محمد علي توغتان
نوفمبر 28 2017

"لا تتخلصوا من تحالفاتكم القديمة"

 

أعددت رسالتي للدكتوراه في جامعة "بوغازجي: البوسفور" عام 2008م، وكان موضوعها "دور حلف الناتو  في العلاقات الأمنية التركية- الأمريكية"، وحسبما اقتضى النموذج الذي استخدمته في الرسالة فقد ظهر رسم بياني أطلقت عليه اسم "شجرة عيد الميلاد".
في هذا الرسم البياني تمت الإشارة بنقاط ملونة إلى علاقات التعاون بين الأطراف المعنيين في هذه الدراسة، فكانت تلك النقاط تتراكم في أسفل القسم الأوسط من الرسم البياني؛ حيث كان كلا البلدين ينهي تعاونه مع نظرائه حين يدرك أنهم خدعوه.
وبحسب توقعاتي النظرية فقد تمكن حلف الناتو من إقامة سلسلة من العلاقات والتعاونات ثم توزيع الجوائز والمكافآت فيه على نحو أكثر إنصافًا مقارنة بالعلاقات الثنائية، وذلك في ظل ما يتمتع به الحلف من نظام ثابت وإطار مؤسسي عادل. 
ومع ذلك يمكننا أن نصادف مجموعة من الاستثناءات في هذا الرسم البياني -وإن كانت قليلة العدد- أطلقت عليها اسم "زينات الشجرة":
- علاقات تعاون غير متكافئة تستمر لأسباب متنوعة على الرغم من خداع الطرفين لبعضهما.
وقد تبين من خلال الدراسة أن تلك الاستثناءات تكمن في القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط على الأكثر.
إن أساس الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا هو الموقف الذي وضعتنا فيه علاقات الناتو والبلدين بعد انتهاء الحرب الباردة.
على المستوى الثنائي كانت العلاقات التركية الأمريكية مشكلة دائمًا. وحتى في الفترات التي كان فيها مفهوم التهديدات أو المصالح المشتركة أقوى، إلا أن الاختلافات في القوى والنوايا بين الطرفين أدت إلى انعدام الثقة بشكل متبادل وحدوث أزمات تندلع على فترات منتظمة. 
أما حلف الناتو فبينما كان يحافظ على تمركز العلاقات في نطاق المصالح العليا على مستوى الحلف من جانب، كان من الجانب الآخر يحول دون المساس بالثقة، ويتصدى لأي محاولات القضاء على الولاء نتيجة اختلال توازن القوى الذي قد ينشأ على المستوى الثنائي بين قوة متوسطة الحجم مثل تركيا وقوة عظمى مثل أمريكا.
وبعد انتهاء الحرب الباردة بدأ حلف الناتو يتحول من منظمة دفاعية جماعية إلى منظمة أمنية جماعية، أما بعد عام 2001 فقد امتدت ساحة عمليات الحلف إلى منطقة الشرق الأوسط أكثر المناطق إشكالًا في العلاقات التركية الأمريكية.
وتكمن الأزمة الراهنة أساسًا في التغير المتنامي في المصالح التركية، وذلك على الرغم من أن أمريكا لا تزال ترى أن مصالحها السيادية في الوقت الراهن أيضًا تتفق وتتماهى مع المصالح المشتركة للحلف كما كانت عليه في السابق.
لم تعُد القضية هي الدفاع عن أوروبا ضد تهديد مشترك كان يتمثل في الاتحاد السوفيتي سابقًا، بل أصبحت إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط تصديًا لتهديدات "الإرهاب" الذي يتغير محتواه بحسب تعريف كل طرف له. 
وتعريف الإرهاب وصانعوه في المنظور التركي -البلد المجاور للشرق الأوسط- صار يختلف بشكل متزايد وتدريجي عنه في المنظور الأمريكي، بينما "التحالف" الذي كان -فيما مضى- يرى الشراكة في مثل هذه المواقف المنقذ والمخرج لم يعد قادرًا على أداء هذه الوظيفة حاليًا. 
ثمة جزءٌ مهمٌ من دور حلف الناتو في تنظيم العلاقات يكمن في قدرته على إبقاء الدول الأعضاء "تسير على خط التحالف" بطرق طوعية أو قسرية.
ومع ذلك فإن تركيا ترى نتائج السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تمثل تهديدًا لبقائها، وبغض النظر عن تفكيرها في التغلب على هذا التهديد؛ فإنه يستحيل الاستمرار في هذا التحالف الذي يُقربها من الخطر على نحو متزايد.
هذه الاستحالة تكمن أساسًا في حدوث مشكلات لا مثيل في العلاقات التركية- الأمريكية تقع على التوالي، وفي علاقتها مع حلف الناتو على حد سواء:
هناك أيضًا سياسة أمريكية جديدة تختار القوى الكردية المحلية بديلًا عن تركيا حليفها أصلًا في سياستها الشرق أوسطية.
أما في الجانب الآخر فنجد تركيا حيث تعتبر أن القوى التي اختارتها أمريكا شريكًا بديلًا تمثل تهديدًا إرهابيًا يفوق خطره الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تحاربها.
وبينما ينتظر من حلف الناتو أن يحدث توازنًا في العلاقات ويجسد المصالح على مستوى أعلى في ظل هذه الظروف، إلا أنَّه أصبح بالفعل أداة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
باختصار؛ يمكن القول إن هذا هو التناقض الذي يدفع تركيا بعيدًا عن حلفائها الغربيين نحو محور روسيا والصين حفاظًا على بقائها الاستراتيجي.
ومع أنه لا يوجد ما يدعو للتفاؤل أكثر من اللازم من أجل حل هذا التناقض في ظل الظروف الراهنة؛ فلا داعي أيضًا لأن نهيأ أنفسنا تحسبًا لحدوث سيناريو "عاصفة حديدية".
فكما أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب؛ فإن الحرب أيضًا لا تعني مجرد غياب السلام. وثمة أمر هام يتمثل في أن تجاوز مفهوم المصالح الأساسية بين الطرفين والتهديدات المشتركة لهما شيء، ورؤية كل واحد منهما الآخر مشكلة تهدد بقاءه بحيث يستعمل القوة العسكرية ضده شيء آخر.
إن إعادة إقامة علاقة مثالية تسودها الثقة المتبادلة، وتضمنها التحالفات المؤسسية والاتفاقيات الرسمية القائمة على تلك الثقة المتبادلة والمستندة إلى مفهوم المصالح والتهديدات المشتركة يبدو أمرًا صعباً. وربما يلزم التساؤل: هل تحسنت علاقة الثقة بين تركيا وأمريكا بقدر ما تتفق مع هذا التعريف؟ لا شك أن هذا تساؤل آخر. 
ولكن النتيجة التي يجب استنباطها من هذا لا تتمثل في أن الطرفين سيصبحان معاديين لبعضهما على نحو أكثر.
وارتباطا بالمشهد الراهن فربما تظهر مجددًا التهديدات والمصالح المشتركة. وحين يأتي الوقت المناسب فسوف يحظى كلا الطرفين بالثمار والنتائج الإيجابية للعادات والتنظيمات واللوائح التي كونتها علاقة التحالف القائمة منذ الماضي.
ولهذا فإنني أوصي من ينادون بخروجنا من حلف الناتو نتيجة الاختلافات الحالية، فأقول لهم: "لا تتخلصوا من تحالفاتكم القديمة".
إن انهاء تحالف استراتيجي قائم قبل أن تتم إقامة تحالف بديل ليس من الحصافة ولا الذكاء في شيء بالنسبة لقوى متوسطة الحجم مثل تركيا، ولا سيما أن مجالات تحركاتها ومناوراتها تتنوع وتتسع في هذه الأوقات المضطربة على مستوى السياسة العالمية، كما يتنوع مفهوم التهديدات بالنسبة لها.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: