أكرم أوناران
يونيو 20 2018

لعبة الأرقام لإخفاء البطالة الحقيقية في تركيا

تعلن الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء (TUİK) البيانات المتعلقة بالعمالة والبطالة بشكل منتظم شهريا. وتشكل بيانات تلك الهيئة مصدرًا أساسيًا للبطالة الرسمية، وتشتمل في الوقت نفسه على بيانات عن البطالة الحقيقية والفعلية، والعمالة غير الرسمية، والأسر العاملة بدون أجر، والاستغلال في التشغيل والذي يتركز على النساء، وفاقدي الأمل في العثور على فرصة عمل.
غير أن هذه البيانات غالبًا ما يتم إخفاؤها عبر جداول مختلفة. وعندما يتم تحليلها بعين متخصصة وبشكل تفصيلي فإن الفجوة ما بين البطالة الحقيقية وأرقام البطالة الرسمية وكذلك المشاكل المزمنة في سوق العمل والتشغيل تتكشف للعيان بشكل واضح.
رُصد أن الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء حين تقوم بتحديد نسبة البطالة تعتبر من بحثوا عن عمل خلال الأربعة أسابيع الماضية فحسب عاطلين عن العمل. بينما لا يُعتبرُ من العاطلين عن العمل من بحثوا عن عمل ووظائف قبل الأسابيع الأربعة الماضية ومن لم يبحثوا عن عمل بالرغم من كونهم عاطلين بالفعل. حيث يُصنَّفُ هؤلاء في فئة تُسمَّى "من لا يبحثون عن عمل ويكونون مستعدين له".
ولكن أرقام البطالة الحقيقية تظهر عندما يتم دراسة الفئة التي اعتبرتها الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء عاطلة عن العمل رسميًا و"من لا يبحثون عن عمل ويكونون مستعدين له".
إن أفراد الكتلة التي لا تبحث عن عمل وتكون مستعدة له حين يُسألون عما إذا كانوا يرغبون في العمل أم لا؟ يجيبون باستعدادهم للعمل والانخراط في وظيفة ما، إلا أنهم لا يُعتبرون عاطلين عن العمل نظرًا لأنهم لم يبحثوا عنه خلال الفترة الزمنية المحددة.
ووفقًا لبيانات الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء الخاصة بشهر فبراير 2018 بلغ العدد الرسمي للعاطلين عن العمل في تركيا 3 ملايين و354 ألف مواطن، بينما بلغ عدد المستعدين للعمل ولا يبحثون عنه 2 مليون و323 ألف مواطن. وعليه فإنه حين يتم النظر إلى العاطلين عن العمل الذين تعتبرهم الدولة عاطلين عنه وإلى العاطلين بالفعل غير أن الدولة لا تعتبرهم كذلك يتبين أن العدد الحقيقي للعاطلين عن العمل في تركيا يبلغ 5 ملايين و677 ألف شخص.
وفيما يتعلق بمعدلات البطالة فإنه إلى جانب معدل البطالة الرسمية الذي يبلغ 10.6 في المائة توجد فئة مستعدة للعمل ولكنها لا تبحث عنه تبلغ نسبتها 8 في المائة. وبناء على هذه البيانات يكون معدل البطالة الحقيقية 18.6 في المائة.
ويعاني سوق العمل في تركيا العديد من المشاكل المزمنة؛ يشكل أهمها "فاقدو الأمل في العثور على فرصة عمل". فالباحثون عن عمل لسنوات طويلة غالبًا ما يتخلون عن البحث حيث يفقدون الأمل في ذلك بعد فترة من الوقت. وهؤلاء لا تعتبرهم الحكومة عاطلين عن العمل؛ إذ صاروا لا يبحثون عن وظائف.
ووفقًا لبيانات الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء أيضًا فإن هناك 668 ألف شخص انضموا إلى قائمة فاقدي الأمل في العثور على عمل باعتبار شهر فبراير. وهذه الكتلة يتم تجاهلها حيث لا تعتبرها الدولة عاطلة عن العمل؛ بينما هي عاطلة عنه بالفعل منذ سنوات طويلة ويجب اتخاذ تدابير توظيفية وتشغيلية خاصة بشأنها.
وعندما ننظر عن كثب إلى سوق العمل في تركيا يتضح أن البطالة خرجت من كونها مشكلة مؤقتة لتصبح مشكلة مزمنة فيه؛ حيث إن 732 ألف شخص من عدد العاطلين عن العمل البالغ 3 ملايين و335 ألف شخص -حسبما تشير بيانات هيئة الإحصاء المعنية- يعانون البطالة لفترة أطول من سنة. هؤلاء الأشخاص يصنفون على أنهم "عاطلون عن العمل لفترة طويلة". بينما 540 ألف من هؤلاء يُصنفون عاطلين لفترة أطول من سنة واحدة، و127 ألف منهم لفترة أطول من عامين، و65 ألف منهم عاطلون لفترة أطول من 3 سنوات.
ووفقًا للبيانات نفسها أيضًا يتبين أن قسمًا مهمًا من هؤلاء العاطلين تعذر عليهم العثور على عمل من جديد خلال فترة قصيرة، وأن من فقدوا أعمالهم ظلوا يبحثون عن عمل لسنوات طويلة. ومما يشكل واحدة من أهم مشكلات سوق العمل في تركيا أيضًا عدم عثور 732 ألف شخص يمثلون نسبة الربع تقريبًُا من العاطلين على عمل لمدة أكثر من عام واحد.
كما أن العمالة غير الرسمية والتي تعني تشغيل العاملين بشكل غير قانوني دون تسجيل في مؤسسة الضمان الاجتماعي قد بلغت أبعادًا مخيفةً. وتشير بيانات الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء إلى أن 9 ملايين و78 ألف شخص من بين 28 مليون و166 ألف شخص يعملون بشكل غير رسمي وبدون ضمان اجتماعي ولا تأمين. ويبلغ معدل العمالة غير الرسمية 32.2 في المائة، وبعبارة أخرى يعمل بشكل غير رسمي واحد من بين كل ثلاثة عاملين.
يشار إلى أن الذكور يشكلون 5 ملايين و467 ألف شخص من بين العاملين بشكل غير رسمي، بينما يشكل الإناث 3 ملايين و611 ألفًا. وبينما تبلغ نسبة العمالة غير الرسمية للذكور 28.2 في المائة فإنها تبلغ 41.1 في المائة للإناث.
إن البيانات الرسمية للدولة تظهر أن جزءًا كبيرًا من العمالة في تركيا غير مسجل، ويتم تشغيلهم دون ضمان اجتماعي، ولا تأمين. وبينما يشكل هذا الوضع سببًا مهمًا في حوادث العمل فإن ظاهرة انتشار استغلال العمال والعاملين تشكل تهديدًا خطيرًا لنجاح العمل.
وثمة بعد آخر للعمالة غير الرسمية يتمثل في ارتفاع نسبة استغلال العمال من الإناث. فنسبة العمالة غير الرسمية من الإناث 41.1 في المائة، وهو ما يعني أن امرأة واحدة تقريبًا من بين كل امرأتين تعمل بدون تأمين ولا ضمان اجتماعي. وإلى جانب التوظيف غير الرسمي للإناث يأتي انخفاض الأجور والتشويش على قائمة المشاكل الرئيسية.
ومن الملاحظ أن نسبة البطالة في الشباب والمتعلمين في تركيا تتزايد باستمرار. وتظهر بيانات الهيئة التركية للتعبئة والإحصاء أن الشباب الأتراك في الفئة العمرية 15-24 يشكلون 19 في المائة من نسبة البطالة. وهذا المشهد يكشف أن هناك شابا واحدا عاطلا عن العمل من بين كل خمسة شباب أتراك. بالإضافة إلى أن نسبة الشباب لا تبلغ 22.8 في المائة لا في التعليم ولا في سوق العمل.
وبينما يبلغ معدل البطالة بين خرجي الجامعات 11.4 في المائة يلفت الانتباه أن هذه النسبة تبلغ 16 في المائة بالنسبة للإناث. هذه البيانات تظهر أن الشباب والمتعلمين الذين دائما ما يفتخر السياسيون بهم في كل فرصة قائلين "إنهم أكبر ثرواتنا" يعانون بين شقي رحى البطالة. إن فئة الشباب المتخرجين من الجامعة والذين يحلمون بالعثور على عمل وتكوين أسرة يعانون انهيارًا نفسيًا بسبب البطالة طويلة الأمد.
ووفقًا لبيانات هيئة التعبئة والإحصاء فهناك 2 مليون و758 ألفًا من الأسر العاملة بدون أجر. يعملون بشكل غير رسمي ودون الحصول على دخل. وبالرغم من هذا لا يتم قبولهم كعاطلين عن العمل.
إن تشكيل الأسر العاملة بدون أجر نسبة 2 مليون و758 ألفًا تقريبًا من سوق العمل في تركيا يلفت الانتباه كنقطة مهمة يجب الوقوف عندها. وتبلغ نسبة الأسر العاملة بدون أجر 9.8 في المائة، وعندما نتذكر أن نسبة البطالة 10.6 في المائة يتضح أن نسبة الأسر العاملة بدون أجر تشكل كتلة كبيرة مثل العاطلين عن العمل.
إن قبول الأسر العاملة بدون أجر ضمن سوق العمل يجعل نسبة البطالة تبدو منخفضة. غير أنه يستحيل الحديث هنا عن توظيف وعمل حقيقي. ففي حالة اعتبار هذه الكتلة عاطلة عن العمل يصل عدد العاطلين إلى 9 ملايين.
وهذا الجدول يتجاوز البيانات والأرقام الرسمية للبطالة في تركيا، ويكشف أن البطالة في تركيا مشكلة أكثر تعقيدًا وعمقًا.
وإلى جانب وجود كتلة تبلغ حوالي 2.5 مليون فرد لا تعتبرها الدولة عاطلة عن العمل إلا أنها عاطلة بالفعل، وقد فقد جزء كبير منها الأمل في العثور على فرصة عمل، فإن العمالة غير الرسمية، واستغلال العمال المتمركز في الإناث، وتشغيل الأسر بدون أجر، والبطالة المرتفعة لدى الشباب والمتعلمين والبطالة الطويلة الأمد هي أبرز المشاكل في سوق العمل التركية. فمشكلة البطالة التي أصبحت مزمنة تشكل أرضية خصبة لحدوث مشاكل اجتماعية خطيرة.
من جانب آخر تشتعل الميادين بسرعة على بعد أيام من انتخابات 24 يونيو، ولا يفتأ المرشحون الرئاسيون والأحزاب يكررون وعودهم الانتخابية. ومع أن البيانات الانتخابية لهؤلاء تحتوي وعودًا شتى بمكافحة البطالة والحد منها إلا أنها لا تذكر حلولًا مفصلة تتعلق بكيفية تحقيق تلك الوعود وتجاوز هذه المشكلات المزمنة.
الغموض هو الأبرز فيما يتعلق بكيفية تحقيق التوظيف في ظل وجود ما يتجاوز 6 ملايين عاطل عن العمل، والظروف الاقتصادية التي تتقلص بسرعة. ولا سيما أن كيفية منع تفاقم مشكلة البطالة التي تتزايد بسرعة في المتعلمين والشباب تأتي على رأس الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة ناجعة.
إن الأسر العاملة بدون أجر، ومن لا يبحثون عن عمل لفقدهم الأمل فيه، والعاطلين عن العمل لسنوات طويلة والتوظيف غير الرسمي؛ كل هذه مشكلات تنتظر حلًا.
ومن الظاهر أن الأحزاب والمرشحون الرئاسيون يلفتون الانتباه بوعودهم المتعلقة بالرأي العام على الأكثر والتشغيل المحدود. ولكنه لا يخفى ما للزيادة المفرطة في التوظيف العام من تأثير خطير على توازنات وأرصدة الاقتصاد الكلي لأنها ستزيد من الحصة المخصصة من الميزانية العامة لرواتب العاملين.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/issizlik/issizlik-rakamlari-gercegi-yansitmiyor-cunku-aramayan-issiz-sayilmiyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.