نوفمبر 30 2018

لائحة الاتهام في اغتيال السفير الروسي تشير إلى مؤامرة

عندما قُتل أندري كارلوف السفير الروسي لدى تركيا بالرصاص في افتتاح معرض فني في أنقرة في 19 من ديسمبر عام 2016، كان إعلان دعم "الجهاد السوري" الذي أدلى به قاتله، ضابط الشرطة مولود مارت ألتن طاش، والذي تم تصويره بالفيديو بعد لحظات من القتل يبدو دافعا جديرا بالثقة تماما: الانتقام من روسيا لمساعدتها الرئيس السوري بشار الأسد في سحق المعارضة المسلحة. 
لكن القصة لم تكن بتلك البساطة بالنسبة للرئيس رجب طيب أردوغان. في غضون أيام، أعلن الرئيس التركي أن ألتن طاش قتل السفير في إطار مؤامرة لإفساد تقارب تركيا مع روسيا. وقال إن ذلك كله كان جزءا من مخطط حاكته منظمة غولن، وهي حركة دينية محظورة يقودها الداعية الإسلامي التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن. 
وحركة غولن، التي كانت متحالفة في السابق مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يتزعمه أردوغان، متهمة بمحاولة السيطرة على الدولة من الداخل، وبأنها قامت بانقلاب عسكري في يوليو 2016 عندما فشل ذلك. وكان أعضاء الحركة السرية هم الهدف الرئيسي لحملة حكومية واسعة النطاق منذ فشل محاولة الانقلاب. 
بعد عامين من اغتيال السفير، صدرت لائحة الاتهام في 650 صفحة وخلصت إلى نفس النتيجة تقريبا التي توصل إليها أردوغان في غضون 48 ساعة من الحادث. تقول لائحة الاتهام إن الأوامر التي اتبعها ألتن طاش، الذي قتلته قوات الأمن بعد قليل من الهجوم، صدرت من غولن المشتبه به الأول بين 28 وردت أسماؤهم في القضية. 
غير أن الصورة التي رسمتها لائحة الاتهام مربكة أكثر من كونها قاطعة. في البداية، هناك تفاصيل تحركات ألتن طاش قبل الاغتيال. بعدما قام الضابط السابق في شرطة مكافحة الشغب بالاستطلاع خارج المعرض الذي سينفذ فيه الهجوم وأعد السلاح الذي سيستخدمه، جرى تصويره وهو يتبرع بطرد مليء بالكتب الإسلامية، ومنها كتب وصفت بأنها نصوص جهادية، لعضو في جماعة دينية. 
كانت تلك الجماعة مرتبطة بنور الدين يلدز، وهو داعية سني، وليس حركة غولن، غير أن هذا لم يحدث فارقا في نتائج ممثلي الادعاء. تقول لائحة الاتهام إن تلك التصرفات كانت مجرد حيلة لإخفاء مسؤولية غولن عن الاغتيال. 
في الواقع، تخوض لائحة الاتهام بمزيد من التفصيل بشأن صلة ألتن طاش بيلدز، المعروف في تركيا بتفسيره المتشدد للإسلام، ولا يعرف أن له أي صلة بحركة كولن. قال عدة شهود إن ألتن طاش حضر اجتماعات في مؤسسة النسيج الاجتماعي الخاصة بيلدز. وسئل أحدهم، وهو سركان أوزان، عما إذا كانت للضابط السابق أي صلة بكولن، فأجاب "قطعا لا".
يمضي الملف ليوضح أنه، من خلال سلسلة وسطاء على صلة بمؤسسة النسيج الاجتماعي وجمعيات دينية أخرى، اتصل ألتن طاش بعبد القادر شين، وهو أكاديمي إسلامي سني، يقال في تركيا إن له صلات بتنظيم القاعدة المتشدد. استحوذ شين على عناوين الأخبار قبل ستة أيام من اغتيال كارلوف عندما وجه تهديدات عبر تويتر للأقلية العلوية التركية، التي قال إنها ستتحمل المسؤولية إذا هزم الأسد المعارضة السورية وأغلبها من السنة. وينتمي الأسد للطائفة العلوية. 
أرجع ممثلو الادعاء الذين أعدوا التقرير كل هذا إلى عملية تضليل من جانب ألتن طاش. ويقولون إن الأدلة على صلته بكولن التي كان ينوي إخفاءها تستند إلى إفادات عدد من الشهود، ومنهم شهود لم يتم الكشف عن هويتهم وأفراد رهن الاعتقال لصلتهم بكولن فضلا عن أدلة جنائية رقمية. 
تظهر البيانات الواردة في ملف القضية أن مستخدما مجهولا حاول الوصول إلى حسابات ألتن طاش على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الاتصال بالشبكة الخاصة الافتراضية (في.بي.إن) بعد عملية الاغتيال وتغيير كلمات المرور. 
وتم ربط تلك النتائج المتعلقة بحسابات ألتن طاش على الإنترنت، ومنها حسابات بريد إلكتروني تحمل تحيات بالعربية، بالشهادة التي أدلى بها حسين كوتوجي الضابط السابق في وكالة المخابرات الوطنية والذي اعترف بالانتماء لحركة غولن. 
قال كوتوجي إن أعضاء الحركة كانوا يتواصلون معا من خلال تبادل كلمات مرور لعناوين بريد إلكتروني وكتابة رسائل في ملف المسودات المحفوظة. يقول ممثلو الادعاء إن هذا يفسر كيف كان شخص ما يعرف كلمة مرور يستخدمها ألتن طاش، وكان يحاول الوصول إلى حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي مستخدما كلمة المرور تلك. وتكهن ممثلو الادعاء بأن هذا الشخص كان شاهين سوغوت، وهو مشتبه به آخر في القضية، برغم أنهم أقروا بعدم وجود دليل واضح على هذا. 
وذكر شخص آخر اعترف بالانتماء لحركة غولن أن سوغوت، الموظف السابق في هيئة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات المنظمة لقطاع الاتصالات في البلاد، كان المسؤول عن ألتن طاش. غير أن سوغوت ينفي كل المزاعم التي ذكرها هذا الشاهد، الذي سيحصل على عقوبة مخففة في مقابل شهادته. 
ويعود دليل آخر استخدم لإثبات صلة ألتن طاش بحركة كولن إلى عام 2012 عندما كان في كلية الشرطة في إزمير في غرب تركيا. وأحد زملائه هناك، وهو براق يوشماك، هارب حاليا بعدما جرى التعرف عليه باعتباره زعيما في حركة غولن بالكلية. ويقال إن ألتن طاش شاهد تسجيلات فيديو لخطب غولن وحضر مناقشات مع أتباعه. 
غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه حتى 2016 لم يكن قد تم تجريم أتباع غولن، واحتفى زعماء الحكومة، ومنهم أردوغان نفسه، بالجماعة لسنوات. ولذلك لا يوجد شيء غير قانوني في حضور الاجتماعات أو مشاهدة الفيديوهات في ذلك الحين، كما لم يشاهد أحد ألتن طاش في أي فعاليات للجماعة بعد تخرجه. 
تنتقل الأدلة بعد ذلك إلى ثلاثة شهود لم يتم الكشف عن هويتهم، ولم يقدموا معلومات تتصل مباشرة بألتن طاش، وإنما ركزوا على حركة غولن. 
باختصار، من بين صفحات لائحة الاتهام وعددها 650، لا يوجد من بين الأدلة التي تربط قاتل كارلوف بحركة غولن ما هو أقوى من التكهنات. في الوقت نفسه، فإن النقطة الواضحة بشدة التي لم تتناولها اللائحة هي أنه برغم قول الحكومة إن أنصار غولن احتشدوا يوم الانقلاب في 15 يوليو 2016 مستخدمين تطبيق بايلوك للتراسل، لا يوجد أيضا أي دليل على أن ألتن طاش قام بتحميل التطبيق أو شارك في محاولة الانقلاب. 
وقدم ألتن طاش بنفسه دافعا مباشرا التقطته الكاميرا بينما كان السفير الروسي مسجى على الأرض يحتضر. برغم ذلك عرض أردوغان الاغتيال باعتباره مؤامرة تهدف إلى دفع تركيا إلى الحرب مع روسيا، ويبدو أن ممثلي الادعاء اتفقوا مع ذلك الزعم. بعد عامين من مقتل كارلوف، يتعاون البلدان معا عن قرب، وباتت تركيا شريكا طيعا في السياسات الروسية في سوريا التي ندد بها القاتل بعد أن ضغط على الزناد. 


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/andrei-karlov/indictment-russian-ambassador-assassination-points-conspiracy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.