هشام النجار
فبراير 12 2018

للصحافة العربية.. حوارات غولن خداع وتضليل وترويج أوهام

الوضع الحالي يمنح غولن وتياره فرصة الترويج لأنفسهم كجناح أكثر اعتدالًا، وبالفعل وجد المناخ ملائمًا ليحقق بعض النجاح في إعفاء نفسه من مسؤولية الإسهام في الكوارث التي حاقت بالمشهد التركي.
اللافت أن هناك من وسائل الإعلام والصحف العربية وغيرها من يدعم هذا التوجه، وقرأت حوارات لغولن في صحف مصرية يقدم نفسه فيها كبريء تمامًا وكجناح "ديمقراطي" وقعت عليه مظالم التهميش والإقصاء والسطو على الممتلكات.
هذا الطرح لا يقل خطورة عن ترويج الإخوان لأردوغان كخليفة وقديس نزل من السماء لإنقاذ الأمة، لأن تصرفات الرئيس التركي باتت مكشوفة ومقروءة لغالبية الجمهور العربي، بعكس غولن الذي يدس السم في الدسم.
ما يجب فهمه أن الصراع بين أردوغان وغولن هو فقط المشهد الأخير من الأحداث والذي يركز عليه غولن في حواراته، بينما الحقيقة أنه محصلة استباقية كان واردًا أن تصب في مصلحة الأخير لو كان هو الأسبق.
ومعنى كونه محصلة، أي أن التيارين اشتركا وتعاونا في السيطرة على مؤسسات الدولة التركية وكان دور تيار غولن هو الأكبر، وعندما حان توقيت الحسم لمن تكون الغنيمة النهائية كان أردوغان الأسبق في الحسم. 
لكنه ما كان ليصل لهذه النتيجة لولا جهود تيار غولن منذ البداية في التغلغل وشراء الولاءات وتحجيم دور المؤسسات السيادية وتهميش دور المؤسسة العسكرية السياسي.
ما جرى ليس جديدًا على تيار الإسلام السياسي بل هو السيناريو المكرر دائمًا مع معظم نسخه في البلاد التي وصل فيها فصيل من فصائله إلى السلطة، كما حدث في السودان وأفغانستان.. إلخ؛ حيث تتحالف مكونات من هذا التيار وتتشارك في مسار إضعاف خصوم مشتركين، ولما تتحقق المهمة تتصارع الفصائل الإسلامية فيما بينها لحسم من ينفرد بكعكة السلطة وحده.
الآن تحتفي الصحف العربية بغولن ربما لإغاظة أردوغان والظن بأن إفساح الطريق لغولن والخدمة هو تضييق على الإخوان وفصائل الإسلام السياسي، وهذا وهم كبير ينبغي إنقاذ الفضاء العربي من العيش فيه.
للأسف تقع بعض الدوائر الإعلامية والبعض من الصحف في الفخ ولا أظن أن هذا هو حال المؤسسات والنخب المطلعة على عمق الأحداث والمستوعبة لمناهج وتصورات وأهداف مجمل فصائل الإسلام السياسي بمن فيهم تيار غولن.
يروج غولن في حواراته كونه وتياره خارج الإسلام السياسي وأنه بعيد كل البعد عن الارتباط بهذا الوصف، وما دام طرحه يقدم في حوارات تحتل مساحات كبيرة من الصحف دون نقد وتفنيد، فهو عرضة للقبول والتصديق من قطاع واسع من الجماهير.
أرى أن الإعلامي والصحافي لابد وأن يرتقيا لمستوى أعلى في المعالجة خاصة بشأن ملفات الإسلام السياسي الشائكة، ومع دهاة هذا التيار المتمرسين. 
غولن يمتطي وسائل الإعلام لتبرئة نفسه وتياره أولًا، ولجعلها منصة دعائية للترويج لخدعة أخرى تمنح تياره فرصة قبوله ومن ثم احتضانه بدون هواجس ليتمكن من إدارة معركته مع أردوغان وربما العودة لاحقًا للمشهد مع المتغيرات التي من الوارد أن تطرأ عليه في أية ساعة.
ما ينبغي رصده الإجابة على الأسئلة المنهجية المتعلقة بتيار غولن وكشفها للرأي العام، كونه نسخة فائقة الخطورة، فهي التي تمكنت من إنجاز ما لم تقدر عليه جماعة عمرها يقارب المائة عام وهي أم الإسلام السياسي، وأعني بها جماعة الإخوان.
ما وصل إليه أردوغان في تركيا لم يكن بمجهودات التنظيم الدولي للإخوان ولا بمجهودات حزبه ومؤيديه منفردة، بل الدور الأكبر لعبته جماعة غولن، لذا فهي دون مواربة جماعة أعاقت التحول الديمقراطي وأضعفت مؤسسات الدولة ومناعتها ضد الحكم الفردي، وضد أكاذيب وتهويمات فصائل الإسلام السياسي الأخرى.
لا أجد وصف التنظيم الموازي الذي يفضل مؤيدو الرئيس التركي والإعلام الموالي له لصقه بجماعة غولن مناسبًا؛ فهو يناسب أكثر جماعة الإخوان في مصر لكونها شكلت مؤسسات وكيانات موازية خارج مؤسسات الدولة تقوم بأدوار شبيهة بأدوارها من أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بل وأخيرًا عسكرية فهي تلجأ لاستعادة خلاياها المسلحة السرية وقت الحاجة وحسب الظروف.

غولن

أما تيار غولن فهو أخطر شأنًا من الإخوان ومن الأولى وصفه بالمتغلغل أو المخترق لأنه استطاع الدخول إلى عمق المؤسسات ذاتها ولم يكتف كما في حالة الإخوان بكيانات موازية.
الرواية صارت معروفة للجميع لكن لا يطالعها القارئ العربي بصحبة حوارات غولن، تلك المتعلقة بالتدرج شيئًا فشيئًا من أسفل إلى أعلى ونشر الموالين للتنظيم الأكثر سرية وغموضًا في أكثر مؤسسات الدولة حساسية وخطورة حتى صار له نفوذًا داخل أجهزة المخابرات الوطنية.
والهدف من التسلل إلى عمق جهاز الشرطة ومؤسسة الجيش والأجهزة الرقابية والقضاء، لا يمكن أن يهدف كما هو معلن في أدبيات التنظيم لترويج الإسلام المعتدل والدفاع عن قيم التسامح والرحمة، إنما هو التغيير باتجاه الأسلمة من أسفل وصولًا لمستوى قوة معين يسمح بإطلاق إشارة القائد عند توفر الفرصة المواتية للانقضاض بالكامل على السلطة والإمساك بها من أعلى أيضًا.
لم تكن تركيا لتبصر واقعًا مختلفًا كثيرًا عما هو الآن إذا سارت الأمور لصالح تيار غولن؛ فكلا التيارين أيديولوجيتهما واحدة من زاوية تمجيد الماضي العثماني وإعلاء الهوية القومية التركية، وتحالفا بمعنى التوافق السياسي بشأن قضايا وملفات عدة.
كلاهما لديه تنظيم وعندما يوجد التنظيم أيًا كانت مرجعيته تقدم مصلحته على المصلحة العامة وعلى المصالح الوطنية، وإلا فالفساد الذي كانت تعاني منه الدولة التركية كان يرعاه تنظيم غولن عندما كان نفوذه ضاربًا في جذور مؤسسات الدولة.
أين كانت مصلحة الأمة التركية وقتئذ في مجابهة الفساد والفاسدين وقد انضم للتنظيم رجال أعمال للاستفادة من المكاسب وجني الأرباح وحيازة الأولوية في إرساء المناقصات وتخصيص الأراضي لإقامة المشاريع وبناء العقارات؟
لم يكشف تيار غولن الفساد إلا لهدف محدد وفي توقيت خاص يحمل دلالات الاغترار بالقوة وامتلاك أدوات النفوذ كمؤشر لاقتراب مرحلة التغيير الفوقي.
ولم تكن جماعة غولن ستتولى السلطة بشكل مباشر عندما تتمكن من تحقيق هذا الهدف لكنها ستقف وراء تصعيد كيان آخر وأحزاب تمكنت من النفاذ داخل مراكز قرارها.
وهنا جانب آخر من خطورة الحركة؛ فهي حريصة على أن تظل في خلفية المشهد وأن تبقي على سرية أنشطتها وألا تقود هي المسار السياسي وألا تتصدر مشهد الزعامة السياسية بشكل مباشر.
هذا يتيح لها الاستمرارية، فحتى الحكومة المنتخبة الفاسدة والتي ارتكبت أخطاء يمكن إسقاطها عاجلًا أو آجلًا، أما وصاية التنظيم السري فمن الصعب إنهاؤها.
جماعة غولن خططت أن تشتغل بالسياسة لكن دون أن تسقط أو تخسر شأن جميع الأحزاب والسياسيين المعرضين للخسارة والهزيمة في مرحلة من المراحل. 
وخططت أن تتلوث بكل خطايا السياسة وتربح من ورائها وتحوز مكتسباتها المادية الهائلة، لكن دون أن تتعرض للمساءلة أو تتحمل مسؤولية كوارث سببتها.
التنظيم الذي يحرص على ألا تكون له واجهة سياسية معلنة ويروج لكونه خارج الإسلام السياسي، يشتغل على هذا الملف بطريقة مبتكرة لم يسبقه بها أحد، وهي التي تتيح له البقاء في المشهد وفي العمق وفي مركز إدارة الأحداث لكن دون أن يتغير مع تغير الحكومات وتبدل الأنظمة.
إذن أين الديمقراطية التي يزعم غولن تبنيها في حواراته بالصحف العربية والمصرية وقد تبنى وسعى لدولة مرشدية يقودها مرشد ديني من الظل ومن خلف ستار؟ 
وأين الشفافية وقيم الإيثار والروحانية التي يتقمصها في أحاديثه وهو وظف هذه التعاليم السامية لأغراض أخرى غير التي خلقت لها، تلك التي يتنازع عليها حاليًا مع الرئيس التركي ونظامه؟
لا يهم هنا من سبق للسيطرة وهزم الآخر فالنتيجة واحدة؛ إنما المهم هو ما آلت إليه ممارسات تنظيم الخدمة وما سببته للدولة التركية، فلا شك أن اختراق غولن للمؤسسات وما تبعه من سعي أردوغان لطرد أتباعه منها أو القبض عليهم قد أدى في النهاية لإضعافها.
زرع خلايا نائمة ونشطة تابعة لتنظيم ما مؤداه النهائي  إضعاف المؤسسات عبر انقسامها على نفسها والدخول في صراعات التصفية والتطهير لحسم ولائها الكامل لحساب طرف على آخر، وهو ما جرى فعليًا في تركيا.
الضرر الأكبر هو خلق المبرر لحكم الفرد؛ فأردوغان لا يضرب ذات اليمين وذات الشمال لتقويض النظام الجمهوري بتركيا مثل البلدوزر –بتعبير الإيكونومست- إلا بعد أن مهد تيار غولن الطريق بإضعاف مناعة مؤسسات الدولة وإضعاف دورها أولًا. 
وبحصر المنافسة بين فصائل الإسلام السياسي وتهميش أدوار القوى والتيارات الأخرى، مما أتاح لأحدهما أن يستخدم الآخر كفزاعة، وأن يصعد على ظهره ليهيمن بشكل كامل على مفاصل السلطة.