ألين تاشجيان
ديسمبر 12 2018

لا مهرب من إسطنبول

صدر حديثاً فيلم "نداء سيرين"، أو "خروج أخير"، أحدث أفلام المخرج رامين ماتين، مخرج فيلم "عشاء الوحوش" و"المعصومون من الخطأ"، وذلك بعد عرضه الأول في مهرجان طوكيو للأفلام. تدور أحداث الفيلم، الذي يندرج ضمن فئة الكوميديا السوداء، حول مهندس معماري يقرر مغادرة إسطنبول لمجرد نزوة. لكن بسبب عدد من الحوادث التي يتعرض لها، فضلاً عن أخطائه الشخصية، يصبح غير قادر على الخروج من المدينة.
يتناول فيلم الملاك المدمر (1962) للويس بونويل، والذي ينتمي لمدرسة العبثية، قصة مجموعة دعيت إلى مأدبة عشاء مترفة، لكنها لم تكن تستطيع مغادرة المنزل الذي أقيمت فيه المأدبة بسبب حاجز غير مرئي. يوظِّف أستاذ السيريالية قوة تظهر من العدم وتجعل من المستحيل على أي من المنقذين دخول المنزل، في تأكيد لنقد بونويل للطبقة البرجوازية.
وبالمثل، فإن "نداء سيرين" هو عمل ناقد لبرجوازية إسطنبول الجديدة التي غطت المدينة بالكتل الخرسانية؛ فقد صارت إسطنبول اليوم متاهة من مواقع البناء والتلوث والزحام المروري وتآكل القيم. وفي المكان الذي كان فيه معظمنا يتحلى بالطيبة والصبر، صرنا أفظاظاً ومتبلدي المشاعر وعدوانيين بسبب عيشنا باستمرار بين الحشود.
وفي فيلم "حصار" لأمين ألبير، هناك توظيف لرمزية بونويل وعزلته. وهو ليس فيلماً عن العمران الحضري، أو عن إسطنبول؛ بل هو انعكاس للمناخ السياسي من خلال عقلية مهووسة. فالناس الذين يعيشون في إسطنبول هم الملاك المدمر، ولا يمكن لنداء سيرين أن يرتقي فوق هذه الحقيقة.
فـ"نداء سيرين" هو عبارة عن كابوس في وضح النهار؛ إنه كوميديا مع سلسلة من الأحداث اليومية البسيطة التي تمهد الطريق أمام حدوث كارثة. والملابسات في مدينة لوس أنجلوس، التي جعلت شخصية مايكل دوغلاس في فيلم "السقوط" لجويل شوماخر (1993) يفقد عقله، مشابهة للظروف في إسطنبول في فيلم "نداء سيرين" - فالانتقال من مكان لآخر والتواصل مع أشخاص آخرين ليس بالمهمة البسيطة في هذه المدن.
وفي يوم من الأيام قريباً، ستصبح الظروف في إسطنبول ناضجة على الأرجح لفيلم أكثر سوداوية مثل فيلم "السقوط"، لأن "نداء سيرين" ليس هو ذلك الفيلم.
يمضي المهندس المعماري تحسين "دينيز جليل أوغلو" أيامه في مواقع شقق بمبان شاهقة، وفي الزحام المروري، وعلى الهاتف. وذات ليلة، يلتقي تحسين بصديقته إيليف "بينار توريه" في حانة. كانت المرأة الشابة "إيزجي تشيليك" التي بصحبة إيليف هي صديقة تحسين القديمة سيرين؛ بدت سيرين جذابة جداً بشعرها المجدول وبهرجها وزينتها.
كانت سيرين معتادة على مثل هذا الإعجاب بها من جانب تحسين، لدرجة جعلتها حتى غير قادرة على النظر في عينيه. تعيش سيرين الآن في مزرعة مشتركة، وتزور إسطنبول لبيع منتجاتها العضوية. حاول تحسين مغازلتها؛ وبينما سيلحظ المشاهدون مدى ما في اسمها من نذير سوء، فإن تحسين لا يلحظ هذا.
وتحسين، اسم معناه الإعجاب أو التجميل. وبينما تحسين هذا هو بالقطع نموذج لهذه الصفات فيما يتعلق بحياته العاطفية والمهنية، فإنه ليس ضحية أيضاً؛ فهو واحد فقط من الكثير من الناس الذين يستفيدون من التجديد الحضري. فهل كانت مواقع الأبنية الشاهقة الموجودة في تركيا اليوم لا مفر منها؟ هل يجب أن يكون لدى القرى الأخيرة المتبقية في بحر إيجه فيلات فاخرة أو فنادق جبلية؟
عندما اتصلت آليف، زوجة تحسين "جيزيم إرديم"، به هاتفياً، كان "نعيقه" دليل واضح على أن علاقتهما ماتت بالفعل. وما زال هذا "النعيق" أحد سمات شخصية تحسين، أو بالأحرى انعدام شخصيته.
والقليل من سكان إسطنبول لا يحلمون بالرحيل عن المدينة والعيش في سلام وسط الطبيعة، أو على الأقل قضاء أشهر الصيف على شاطئ البحر أو بين المروج الخضراء. وأُقيمت أماكن كثيرة مشابهة للمزرعة التي تتحدث سيرين عنها. أما تحسين، ذاك الثمل الباحث عن السعادة والمتعة في عيون سيرين - لكن دون أي نقد للذات بسبب العمل الذي يقوم به - فقد هدم الجسور فجأة وسلم سيارة الشركة والهاتف وبطاقة الائتمان.
في مشهد الاستقالة في بداية الفيلم - وهو مشهد فيه تعجل ويفتقر إلى التأثير - نعرف على الفور ما إذا كان تحسين قصة نجاح أم لا. فعندما يعطل تحسين اجتماعاً لكي يسلم خطاب استقالته كبطل من ميلودراما تركية قديمة، نعلم أنه يعمل بشركة حميه عندما ينادي رئيسه قائلاً له "أبي". ومن الواضح أن تحسين لم يتول أبداً مقاليد حياته.
فتحسين مجبر على التجول في أحياء مختلفة واستقلال سيارات الأجرة والحافلات وهو يجرجر حقيبته. وكان اليوم الذي اختار فيه أن يهرب من المدينة هو ذاته اليوم الذي جاء فيه وفدٌ قطريٌ في زيارة، ومن ثم كان المرور في حالة فوضى تامة. وفي أحد الأحياء التي ارتفع بنيانها بفعل أعمال التطوير التي نفذها هو بنفسه، يركض تسنيم بعيداً عن الناس الذين يعرفون أنه غريب، لكنه لا يستطيع الوصول إلى المطار بأي شكل من الأشكال. ليس الوقت هو الذي يكرر نفسه، لكن المواقف هي التي تكرر نفسها، وهو ما يعطي للفيلم نكهة العمل الكلاسيكي "يوم جراندهوج" لبيل موري.
و"نداء سيرين" فيلم غير تقليدي، والكثير منه جرى تصويره في الضواحي، حيث البازارات والمقاهي ومحال الحلاقة.
ظلت إسطنبول لعقود تخلق بيئات جديدة من خلال بناء ناطحات السحاب فوق الأنقاض. وأعمال "شهر" لريها أرديم، و"ذيل الأفعى" للمخرج كوتلوغ أتامان، و"حمام تركي" لفرزان أوزبتيك، كلها تعكس صورة فيها نوع من الحنين لإسطنبول من خلال عدم إضفاء أي طابع حداثة على المشاهد.
يأخذ رامين متين اتجاهاً آخر، حيث يحشو كل لقطة من اللقطات بالقليل من الحديد والزجاج والكثير من الخرسانة والسيارات. إن إسطنبول في عيونه تحيا بالقليل من الجمال.
وبينما تعد الشخصيات في "نداء سيرين" سطحية وضحلة، فإنّ الفيلم لا يحتوي على شخصية واحدة خيّرة أو بريئة، فجميع الشخصيات مَعِيبة في هذا الفيلم. فضلاً عن ذلك، فإن ملاحظات الفيلم واكتشافاته بديعة؛ فاجتماع تحسين مع شخصية عائشة نيل شاملي أوغلو الغريبة الأطوار مشهد جرى إعداده وأداؤه ببراعة. كما أن معالجة الفيلم للذكورية التركية في مشهد بحافلة، تقترب من حد الكمال، وتشير إلى المقاهي على أنها مصدر لهذه الظاهرة المجتمعية.
إن "نداء سيرين" يتسم بالجرأة ولم يصده شيء عن انتقاد جميع أنماط الحياة. ويلفت ماتين الانتباه إلى حقيقة أن الرافضين للوضع والمتمردين عليه يتكيفون معه في نهاية المطاف ويصبحون جزءاً من الخط العام؛ فكم منا يمكنهم العيش في مجتمع على ساحل بحر إيجه أو إنشاء مزرعة للمنتجات العضوية وممارسة رياضة اليوغا؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/movie-review/no-escape-istanbul
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.