لغز تركيا مع إيران

حقيقة أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في حالة سيئة بشكل رهيب لا تعني أنها لن تتفاقم إلى ما هو أسوأ. والمثال على ذلك هو الخلاف الذي يلوح في الأفق بشأن إيران. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو هذا الأسبوع أن واشنطن قررت إنها الإعفاءات التي كانت مدتها 180 يوماً والتي كانت تسمح لثماني دول باستيراد النفط من إيران على الرغم من العقوبات.
بدءاً من الثاني من مايو، يواجه كل من يشتري النفط الخام من الجمهورية الإسلامية خطر التعرض للعقوبات الأميركية. تركيا واحدة من البلدان المتضررة، إلى جانب الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. إيران مورد رئيسي للنفط الخام للاقتصاد التركي. ففي عام 2017، كانت أكبر مورد لتركيا إذ وردت 11.5 مليون طن من إجمالي 25.8 مليون طن. بالإضافة إلى ذلك، تقدم إيران 20 في المئة من واردات الغاز الطبيعي إلى تركيا.
تزيد الخطوة الأميركية الضغط على طهران، لكنها تمثل نبأً سيئاً بالنسبة للقيادة التركية. في الآونة الأخيرة خلال الأسبوع الماضي، أصر إبراهيم كالين المتحدث باسم الرئاسة التركية على أن أنقرة تتوقع تمديد الإعفاء. الآن يبدو الأمر كما لو أن الولايات المتحدة تجاهلت طلبات تركيا.
وقد انتقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الأمر قائلاً "لماذا تضغطون على الدول الأخرى؟ اتخذ الإجراءات الخاصة بك. لماذا يتعين على الدول الأخرى الامتثال لقراراتك الانفرادية؟"
قاومت تركيا أيضاً الاقتراحات الأميركية التي تشير إلى إمكانية اللجوء إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتعويض خسارة الواردات الإيرانية. بالنظر إلى التوتر في علاقات تركيا مع السعوديين في أعقاب اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول في أكتوبر من العام الماضي، فإن الاقتراح الأميركي من وجهة نظر تركيا يزيد الطين بلة.
أشار جاويش أوغلو إلى أن النفط الإيراني لم يكن رخيصاً، لكنه قال إن دول الخليج تضيف علاوة سعرية. وطرح جاويش أوغلو سؤالاً في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية التركية "لماذا يجب أن ندفع الثمن؟"
ثمة قضية يجب طرحها تتمثل في أن تركيا إذا كانت ستقلص واردات النفط من إيران، فإن ذلك سيكون له عواقب وخيمة. على أي حال، كانت إمدادات النفط الإيرانية تتراجع. ففي الفترة من يونيو إلى نوفمبر 2018، قبل أن تعلن الولايات المتحدة عن فرض العقوبات، تقلصت الواردات بمقدار يزيد على النصف، من 6500 مليون طن إلى 2999 مليون طن. عوض العراق وروسيا هذا التراجع في الواردات. وحتى إذا زادت الإمدادات من إيران في الأشهر الماضية، بعد حصول تركيا على الإعفاء لمدة 180 يوماً، فقد فقدت إيران صدارتها السابقة وأصبحت الآن ثالث أكبر مورد لتركيا، في حين تصدر العراق القائمة.
بعبارة أخرى، لدى تركيا مجموعة متنوعة من الخيارات. من أكثر الأمور خطورة بالنسبة لأنقرة ارتفاع أسعار النفط، المدفوع بحالة عدم اليقين السياسي. إلى جانب انخفاض قيمة الليرة، فإن ارتفاع أسعار النفط يعني عبئاً إضافياً على اقتصاد تركيا المتعثر بالفعل.
يتمثل المحك بالنسبة لتركيا، في التحليل النهائي، في الجغرافيا السياسية. لا يمكن للرئيس رجب طيب أردوغان أن يقف إلى جانب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران. فقد تحولت الجمهورية الإسلامية إلى جانب روسيا من خصم إلى شريك أساسي في إدارة الأزمة في سوريا. وكانت عملية أستانا أفضل رهان لتأكيد نفوذها في البلد الذي مزقته الحرب واحتواء الأكراد السوريين. بالإضافة إلى ذلك، تضافرت جهود إيران مع تركيا في التصدي لحكومة إقليم كردستان العراق بعد الاستفتاء على الاستقلال الذي أجري في أكتوبر 2017.
وفي حين برزت الولايات المتحدة كحليف رئيس للأكراد في المنطقة وتفضل روسيا عدم تقديم الدعم لأي طرف، اتحدت تركيا وإيران في دعمهما للوضع الراهن. بالعودة إلى الوراء، اختارت أنقرة بثبات الانخراط بدلاً من احتواء إيران. فيتذكر المرء محاولة تركيا والبرازيل الفاشلة في عام 2010 للتوسط في القضية النووية الإيرانية، أو في واقع الأمر خطة خرق العقوبات التي تضم رجل الأعمال وتاجر الذهب الإيراني - التركي رضا ضراب وبنك خلق التركي المملوك للدولة. لا تزال تركيا وإيران خصمتين بلا شك، لكن ثمة قدراً من التفاهم في علاقتهما.
الورقة الرابحة في هذه المعادلة هي الولايات المتحدة. ربما نكون على وشك الاقتراب من صدام شديد في العلاقات مع تركيا بسبب النزاع بشأن شراء تركيا لنظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي إس-400. بقدر ما يعتقد أردوغان أنه قادر على حل الأمور من خلال صفقة شخصية مع ترامب، هناك دلائل مشجعة لا تذكر على أن التسوية ممكنة. في حال رفضت تركيا تغيير مسارها بشأن إيران وصعدت خطابها، فإن الكونغرس وكذلك الصقور داخل الإدارة الأميركية سيكون لديهم حجج إضافية لتبرير إخضاع حليف محوري في حلف شمال الأطلسي (الناتو) للعقوبات الأميركية.
في حين يعمل خطاب أردوغان على التوازن بين الولايات المتحدة وخصومها مثل روسيا وإيران، إلا أنه مع ذلك، فإن كراهية قطع العلاقات مع الغرب سيكون لها تأثيرها. من غير المرجح أن تؤدي تعاملات أنقرة مع طهران إلى تقويض العلاقات الأميركية التركية. لكن الوقوف إلى جانب كل من روسيا وإيران ضد الولايات المتحدة قد يزيد التوترات إلى مستوى جديد تماماً.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-usa/turkeys-iran-conundrum
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.