Nesrin Nas
يناير 31 2018

لقد نصبوا المشانق لدعاة السلام في تركيا

هناك خيار سياسي سواء في الحرب أو في السلام.
البعض يعتبر الحرب أو السلام "أولوية قومية" مطلقة ويضع بناء عليها كل اختياراته السياسية.
وفي الدول الديمقراطية تتحدد الأولويات الوطنية من خلال مناقشات نوابها ومواءماتهم في المجالس الوطنية.
كما يشارك الشعب في كل من مراحل هذا النقاش من خلال إعلام حر نزيه فيما تسعى الحكومات لعقد تحالفات.
لكن سيظل من غير المرجح أن يقف الجميع، سياسيا، في خندق واحد.
يمكن القول إن الحرية التي يتمتع بها الفرد لمعارضة الحكومة المنتخبة ولامتلاك وسائل القدرة على الجهر بآرائه المعارضة دون خوف من شأنها أن تعزز- ليس فقط الطبيعة الديمقراطية للنظام- بل وتدعم شرعية أي إدارة منتخبة.
وفوق ذلك فإن الانتقادات ترشد الحكومات إلى "سبيل للخروج" حين تصل بهم سياساتهم إلى مفترق طرق.
أما في ظل الحكم الاستبدادي أو حكم الفرد فإن شخصا واحدا أو مجموعة واحدة أو حزبا واحدا يتولى مهمة تحديد الأولويات القومية. وما أن تتقرر الأولوية بالنسبة للأمة فإن هذا الطرف الواحد لا يسمح لغيره بأي معارضة أو اختلاف. في ظل حكم الفرد لا يصبح هناك مجال لأي مناقشة أو محاولات إقناع أو مصالحة بل تسود فقط الأوامر والتوجيهات وعمليات الإكراه والتخويف.
لم يبدأ الهجوم التركي على منطقة عفرين السورية التي يسيطر عليها الأكراد بالقصف بل بدأ من خلال تنحية البرلمان والشعب عن المناقشات وإصدار الأوامر لوسائل الإعلام بألا تنشر سوى "وجهات النظر الرسمية" وإقصاء كل ما تبقى من ديمقراطيتنا.
حالة الطوارئ في تركيا تحولت إلى أحكام عرفية.
وكان طبيعيا أن يبدأ استخدام جميع الأدوات التي من شأنها إسكات وقمع من ينادون بالحوار والمصالحة حلا لمختلف النزاعات.
رأينا كيف تشكّل تحالف واسع، من النخبة السياسية إلى وسائل الإعلام الموالية للحكومة ومن نقيب المحامين إلى مؤيدي الحكومة من عموم الناس. كل هؤلاء شنوا حملة لسحق دعاة السلام والتنديد بهم.
اعتقل صحفيون وسياسيون وبلغ الأمر بصحفي تلفزيوني أن طالب المشاهدين بإطلاق النار على دعاة السلام. ومن أرادوا البقاء محايدين أرغموا على إعلان دعمهم للعملية عبر شاشات التلفزيون.
لكن، ووفقا لنص المادة 25 من الدستور- الذي لا يزال ساريا- وعنوانها "حرية الفكر والتعبير" فإن " لكل فرد الحق في حرية الفكر والرأي. ولا يجوز إجبار أحد على الكشف عن أفكاره وآرائه لأي سبب أو غرض، ولا يجوز لوم أي شخص أو اتهامه بسبب أفكاره وآرائه."
والأمر أصعب على من يجهرون بالمعارضة.
تجرأ البعض فبعثوا برسالة إلى نواب برلمانيين وواجه زعماء حزبيون هجوما عبر وسائل إعلام.
كتبوا في الخطاب "نريد في بلدنا وفي المنطقة السلام لا الحرب. إننا نعتقد أن أفضل سبيل لحماية حدودنا والحفاظ على وحدتنا كبلد هو تعزيز العلاقات مع جيراننا في الإقليم. نحن على يقين- وندرك من خلال تجاربنا- أن تحقيق أمننا القومي ممكن من خلال التفاوض والتعاون المشترك وليس على حساب حياة شبابنا وشن الحروب التي ستشرد عشرات الآلاف من العائلات وتتركهم في حالة من اليأس".
ولم تسلم نقابة الأطباء التركية من الانتقادات لمجرد مناداتها بالسلام.
يحدث كل هذا رغم أن دستورنا ينص على أنه "لجميع المواطنين الأتراك.. الحق في المطالبة بحياة سلمية.. والرغبة في والإيمان بمبدأ ‘السلام في الوطن، سلام في العالم’."
ليس هذا فحسب بل إن البند الأول من المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحقوق السياسية الصادر عن الأمم المتحدة والذي وقعت عليه تركيا ينص على أن ضرورة حظر الدعاية للحروب في القوانين.
وفوق ذلك فإن الأمم المتحدة أقرت في عام 1978 اعتبار الحياة السلمية "أحد المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان". وفي عام 1984، اعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن "حق الناس في السلام" يعد "حقا مقدسا" وصنفته "واجبا مقدسا للدولة".
وفي عام 2000 وقعت تركيا على ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الشعوب وأقرته في عام 2003 أي بعد وصول حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة في عام 2002.
وفي عام 2004 عدلت تركيا المادة 90 من الدستور لتصبح للاتفاقيات الدولية قوة القانون وباتت تجب القوانين المحلية.
ورغم هذا أصبح كل من يرغب في الدعوة للسلام اليوم هدفا للحزب الحاكم ولأنصاره ومؤيديه بل وجاء الهجوم من زعيم المعارضة الرئيسية الذي أعلن على مضض دعمه للعملية في عفرين. بات أدنى قدر من الانتقاد يقابل بإدانة.
طالت حملات الاعتقال أناسا من كل الأعمار والانتماءات لمجرد إبداء أي قدر من المعارضة.
في مثل هذه الأوقات لا يصبح حتى الصمت مقبولا من الحكومة بل ولن ترضى إلا بأن تقول، نصا، ما تريد هي سماعه.
باتت المشانق معلقة لأولئك الذين يتجرؤون فيصيحون "لا تقتلوا أبناءنا".. لمن يذهبون لأداء صلاة الجمعة.. لمن يركبون الحافلات ولمن تتمثل رغبتهم في مجرد البقاء على الحياد.
ومن البادي أن الحملة الحالية من الهجوم اللفظي من قبل أنصار الحكومة ستتحول إلى اعتداء بدني بالنظر للحصانة الواضحة التي يحصلون عليها بموجب الأمر التنفيذي 696 الصادر في أواخر العام الماضي.
لقد ترسخ في عقيدة حكام تركيا إحساس بحصار يفرضه أعداء في الداخل ومن الخارج وباتوا يردون بغضب شديد على كل تحذير أو انتقاد أو رأي مختلف.
ولأنهم يصمون كل صاحب تحذير بالخيانة باعتباره غير مدرك ولا مقدر لعظمة تركيا، فإنهم لا يستطيعون أن يروا كيف أنهم بأفعالهم وبخطاباتهم هذه يسممون السلم الاجتماعي والعلاقات الدولية للدولة.
وكما قالها إدموند في المسرحية الخالدة "الملك لير" للراحل العظيم وليام شكسبير:
"هذا مثال شديد الوضوح على حمق العالم: حين نسقط وهذا يكون غالبا من أعمالنا.. فإننا نلقي باللوم كله على الشمس والقمر والنجوم.. وكأنها مكرهة على الشر أو كأنما خلقنا نحن لنتصرف بخسة أو بغباء."
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: