لعاب أردوغان يسيل على التمويل الصيني

انقضت الانتخابات التركية بما فيها وشدد الرئيس رجب طيب أردوغان قبضته على السلطة بتعزيز سلطاته التنفيذية في ظل نظام الحكم الجديد. لكن المشاكل الاقتصادية التي تعانيها البلاد لا تزال كما هي.
ومع خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، فإن تركيا بحاجة لتمويل خارجي بأرقام فلكية تتجاوز 230 مليار دولار على مدى اثني عشر شهرا مقبلة.
إن التقلبات التي طرأت على العملة التركية، الليرة، خلال شهري أبريل ومايو الماضيين، والتي دفعت البنك المركزي لزيادة أسعار الفائدة بواقع 425 نقطة أساس منذ مطلع العام الجاري لتصل إلى 500 نقطة أساس، ستؤثر سلبا على معدلات النمو خلال الربع الثالث بعد توسع مقداره 7.4 بالمئة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام وتوقعات بتحقيق نمو قدره ستة بالمئة خلال النصف الأول.
لم يتوقف تراجع ثقة المستهلكين إلا مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة وذلك بفضل خطط دعم حكومية.
في الوقت نفسه، فإن مؤشرات الثقة الاقتصادية لا تزال في تراجع. فالآن باتت أسعار الفائدة على القروض تبلغ نحو 22 إلى 25 بالمئة. كما ارتفعت نسبة القروض البنكية مقارنة بنسب الإيداع مستوى مخيفا يبلغ 145 بالمئة، وهو أمر يهدد السيولة المتوفرة في القطاع البنكي بأكمله.
من المنتظر أيضا أن يرتفع التضخم ليبلغ 15 بالمئة في الربع الثالث. كل هذه العوامل تمثل علامات على أن أوضاع الاقتصاد التركي لن يطرأ عليها أي تحسن.
وبينما لا تتوقف الحكومة الجديدة لحزب العدالة والتنمية عن إطلاق الوعود للمستثمرين بأنها ستبدأ إجراءات إصلاح اقتصادي طال انتظارها وستنتهج سياسة مالية أكثر حصافة، فإن الانتخابات المحلية المقررة في مارس 2019 تثير شكوكا حول إمكانية حدوث هذا.
إن حكومة حزب العدالة والتنمية الجديدة، المدعومة من حزب الحركة القومية اليميني - شريكها الجديد في الائتلاف البرلماني – بحاجة للإنفاق.
لكن الإنفاق دون دراسة في البيئة الحالية التي تسيطر على الاقتصاد العالمي – حيث تشهد الأسواق الناشئة تراجعا مع إقدام مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي لرفع أسعار الفائدة – سيتسبب في موجة هبوط لليرة بينما تفقد الحكومة المزيد من مصداقيتها.
بالتالي فإن الخيار الآخر الوحيد سيكون بالتأكيد ضمان تمويل خارجي لتحقيق النمو الاقتصادي.
في الوقت الذي يساعد فيه ارتفاع أسعار الفائدة على جذب بعض أشكال الاستثمار قصير الأجل، فإن تركيا بحاجة لاستثمارات حقيقية في صورة استثمار أجنبي مباشر من أجل الحفاظ على مستويات النمو.
لقد ساهمت العلاقات الوطيدة التي تربط عائلة أردوغان مع قطر في توفير أداة مفيدة لجلب عملة أجنبية وزيادة التجارة.
لكن تركيا بحاجة للمزيد من مبادرات التمويل التي لن تأتي على الأرجح من قطاعات الأعمال الغربية، والتي تأثرت بقرارات مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي رفع أسعار الفائدة، والتي أحجمت أساسا عن العمل في تركيا بسبب حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ نحو عامين وكذلك بسبب تراجع سيادة القانون في البلاد وسجلها الديمقراطي السيّئ.
غير أنه سيكون من المثير للغاية رؤية الطريقة التي سيتصرف حزب العدالة والتنمية للتودد إلى الصين من أجل جذب مصادر تمويل جديدة.
يقول السفير التركي الجديد لدى الصين، عبد القادر أمين أونين، إن حجم التجارة الحالي بين تركيا والصين يبلغ 28 مليار دولار، وإن تركيا تتطلع لزيادة الرقم إلى ما بين 50 ومئة مليار دولار.
ويضيف السفير التركي أن تركيا ستسعى بالتالي لجذب المزيد من الاستثمارات الصينية وتوقيع اتفاقيات ثنائية مع شركات صينية في مجالات مختلفة، تشمل أعمال تشييد في قطاع السكك الحديدية وإنشاء خطوط قطارات فائقة السرعة وزيادة عدد المستثمرين الصينيين في مشروعات عملاقة.

رسم توضيحي

بالطبع يتجلى أسهل طريق لمثل هذا التعاون في المشروع الصيني "مبادرة الحزام والطريق". إن هذا المشروع الذي يعرف ايضا باسم "حزام طريق الحرير الاقتصادي" أو "طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين" عبارة عن استراتيجية تنموية مقترحة من قبل الحكومة الصينية تركز على التواصل والتعاون بين بلدان أوروبية وآسيوية وأفريقية والصين.
في إطار هذه المبادرة، ضخت الشركات الصينية نحو 50 مليار دولار وساهمت في إنشاء 75 منطقة تعاون اقتصادي وتجاري في 24 بلدا.
ضخت الحكومة والشركات الصينية كذلك استثمارات في "مشاريع هائلة في مجال البنية التحتية"، ليس فقط في تركيا بل في العديد من البلدان الأخرى. من الأمثلة على هذه المشاريع ما يحدث في قطاعات السكك الحديدية والطاقة ومنشآت الموانئ.
كل هذه مجالات استثمار يسيل لها لعاب أردوغان.
في حالة ماليزيا على سبيل المثال، تم تنفيذ أربعة مشاريع كبرى في قطاع السكك الحديدية بتكلفة تقديرية تبلغ 40.3 مليار دولار في إطار مبادرة التمويل الصينية.
هذه الاستثمارات بدأت خلال العام الحالي. ويأمل أردوغان أن ينجح في جذب تمويل صيني مماثل.
خلال المراحل الأولية من تنفيذ "مبادرة الحزام والطريق"، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين إلى تركيا لم يشهد أي زيادة ملحوظة. فالاستثمارات الصينية المباشرة تتركز بالأساس في قطاعات التمويل والخدمات اللوجيستية والطاقة والتصنيع والاتصالات.

الصين مخصص توضيحي

خلال عام 2014، أتمت شركات صينية مملوكة للدولة الجزء الثاني من طريق سكك حديدية سريع في تركيا يربط أنقرة وإسطنبول من خلال قروض قيمتها 720 مليون دولار من بنك إكزيم الصيني.
وفي عام 2015، استحوذ البنك الصناعي والتجاري الصيني، وهو أكبر البنوك الصينية، على كامل حصة شركة (جي.إس.دي هولدينج) التركية في بنك تكستيل وقدرها 75.5 بالمئة مقابل 314 مليون دولار.
تلا هذه الاستثمارات ضخ 300 مليون دولار من قبل بنك (بي.أو.سي) الصيني، وهو سابع أكبر بنوك العالم وثالث أكبر البنوك الصينية، مقابل الموافقة على العمل في مجال الإيداع البنكي في تركيا.
وفي عام 2016، اشترت شركة (زد.تي.إي)، وهي كبرى الشركات الصينية المدردجة في قطاع معدات الاتصالات وتوفير حلول الشبكات، حصة قدرها 48 بالمئة من أسهم شركة الاتصالات التركية (نيتاس) مقابل 101.3 مليار دولار.
واستثمرت شركات الشحن والخدمات اللوجيستية الحكومية الصينية 940 مليون دولار في الاستحواذ على 65 بالمئة من أسهم شركة كومبورت، وهي ثالث أكبر شركة حاويات في تركيا.
وفي نهاية الأسبوع قبل الماضي، قررت شركة (علي بابا) الصينية العملاقة لخدمات الإنترنت الاستثمار في شركة ترينديول التركية للتجارة الإلكترونية.
وفي نهاية عام 2017، دعت حكومة حزب العدالة والتنمية وفدا صينيا إلى تركيا في مسعى للتعبير عن استعدادها للترويج للعلاقة مع الصين وتعميق التعاون الثنائي في إطار "مبادرة الحزام والطريق".
يقول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن بلاده، باعتبارها بلدا مهما في طريق الحرير القديم، مستعدة للعمل كجسر بين أوروبا والصين.
ولدى مشاركته في ندوة "مبادرة الحزام والطريق من أجل التعاون الدولي" التي عقدت في بكين العام الماضي، دعا أردوغان لدمج مشروع الممر الأوسط، وهو عبارة عن مسار للنقل من تركيا إلى آسيا الوسطى والصين، ليدخل في "مبادرة الحزام والطريق".
من المنطقي إذاً أن نتوقع أن يظل التعاون الصيني التركي على قوته خلال الفترة الأولى لحكومة حزب العدالة والتنمية الجديدة.
ويجدر هنا الإشارة إلى أن رؤوس الأموال القادمة من الغرب إلى تركيا، وخاصة من دول الاتحاد الأوروبي، لا تزال محدودة للغاية مقارنة بالتمويل القادم من الصين.
لكن، وبينما يبدو من المنطقي بالنسبة لأنقرة أن تلعب دورا متزايدا في المبادرة الصينية الجديدة، فإن تحويل القبلة صوب الصين وروسيا وقطر ربما لا يصبح أفضل الحلول.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: