لا خوف من أردوغان، هو الخاسر باستبداده ونحن الفائزون بشرفنا

كان من المثير حقًا أن تتصادف الفترة التي بدأت أكتب فيها لموقع "أحوال تركية" منذ فترة ليست بالبعيدة، مع الجدال الذي تزامن مع الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة المزمعة في24 يونيو المقبل. فكانت هناك حالة جدل كبيرة دفعت الناس إلى نوع من الفضول يكاد يقتل كل فرد منهم لمعرفة ما يفكر به الآخرون حيال التطورات التي تشهدها البلاد. وأنا لا يمكنني القول إنني حزين أو غير سعيد ككاتب عمود؛ وذلك لأنه تتم قراءة مقالاتي جيدًا.
فضلا عن أن سلسلة المقالات التي كتبتها حول ما يمكن أن يحل بنا نحن الأرمن، والأكراد، ومتطوعي جماعة "فتح الله غولن"، والأتراك، وأنصار حزب الشعب الجمهوري، أي للشعب التركي أجمع، وأقاربنا، وجيراننا العلويين، قد حققت رقمًا قياسيًا تقريبًا.
لم أقل ما قلته أعلاه من أجل التكبر أو الافتخار بالذات، قلته فقط من قبيل الرغبة في مشاركتكم فرحتي بوصول كلامي للناس. ناهيكم عن أني قد فقدت موطني، ويصيبني الحزن إذا نسيتموني في بعض الأحيان...
سلسلة مقالات "ماذا سيحل بنا" تمت قرائتها، وتعرضت في ذات الوقت لبعض الانتقادات. فقد فهم كلامي على أن هناك يأس يتخللها. لكن على ما يبدو أنني أخطأت التعبير..
دعوني الآن أعدل كلامي..
لن يحدث لنا شيء يا أصدقاء
حتى أننا فزنا وربحنا ورجب طيب أردوغان هو الخاسر..
ولعلكم تعرفون وتدركون أن قتلنا، واعتقالنا، ونفينا، وتعرضنا للتعذيب، وتعقبنا من قبل القتلة، والصعوبة التي نواجهها بسبب العيش مع الحماية الخاصة؛ لا يعني بالضرورة أن شيئًا ما حدث لنا. فهذه أشياء معنوية، تحدث منذ آلاف السنين؛ لا سيما في منطقتنا التي يحدث فيها ذلك مرة كل عشر سنوات.
كما أنه لا يوجد بيننا أحد لم يقدم ضحية للدولة القاتلة، أو أحد لم تكلفه هذه الدولة الظالمة بدلًا ما. دعونا نمر مرور الكرام على هذا الموضوع. لكن الوضع الذي أثق فيه هو ثقتي في نفسي هو: أنه لن يحدث لنا شيء، وكذلك الأصدقاء الذين حظينا بهم منذ زمن، هذان الأمران أنا متأكد منهما.
أدرك أن هذه الكلمات تدور في أذهانكم وكأنها جمل محيرة، لكن دعوني أسوق لكم مزيدًا من الأمثلة لتكونوا في أريحية من فهم الأمر بشكل أفضل: تعلمون جيدًا أن رجب طيب أردوغان زعيم مستبد يزعم أنه يفوز باستمرار في الانتخابات منذ 15 عامًا. بل يمكنكم عدّ المئات ممن على شاكلته. وإن كان هو من يتوسط لوحات القادة الظالمين، فإن الذي سيكتب في دفتر التعازي بعد وفاته معروف وواضح.
وهذا الرجل (في إشارة لأردوغان) ليس حرًا مثلنا، وإن كان قد استعرض على مدار الفترات الماضية كمية المرات التي نجح خلالها في الانتخابات. فهو مع كل قطعة بناء كان يسد بها علينا المتنفس ليضيق علينا حياتنا، كان يلقي معولًا من التراب في الحفرة التي وقع فيها.
وثانية أؤكد لكم أن أردوغان ليس حرًا مثلنا.  وخير دليل على ذلك أنه لا يستطيع أن يذهب مثلنا ويقرع  باب السياسي التركي من أصل كردي، أحمد ترك (كان آخر رئيس لحزب التجمع الديمقراطي، وانضم لاحقًا لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي). هل يمكنه فعل ذلك؟ هل يمكنه أن ينظر في عيني ذلك الرجل المسن السبعيني دون أن تعتليه حمرة الخجل؟
وهل يمكنه أن يقول "على الأقل حاولت واجتهدت من أجل تحقيق السلام مثلك، فلم أخدع الشعب الكردي، وأنا أيضًا مع السلام"؟
دعوكم من كل هذه الأسئلة السابقة، وأجيبوني على هذا السؤال البسيط: هل بمقدور أردوغان أن يلقي التحية والسلام على أحمد ترك؟
هل يقدر أردوغان على الجلوس مع الصحفي أحمد شيخ، تلك الزهرة التي قال إنها تنتمي لجماعة "فتح الله غولن"، وهل يقدر أن يتجاذب معه أطراف الحديث؟
وهل يمكنه أن يبلغ ذلك الصحفي الاستقصائي بأية معلومات عن تلك العصابة التي نالت من حياتنا جميعًا، وأثرت فيها؟
وهل هذا الرجل من الممكن أن ينال منه الهم كأحمد شيخ بسبب التعذيب الذي يمارس بحق منتسبي جماعة فتح الله غولن؟
بل هل يمكنه أن يقول "على الأقل أنا أحب هذا الشعب بقدر حبك يا أحمد؟
دعوكم من كل هذا ودعوني أسألكم مجددًا، هل بإمكان أردوغان أن يلقي التحية على أحمد ترك؟.
والآن دعونا نعرج على مسألة الانتخابات النيابية والرئاسية المبكرة، وفي هذا السياق من المؤكد أن أردوغان وحزبه بإمكانهم تنظيم حملات انتخابية بشتى أرجاء المعمورة، باستثناء ألمانيا بالطبع. يمكنهم تنظيم التجمعات الانتخابية الواحدة تلو الأخرى.
هذا الرجل يمكنه أن ينشر الكذب هنا وهناك، وهو يحمل في معيته القرآن، والكفن، وما شابه من أدوات ومستلزمات دأب على استخدامها لتحقيق أهدافه.
حسنًا، إذا كان أردوغان كذلك، هل يمكنه أن ينظم تجمعًا انتخابيًا في محبس كل من صلاح الدين دميرطاش، والنائب الكردي عن حزب الشعوب الديمقراطي، عبد الله زيدان، ذلك المكان الذي لا تصل مساحته لـ12 مترًا فقط؟
وهل يمكنه أن يخطب في الناس من محبسٍ ومن خلف قضبانٍ كما يفعل صلاح الدين دميرطاش؟.
دعوكم من مطلبي الخاص بتنظيم تلك التجمعات، ولنسأل سؤالًا آخرًا، هل أردوغان قادر على أن يشارك في تجمع انتخابي ينظمه صلاح الدين دميرطاش، كمستمع عادي؟

 

بل هل أردوغان قادر على النظر في عين صلاح الدين دميرطاش، ويقول له "يا صلاح أنت إرهابي، وجدير بك أن تفنى وتنتهي في السجون"؟
وهل يمكنه أن يقول له "ما حدث لك لا علاقة له بكونك منافسي"؟ بل هل يمكنه أن يدخل إلى تلك الزنزانة التي بها دميرطاش، دون أن يشعر بخجل وخزي؟
دعوكم من كل هذه الأسئلة، وقولوا لي هل أردوغان يستطيع إلقاء التحية والسلام على صلاح الدين دميرطاش؟
وهل يمكنه أن يتناول طعاما من يد السيدة غلثوم والدة الطفل بركين آلوان الذي لقي حتفه فى إسطنبول، على إثر إصابته فى الرأس بقنبلة غاز مسيل للدموع خلال احتجاجات متنزه غزى في شهر يونيو 2013؟
وهل يمكن لهذا الطعام لو تناوله أن يمر من  جوفه بعد أن قتل طفلها بسلاح آلي وهو يحمل في يده خبزًا كان يتوجه به لأسرته؟
أهو قادر بعد أن يبدأ بالبسملة على تناول إفطاره في رمضان بقطعة خبز  وحبة زيتون في مقاهي حي أوق ميداني (الذي قتل فيه الطفل آلوان)؟ وهل ستكون لديه الشجاعة على قضم قطعة الخبز وهو ينظر في أعين ساكني الحي؟
بل هل يمكنه أن يلبي دعوة لحضور مأدبة طعام أقامها العلويون؟
دعوكم من كل هذا، وأخبروني، هل أردوغان لديه القدرة على إلقاء التحية والسلام على الأم، غلثوم آلوان؟
هل أردوغان يمكنه أن يمكث في الحبس مثلنا؟ وهل يمكنه الفرار والهرب؟
وهل يمكنه أن يجد مثلنا مكانًا يلوذ إليه إذ لزم الهرب، وهل هو قادر على توفير جوزات سفر مزورة للخروج من هذه البلاد؟
بل هل أردوغان يمكنه أن يبقى دون أن تكون معه نقود؟ وهل يمكنه أن يثق في تضامن وتكافل شعبه؟ 
وهل يمكنه أن يخاطر بخسارة الثروة التي يمتلكها؟ وهل لديه القدرة على أن يتضور جوعًا من أجل بلاده؟
وهل إذا مرت به ضائقة من الممكن أن يجد حوله من يهبون لمساعدته كما حدث معي؟ ويهتمون بأبنائه؟
هل هذا الرجل قادر على تخصيص كل ما لديه من إمكانيات لصالح العامة كما نفعل نحن؟ وهل يمكنه أن يضحي بما لديه من أموال، وألقاب، وشهرة، وأمن، وحرية، من أجل بلده؟
من المؤكد أن كل هذه الأمور ستكون صعبة عليه للغاية...
فمهما كسب أردوغان، نحن لا نخسر.. فهو من خسر ونحن من فاز منذ زمن.
نحن لدينا شرف
ونحن من لديه الحق..
ننام في راحة..
لأننا لم نسرق..
ولم نقتل...
ولم نبع
ولم نخن
فنحن الشعب
أما هو فمجرد أحد القادة الظلمة
بل هو من يتوسطهم
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/erdogandan-korkmuyoruz-biz-kazandik-bile
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.