لا استراتيجية للخروج.. امبراطورية تركيا المفاجئة في سوريا

في السنوات الأولى للحرب الأهلية السورية، كان احتمال التدخل العسكري التركي محل تكهنات بشكل متكرر. وبرغم تهديدات أنقرة باستخدام القوة العسكرية، كانت المكاسب الأولية للمعارضة المسلحة مدعومة إلى حد بعيد ببرامج لتدريب وتزويد جماعات مسلحة معينة بالعتاد بالتعاون مع الولايات المتحدة وقطر.
وبدا أن سقوط مدينة إدلب في مايو 2015 قد أكد صحة نهج يستند إلى علاقات غامضة مع جماعات إسلامية بل وجهادية للضغط على الرئيس بشار الأسد. غير أنه سرعان ما انهارت هذه الاستراتيجية بحلول نهاية 2015 تحت ضغط مشترك من التدخل الروسي وهجمات تنظيم الدولة الإسلامية، وما تلا ذلك من سيطرة جماعة وحدات حماية الشعب الكردية السورية على أراض على طول الحدود التركية. والوحدات متحالفة مع حزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردا داخل تركيا.
بحلول أغسطس 2016، شعرت الحكومة التركية أنها مضطرة لإصدار أمر بالقيام بعمليات عسكرية أدت إلى سيطرة تركيا على مناطق واسعة في شمال سوريا. كان الهدف الأساسي لتلك العمليات، التي توجت بالهجوم الأخير في منطقة عفرين، هو منع وحدات حماية الشعب من السيطرة على مزيد من الأرض على الحدود التركية. كما أن زيادة السيطرة المباشرة على تلك المناطق توفر منطقة حماية للنازحين الفارين من مناطق أخرى ما زالت تشهد قتالا شديدا.
ومن خلال مجموعة من الاتفاقات مع موسكو قسمت شمال سوريا إلى مناطق نفوذ، يملك الجيش التركي حاليا سلسلة من القواعد على طول خطوط ترسيم متفق عليها تمثل رادعا ضد أي تقدم جديد لنظام الأسد.
في الأسابيع الأولى لهذا التدخل حاول كثير من المحللين معرفة ما إذا كان الجيش التركي يملك استراتيجية للخروج تمكنه من مغادرة إدلب وعفرين وشمال محافظة حلب ما أن ينجز أهدافه. غير أنه بعد 18 شهرا من دخول أولى الدبابات التركية مدينة جرابلس السورية في إطار عملية درع الفرات يتضح على نحو متزايد أن الخروج السريع من سوريا ضرب من المستحيل.
فاستمرار صمود الجماعات الكردية القومية في شمال سوريا يعني أن الانسحاب ينطوي على مخاطر إتاحة الفرصة لوحدات حماية الشعب لاختراق الأراضي التي يتركها الجيش التركي. 
وتسليم تلك المناطق لنظام الأسد لا يوفر أي ضمانات بأنه لن يسمح لجماعات حزب العمال الكردستاني بالظهور مجددا إذا ما قررت دمشق أنها بحاجة لمزيد من النفوذ. وعلاوة على ذلك، فإن الخلل الاجتماعي الناجم عن الانسحاب بهذا الشكل من شمال سوريا من شأنه أن يطلق شرارة موجة جديدة من اللاجئين الذين يحاولون العبور إلى المناطق التركية التي تواجه مصاعب في دمج أكثر من مليوني سوري فروا إليها عبر السنوات السابقة. وبعدما أصبح وجود الدولة التركية متشابكا مع الهياكل الاجتماعية في شمال سوريا فقد باتت عواقب الخروج السريع محفوفة بمخاطر أكبر.
وهناك دلالات على أن الحكومة التركية تدرك أنها حملت نفسها أعباء مسؤولية أكثر من 2.5 مليون نسمة في إدلب وعفرين وشمال حلب.
وبعد جهود شابتها الفوضى في بادئ الأمر، وبحلول مطلع العام 2017 أصبحت المؤسسات التعليمية والصحية والدينية في شمال حلب إلى حد بعيد تحت سيطرة إدارة الشؤون الدينية التركية وشبكة من المنظمات غير الحكومية تحت نفوذها. وبرغم استمرار القتال الداخلي بين الفصائل، فقد طور الجيش التركي هيكلا يتم من خلاله تمويل وضبط الفصائل الموالية له. وفي إدلب، أدت إقامة شبكة من القواعد العسكرية التركية في يناير 2018 إلى محاولة منسقة من الفصائل التي تدعمها أنقرة لطرد هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات الجهادية من البلدات الرئيسية. ومع تكشف هذه المحاولة لتقليص نفوذ هيئة تحرير الشام، كثفت إدارة الشؤون الدينية التركية جهودها للسيطرة على شؤون الرعاية الاجتماعية والحكم في أرجاء المحافظة.
ولذلك بدأت تظهر في شمال سوريا شراكة بين مسؤولي الإدارة الدينية التركية وضباط الجيش التركي الذي أصبحوا معتادين على شؤون حكم أعداد كبيرة من السكان في إطار مشروع شبه استعماري. ونظرا  لأن المعضلات الاستراتيجية التركية تجعل الانسحاب مستبعدا قريبا، فإن هذه الشبكة من المساعدين السوريين داخل الإدارة الدينية التركية إلى جانب الجيش يطوران مصلحة خاصة في الحفاظ في المدى الطويل على السيطرة على الإمبراطورية التركية المفاجئة في سوريا.
وظهور هذه الشبكة المدنية العسكرية ذات الصلات العميقة بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلا عن تجمعات اللاجئين السوريين في تركيا، سيكون له على الأرجح تأثير كبير على السياسة في تركيا نفسها. فمع مرور الوقت، سيكون على الحكومات التركية المتعاقبة التي تعتمد على مثل هؤلاء المساعدين السوريين في إدارة تلك الأراضي أن تضع مطالبهم في الحسبان.
والطبيعة المفتوحة بلا نهاية للتدخل التركي في سوريا ليست مشكلة فقط لحزب العدالة والتنمية. فهي إذا استمرت لسنوات طويلة، سيواجه من يخلفون الرئيس رجب طيب أردوغان في نهاية الأمر إرثا صعبا. ومن سوء حظ أي حركة معارضة تتولى السلطة بعد سقوط حاكم مستبد أنها ترث الالتزامات الاستراتيجية لحكومة أطاحت بها. وعلى الرغم من أن معارضي أردوغان قد يجدون مناورته في سوريا مخيبة للآمال، يظل من الحتمي التفكير في النهج البديل الممكن لحكم شمال سوريا عوضا عن الهياكل التي تقيمها حاليا حكومة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه.
وتوضيح التساؤلات الأساسية المطروحة حاليا حول ما هي الشروط التي ينبغي توفرها لإعادة دمج تلك المناطق في الدولة السورية، أو بدلا من ذلك كيف ينبغي حكمها إذا بقيت تحت سيطرة أنقرة،  سيسهل على أي خليفة لحزب العدالة والتنمية إحكام السيطرة على أحد أكبر التحديات التي تواجه تركيا. وربما لأول مرة، قد يحصل السوريون في إدلب وعفرين وشمال حلب على فرصة لأن تكون لهم كلمة في تقرير مصيرهم.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: