لا صوت للمرأة التركية أمام سطوة المجتمع الذكوري

صارت حادثة اعتداء الممثل التركي أحمد كورال على رفيقته المطربة سيلا جنج أوغلو حديث الساحة في تركيا هذه الأيام. وتحولت أحداث هذه الواقعة إلى قضية مجتمعية تتداولها الألسن في كل مكان. 

تحدثنا، بدورنا عن أصداء هذا الحادث، مع رئيس جمعية الصحة الجنسية الدكتور جيم كيتشا، وسألناه عن الوقت الذي سنقول فيه كفى للعنف ضد المرأة في تركيا. وجاء نص الحوار على النحو التالي: 

- هل تحولت ظاهرة العنف ضد المرأة إلى ما يشبه الوباء الذي ضرب تركيا، وكل دول العالم؟ 

ازدادت وتيرة العنف الموجه ضد المرأة في تركيا بشكل كبير خلال الفترة الماضية، ومن المرجح أن تتجه إلى الزيادة بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.. لقد انتشرت ثقافة الصدام، سواء أكان صداماً سياسياً أم مجتمعياً خلال السنوات الأخيرة الماضية. وتزامن مع هذا انتشار الظلم وغياب العدالة وانتشار الخوف والإرهاب بين المواطنين. ومن ناحية أخرى، كانت ألعاب العنف على الحاسب الآلي تشهد إقبالاً كبيراً بين الأطفال والشباب، بالإضافة إلى تلوث الدراما التركية بالكثير من المسلسلات، التي تحتوي على مشاهد عنف كذلك، وهو الأمر الذي أفقدنا قيمنا التي طالما تمسكنا بها. لهذا يجب أن نعترف أننا عجزنا عن المحافظة على العلاقات بيننا بشكلها السليم، وهو ما انعكس على تربية أطفالنا بالشكل السليم. وكانت نتيجة هذا كله تفشي العنف في المجتمع التركي بالشكل الذي نتحدث عنه الآن.

- من أعطى الحق للذكور في تركيا كي يمارسوا العنف ضد الإناث بهذا الشكل؟

مجتمعنا المنافق هو الذي منحهم هذا الحق، وأضفى عليه نوعاً من المشروعية كذلك؛ فالشخص الذي تعرض للقهر في طفولته، أو نشأ في ظل ثقافة تحض على العنف يجد نفسه في المستقبل أمام ثلاثة سيناريوهات؛ إما أن يحاكي الظلم الذي تعرَّض له، أو أن يخشى الإقبال على الزواج من الأساس، أو أنه سيتلافى هذا السلوك تماماً في معاملته مع الآخرين، ويحاول، قدر إمكانه، أن ينتهج نهجاً سليماً في تعامله معهم. وهذا الصنف من الناس لا يكون مجبراً على تكرار العنف؛ فلديه حرية الاختيار، عكس الصِنف الأول، الذي اختار هذا السلوك بنفسه. 

- هل الخداع يجعل من العنف أمراً مشروعاً؟

أعتقد أن هؤلاء الأشخاص يمكن أن يتخذوا من ظروف معينة مثل الخداع والتحريض وتوجيه النقد ذريعة لهم عند ممارسة العنف. والحقيقة أن الخداع ما هو إلا غطاء يستخدمه الرجل لإخفاء حقيقة ما يقوم به.

- في رأيك لماذا تحولت واقعة تعدي الممثل التركي أحمد كورال على رفيقته المطربة سيلا جنج أوغلو إلى قضية مجتمعية، وهل من الممكن أن تكون نقطة تحول في النظر إلى ظاهرة العنف ضد المرأة في تركيا؟

هذه الواقعة هي النقطة الأخيرة في النقاشات الدائرة بخصوص العنف ضد المرأة، وهي بمثابة هزيمة صريحة للمجتمع الذكوري المهيمن.

- هل من الممكن أن تتخلى النساء بعد حادثة سيلا عن مشاعرهن السلبية مثل الخجل والكتمان في مواجهة العنف الذي يمارسه الرجال ضدهن؟ هل من الممكن أن تصبح المرأة في تركيا أكثر جرأة، وتطالب بحقوقها في عدم التعدي عليها؟

يمكن للمرأة التركية أن تختار لنفسها أن تصبح أكثر جرأة، وأن تقلع عن مشاعر القهر التي تسيطر عليها، إذا وقفت إلى جوار سيلا، ودافعت عن حقها في الدفاع عن نفسها ضد العنف. ولكن إذا بدأت حديثها بالقول "نعم، ولكن.." فسيكون هذا إضفاء مشروعية جديدة على التعدي على المرأة في تركيا. 

- هل تجد ارتباطاً بين التمييز بين الجنسين، وحوادث التعدي على المرأة في تركيا؟

طالما لم يتوقف التمييز على أساس الجنس في تركيا، فلن يعرف العنف الموجه ضد المرأة نهاية. ومن ناحية أخرى، ليس من الممكن أن نتخلص من العنف ضد المرأة عن طريق فرض العقوبات. من الضروري وضع تشريعات حازمة، ولكن إذا لم نعالج المشكلة من الجذور فسنكون كمن يحاول عبثاً قتل البعوض، دون أن ينتبه إلى ضرورة تجفيف المستنقع أولاً. وطالما أن نظرتنا إلى مفهوم التمييز بين الجنسين لم تتغير، فلن ينتهي العنف ضد المرأة بأي حالٍ من الأحوال.

- هل من الممكن أن توجه النظرة الذكورية لدى الرجال لممارسة العنف، بلا وعي منهم، ضد النساء اللاتي يرين أنهن أقوياء؟

وراء كل حادث عنف قصور أو خلل في الثقة بالنفس لدى الشخص؛ فإذا شعر الطفل بالغضب تجاه أمه صاحبة الشخصية القوية، وأراد أن يرد على معاملتها له، فإنه يختزن هذه الذكريات المكبوتة لديه ليظهرها عندما ينضج، ويزداد قوة ضد المقربين لديه من النساء. لهذا السبب، يلجأ الذكور إلى ممارسة العنف ضد النساء اللاتي يشعرن أنهن أقوياء.

- هل قرأت ما قاله أحمد كورال في تعليقه عن هذا الموضوع؟ لقد اتهم أسيلا بقوله "عندما انفصلنا كانت تلح على العودة مرة أخرى". أي ذنب اقترفته عندما طلبت التصالح معه، هل يستدعي هذا أن تتعرض للضرب المبرح؟

إذا كان تكوين علاقة بين اثنين، وانفصال كلا منهما عن الآخر بعد ذلك يتم باختيارهما، فلا بد أن يأتي قرار التصالح بينهما باختيارهما. ومع هذا، فعندما أرادت المرأة التصالح معه، جاء رده في شكل "إنها تستحق الضرب!"

- في رأيك هل يمكن للسعادة الجنسية أن تمنع العنف ضد المرأة؟ 

لا، هذا غير صحيح. السعادة الجنسية لا تمنع العنف، ومع هذا فالأشخاص غير الموفقين في علاقتهم الجنسية يمارسون العنف بشكل أكبر ضد أطفالهم.
سؤال: تبيَّن أن العنف ضد المرأة لا يرتبط بالمستوى التعليمي للأشخاص؛ فخريجو الجامعات، وحتى حملة الدكتوراه، قد يلجؤون إلى العنف أيضاً. في رأيك، لماذا لا يقف المستوى التعليمي حائلاً دون تزايد العنف ضد المرأة في تركيا؟ 

السبب وراء هذا أن التعليم في تركيا يقوم، في الأساس، على التلقين، وقياس مدى الإلمام بالمعلومة فحسب. إن الذكاء العاطفي (القدرة على فرز العواطف الذاتية، وحسن استعمالها)،  في جوهره، أمر جيد؛ إذ لا يشعر بوجوده أي منا بداخله، وهو يحدد ما إذا كنا نتخذ الخطوات الصحيحة في سلوكنا، وعلاقتنا في المجتمع لإدراك النجاح أم لا. ويختلف الذكاء العاطفي، الذي يحدد الكثير من أنماط سلوكنا الإنساني، عما يعرف بنسبة الذكاء أو معدل الذكاء (العلامة الكلية المشتقة من عدة اختبارات قياسية مصممة لقياس الذكاء الإنساني) الموجه في الأساس للتعليم. ولعل الفارق الأساسي بين المفهومين هو أن الأشخاص، وفق الذكاء العاطفي، يكون لديهم القدرة على التطوير والارتقاء بالمستوى، خلال سنوات بشكل أكبر من معدل الذكاء. ومن واقع التجربة، فقد كان معدل الذكاء العاطفي منخفضاً لدى الذكور الأقوياء (مفتولي العضلات). وعلى العكس من ذلك، لمسنا وجوده بشكل أكبر لدى المتعلمين، الذين لديهم ميول للعنف؛ فعلى الرغم من أن هؤلاء قد تلقوا تعليماً جيداً، إلا أنهم عجزوا عن تطوير معدل الذكاء العاطفي لديهم. لهذا السبب، أصبح معدل الذكاء مرتفعاً عند المجتمع التركي، وفي المقابل تدنى الذكاء العاطفي. وبالتالي لم تُجدِ درجة التعليم نفعاً في كبح ظاهرة العنف ضد المرأة في تركيا، بل كانت مجرد ستار لأعمال العنف والزيف الذي نعيشه اليوم. وقد رأينا هذا جلياً في الإفادة، التي أدلى بها أحمد كورال للشرطة وللمدعي العام...

- هل أصبح التذرع بحجج من قبيل "أنا عصبي المزاج "هي الحل لعدم قدرتنا على التصدي لأولئك الذين يمارسون العنف ضد المرأة؟ 

لا يوجد ما يبرر لجوء الرجل إلى العنف ضد المرأة، ولكن يوجد لدينا مجتمع منافق يختلق العنف، ويضفي عليه نوعاً من المشروعية بشكل سيء للغاية. وفي المقابل، لا تعدو الخطوات، التي اتخذتها تركيا لمنع العنف ضد المرأة، كونها مجرد حبر على ورق. وكما رأينا في واقعة التعدي على سيلا، لم تتوقف الصحافة التركية عن نشر أخبار بشكل يومي عن امرأه تعرضت للقتل، أو الإصابة على يد زوجها أو أخيها أو أبيها، أو حتى على يد رفيقها. ومن المرجح أن يستمر هذا الأمر في المستقبل أيضاً؛ لأنه يوجد لدينا الكثير من الذرائع، التي نبرر بها لجوءنا إلى العنف. والأسوأ من هذا كله أننا لا نشك في أن ما فعلناه أمر خاطئ، أو يستحق التعليق عليه.
وعلى الجانب الآخر، تقف الشرطة والنيابة عاجزة عن حماية المرأة، وقد تكون أسباب العنف غريبة مثل التحدث في التليفون أو الغيرة أو الخيانة. وعندما تتراجع السيدات اللاتي يتعرضن للضرب، ولا يستطعن التقدم بشكواهن من الخوف، حينها لا يتم اتخاذ أي إجراء قانوني؛ ومن ثم يأمن مثل هؤلاء الرجال العقاب؛ فيتمادون في أفعالهم هذه...

- أيهما أكثر سوءاً بالنسبة للمرأة؛ العنف الجسدي أم العنف النفسي؟

في الحقيقة إن كليهما سيّئ، وإن تفاوتت درجة التأثير بين النوعين؛ فالتأثير الذي يتركه العنف الجسدي مثل الضرب واللطم والرفس أو اللكز، نراه كذلك عندما تتعرض المرأة للعنف النفسي مثل تعمد الاحتقار المستمر والتخويف والاستهزاء. أضف إلى هذا لجوء بعض الرجال إلى بعض السلوكيات للسيطرة وللاستحواذ على المرأة؛ من قبيل التفريق بين المرأة وأصدقائها وعائلتها وتعقب حركاتها. وقد لا يكون الطلاق نفسه هو الحل المناسب؛ كي تتخلص المرأة من آلامها؛ حيث تشير الإحصاءات إلى لجوء الكثير من السيدات إلى ارتكاب جرائم بعد الانفصال عن أزواجهن.

 

يمكن قراءة الحوار باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kadina-siddet/dr-cem-kece-silanin-cigligi-erkek-egemen-sistemin-yenilgisi-oldu&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.