والفارق الرئيسي بين المعسكرين هو أنهم يشعرون أن القادة السابقين فشلوا في تحقيق الأمرين لهم.
ومن غير الممكن لديمقراطيتنا أو لغة خطابنا أن تعود إلى المسار الصحيح إلا عندما يبدأ الطرفان في إيجاد أرضية مشتركة، مهما كانت تبدو بعيدة المنال في يومنا هذا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.