جان تيومان
يونيو 02 2018

لا إقبال على القروض منخفضة الفائدة، مقاولون أتراك: "على وشك الانتحار"

 

تقوم السلطة بتوزيع حزم الهدايا على العديد من شرائح المجتمع قبل الانتخابات، فهل من المحتمل أن تكون جرة العسل الأبيض الكبيرة التي فتحتها السطلة لصالح قطاع الإنشاءات، والذي تعتمد عليه القاعدة الاقتصادية، قد ضاعت هباء؟ إن قروض الإسكان التي تم إقرارها للبنوك العامة بأسعار فائدة تقل كثيرًا عن ظروف السوق، والتي تذكر بخسائر الوظائف التي حدثت في أعوام 1990 تمامًا، تبدو وكأنها أحدثت تأثيرًا أبعد بكثير من المطلوب.
إن مستويات أرقام القروض وانطباعات المقاولين والعقاريين أيضًا تكشف أن النشوة والانتعاش الذي شهدها السوق بفضل تشجيعات الحكومة استمر مدة قصيرة بقدر اشتعال النار في الهشيم، وأن ما يقرب من 2 مليون وحدة سكنية قد فاقمت من سوء الأوضاع وزادت من تراكم السحب السوداء في سماء هذا القطاع الحاضر بين سلسلة من المشكلات، وذلك بسبب انخفاض الطلب وارتفاع التكاليف.
ووفقًا لأرقام هيئة الإحصاء والتعبئة التركية فإن الفرق بين الوحدات التي حصلت على ترخيص بإنشائها خلال السنوات الخمس الأخيرة في تركيا والتي طُرحت للإسكان عير بيعها بلغ 2 مليون وحدة سكنية. وهذا الرقم الذي يعبر عن حجم المخزون المتوفر من المساكن الجديدة غير المباعة مؤشر على أن الـ 360 ألف شركة التي تعمل في قطاع الإنشاءات والتشييد في تركيا،  تنتج وتطرح للبيع سنويًا ما يزيد عن 400 ألف وحدة سكنية أكثر مما هو مطلوب.
وبينما الإنتاج الزائد يزيد من حجم المخزون فإن الطلب آخذ في الانخفاض منذ الأشهر التسعة الماضية، وهذا أيضًا يجعل شركات الانشاءات عرضة للغرق. ولقد نمت قروض المساكن التي يوفرها القطاع المصرفي أحد أهم البيانات بالنسبة لهذا القطاع بنسبة 1.24 في المائة فحسب في الربع الأول من العام. وهذا رقم متواضع إلى حد كبير بجانب النمو بنسبة 7.5 في المائة التي تحققت في الثلث الأول من العام الماضي. ولا شك أن هناك تأثير كبير في حدوث هذا أدى إليه الارتفاع الذي شهدته أسعار الفائدة على القروض العقارية بسبب العاصفة التي بدأت في سبتمبر الماضي في الأسواق التركية. وفي شهر مارس انخفضت مبيعات المساكن عن طريق القروض بنسبة قياسية بلغت 3 في المائة على أساس شهري.
وتصديًا للارتفاع الذي شهدته أسعار الفائدة على القروض، والتي تراها الحكومة السبب الرئيس للركود في قطاع الإسكان، أطلقت الحكومة حملة لمنح قروض منخفضة سعر الفائدة عن طريق ثلاثة بنوك مملوكة للدولة، تشكل حوالي ثلث القطاع المصرفي التركي. وتعكس هذه الحملة، التي بدأت في 10 مايو، الموقف العام لرئيس الجمهورية أردوغان إزاء نسب أسعار الفائدة، وبموجبها قام بنك الزراعة التركي -أكبر البنوك التركية- بتخفيض نسب أسعار الفائدة على القروض إلى 0.98 في المائة بنسبة تخفيض تصل إلى 0.3 نقطة على أساس شهري. وفي أعقاب هذا مباشرة شارك بنك "خلق" وبنك "وقف" في حملة الإقراض ذاتها بنفس أسعار الفائدة. وقد زادت مساندة هذه الحملة عبر دعمها من قبل بنك "شكر" والبنك "الاقتصادي التركي" من القطاع الخاص.
وبينما بلغ معدل سعر الفائدة السنوية المحسوبة بالنسبة للقروض السكنية التي بلغت 500 ألف ليرة تركية، أي حوالي 100 ألف دولار إلى 12.41 في المائة، فقد جاءت هذه النسبة أرخص 4.5 نقطة مقارنة بأسعار الفائدة على التمويل المركب البالغ 16.9 في المائة للبنك المركزي التركي، والتي هي معدل سعر الفائدة الأساسية. أما القروض المتحصلة وفقًا لمعدلات أسعار الفائدة الجديدة فإنها توفر في التكلفة حوالى 170 ألف ليرة تركية لمدة 10 سنوات، و1417 ليرة تركية شهريًا وفقًا لقرض الــ 500 ألف الذي تم الحصول عليه قبل أسبوع. وهذا الوضع المعاكس للممارسات السابقة، والمطبقة في العالم وفي تركيا، لا شك أنه جزء من حالة التفاؤل التي تحاول الحكومة بثها بأن المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد مؤقتة وأن معدلات أسعار الفائدة في الأسواق سوف تنخفض إلى مستويات أدنى خلال مدة قصيرة كما كان في السابق.
ومن أجل تخطي حالة الركود والاحتقان التي يشهدها قطاع الإنشاءات والتشييد الذي يساهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي ومعدل التشغيل، قامت الحكومة، دعمًا منها لهذه الحملة التي تعول عليها وتثق بها كثيرًا، بتخفيض نسبة قيمة الضريبة المضافة في مبيعات المساكن الجديدة 10 نقاط، و25 في المائة أيضًا في رسوم صكوك الملكية. أما العلامات التجارية العملاقة في القطاع الخاص فقد خفضت 20 في المائة في أسعار المبيعات في 175 مشروعًا سكنيًا عملاقًا جديدًا، مع تحصيل دفعة مقدمة منخفضة للغاية بلغت حوالي 5 في المائة من إجمالي السعر، لتساعد بفعلها ذلك حملة السلطة في دعم قطع الإنشاءات.
تشير البيانات الأولية إلى أن حملة التعبئة التي أطلقها حزب العدالة والتنمية وشاركه فيها قطاع الإنشاءات الذي يشهد ارتفاعًا وتناميًا اعتمادًا على السلطة، لم تستطع إحداث التأثير المتوقع في الأسواق. ووفقًا لبيانات البنك المركزي التركي فإن القروض السكنية خلال الفترة 11-18 مايو حيث تسري حملة أسعار الفائدة الجذابة قد زادت 122 مليون ليرة تركية فحسب. وهذا الرقم يعني بالنسبة لبيانات اتحاد البنوك التركية رقمًا يكفي لتمويل ألف شقة فحسب وفقًا لبيانات استخدام القروض السكنية البالغ متوسطها 125 ألف ليرة تركية. وقد ظل النمو في القروض الأسبوعية محدودًا بنسبة 7 في الألف. وهي نسبة منخفضة للغاية مقارنة بنمو القروض بنسبة 0.5 في المائة في بعض أشهر العام الماضي التي شهدت رواجًا عاليًا في قطاع الإسكان ومقارنة بارتفاع المخزون من القروض البالغ 1 مليار أسبوعيًا.
ويقول الشريك الإداري لشركة وساطة عقارية كبيرة تعمل في نطاق ولاية إسطنبول، قام بتقييم البيانات، إن المشكلات الموجودة في القطاع ليست بسيطة بحيث يمكن حلها بتخفيض معدلات أسعار الفائدة البنكية وحدها.
ويقول الخبير "حين تدشنون حملة لخفض أسعار الفائدة والخصم في المساكن عليكم أن تفكروا أيضًا في ظروف السوق. وإذا ارتفع الدولار ونسبة الفائدة يوميا بينما يقترض الناس ويخططون للاستدانة لمدة 10 سنوات؛ فإنه لن تبقى أية جاذبية ولا ميزة تشجيعية للشروط التي تقدمونها."
وبالرغم من الحملات التي أطلقتها الحكومة قبل الانتخابات من أجل كسب ثقة الأسواق وبالتالي ثقة الناخبين، فإن الدولار قد ارتفع في شهر مايو بنسبة 15 في المائة مقابل الليرة التركية، في حين ارتفعت نسبة الفائدة السنوية على الودائع والسندات ما يقرب من 3 نقاط.
وقد أشار الخبير نفسه إلى أن المشتريات الموجهة للاستثمار في الطلب في القطاع نفسه ذات أهمية كبيرة، وأضاف قائلًا:
"عند مقارنة أسعار المنازل المشيدة مع مستويات الرواتب في تركيا يتبين أن هناك تشوهات وتناقضات موجودة منذ فترة طويلة. ولا سيما أن فرص أصحاب الدخول المنخفضة لشراء منازل فرص منخفضة جدًا، ولا سيما الأسر التي تعيش في إسطنبول. وهذا يحد من قاعدة العملاء. إلا أن هناك كتلة كبيرة تستطيع شراء منزل جديد من أجل الاستثمار بالرغم من امتلاكها منزلًا بالفعل. والعائد بالنسبة لهؤلاء ذو أهمية كبيرة. منذ العام الماضي هناك حملات خصم وتخفيضات في المساكن. وهذا يكبح ارتفاع الأسعار. وإذا توقفت الأعمال لاحقًا فسيتم إطلاق حملات تخفيض وخصومات أخرى. وهذا في الأساس يعمل على زيادة خفض الأسعار التي انخفضت بالفعل. حيث يخسر من اشترى، وفي مقابل هذا يكون لدى المستثمر فرصة لكسب حقيقي في أسعار الفائدة والعملات الأجنبية."
إن البيانات الأكثر لفتًا للانتباه فيما يتعلق بفقدان أسعار المساكن جاذبيتها كاستثمار هي مؤشر أسعار المساكن عن شهر مايو الذي أعلنه البنك المركزي هذا الشهر. ووفقا لتلك البيانات فإن المستثمرين في قطاع المساكن في تركيا تعرضوا لخسارة حقيقية بقيمة 1.5 في المائة سنويًا بحسب معدل التضخم البالغ 10.23 في المائة سنويًا عن شهر مارس.
وبالنسبة لأسعار المساكن الجديدة في إسطنبول وأنقرة فقد فقدت القيمة الحقيقية السنوية بنسبة 5.2 في المائة و7.8 في المائة على التوالي. وبدا من الواضح أن الإسكان أصبح أسوأ وسيلة وأداة استثمارية لهذا العام.
أما أحد ملاك شركات الإنشاءات صغيرة الحجم التي تعمل في مجال العقارات في "أسن يورط" بإسطنبول فيقول فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة ووضعه المالي نفسه "والله سأنتحر. لم أستطع بيع ولو حتى شقة واحدة منذ 10 أشهر. وليست عندي أموال أعطيها للموردين. يوجد لدي 12 شقة. لم أتمكن من إكمال البناء الذي بدأته حديثًا إذ لم أستطع بيع شيء."
جدير بالذكر أن عبارة "سأنتحر" التي استخدمها هذا المالك شرحًا لمشكلاته وأزماته أصبحت واحدة من التعبيرات الأكثر استخدامًا في صناعة الإنشاءات والبناء في الفترة الأخيرة.
ويقول موظف إنشاءات في إحدى البلديات "يجب الحصول على إذن منا نحن من أجل الإقامة حتى وإن كان هناك بيع للمساكن. منذ عدة شهور ونحن لا نرى أحدًا يشتري منازل سوى الأفغان والعراقيين. قديما ما كانت تتردد شائعات عن وجود رشوات تدفع في البلديات في مقابل الإجراءات التي تتم في الأعمال المنفذة في صكوك الملكية. أما الآن فلا حديث حتى ولو عن ذلك".
وفي لقاء مع تاجر عقارات صغير في منطقة "زيتين بورنى" بإسطنبول تحدث قائلًا: "الحالة النفسية لدى الناس سيئة. لقد انخفضت نسبة أسعار الفائدة على القروض، ولكنها كانت هكذا قبل سنة بالأساس. إن البلاد تستيقظ يوميًا على خبر يفسد الروح المعنوية لديها. فهل يكون هناك عمل وإنتاج حين تفسد الحالة المزاجية والروحية للفرد؟.
إنّ ما رصده التاجر من أوضاع لا يتوافق مع بيانات وأرقام الدولة. فوفقًا لبيانات هيئة التعبئة والإحصاء التركية المعلنة يوم الجمعة تبين أن مؤشر الثقة في اقتصاد الإنشاءات قد هبط 8,6 نقطة في العام الماضي. وتبلغ نسبة هذه الخسارة 1.5 في المائة، وقد سُجلت هذه النسبة في شهر مايو الذي أعلن فيه إتمام حزم التشجيع السخية التي أطلقتها الدولة للقطاع. ووفقًا لبيانات هيئة التعبئة والإحصاء التركية أيضًا جاء عدم كفاية الطلب ونقص التمويل بين العوامل التي أثرت سلبيًا على التوقعات في قطاع الإنشاءات بمستويات قياسية بلغت 26.6 و35.7 في المائة على التوالي.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: