لماذا أكتب في موقع "أحوال تركية"

اعتاد بعض أبناء مدينة إسطنبول، الذين يسكنون مدينة طرابزون، على الالتقاء بين الحين والآخر، والذهاب لتناول وجبة الفاصوليا الجافة في أحد المطاعم المحلية المشهورة بتقديم هذا النوع من الطعام.

كان هذا المطعم هو أفضل مطاعم المدينة، التي تقدم هذا النوع من الطعام؛ فما إأن تبدأ في تناول طعامك هناك، حتى تتأكد أن الشهرة التي اكتسبها لم تأتِ من فراغ.

الطعام هناك على درجة عالية من الجودة بالفعل... فالأمر برمته لا يستغرق منك أكثر من نصف ساعة، حتى تكون قد التهمت كل ما في الأطباق الموضوعة أمامك؛ من فاصوليا وأرز ومخللات ومُشهيات وبصل. 

بلغ الأمر بأحد الأطباء الشبان، الذين ترددوا بكثرة على المكان لتناول الطعام هناك، إلى القول "والله لن أضيع الفرصة، وسأذهب لأسأل عن الطريقة التي يطهون بها هذا الطعام اللذيذ، فهذا أمر لا يُصدَّق. ماذا يضعون في الطعام، هل من الممكن أن تصنع الصلصة والبصل كل هذا الطعم الرائع ؟!"، وبالفعل اعتدل واقفاً، ومسح فوق بطنه، واتجه مباشرة صوب المطبخ، حيث يجري إعداد الطعام.

وفي الداخل، وجد الطبيب الشاب أن صاحب المطعم، ويدعى أيارلي  مصطفى، هو نفسه رئيس الطهاة في المطعم. نظر إليه الشاب، وهو يقلب الطعام الموضوع على الموقد الضخم، وتوجه إليه بالسؤال، وهو لا يزال يضع يده فوق بطنه قائلاً:

"سيدي، أقسمت عليك أن تخبرني كيف تصنعون هذا المذاق الرائع الذي نجده في الطعام لديكم؟"

أجابه أيارلي مصطفى بتلقائية، ودون أن يتوقف عن العمل، قائلاً:

"وهل يَعظُم هذا علينا، هذا هو سؤالي لك..."

ما زلت أفكر في هذه الحكاية، بعد مرور عام على انطلاق موقع "أحوال تركية"، عندما اقترحوا علينا أن نكتب مقالات في هذا الإطار...  

لأن رد صاحب المطعم كان كوميدياً، ومعبراً في الوقت نفسه...

أنا أيضا سألت نفسي، لماذا لا أفعل، لماذا لا أكتب؟

لماذا لا أكتب في أي مكان؛ في قناة سي. إن. إن تورك، أو ميد نوجه، أو بوغون تي. في.، أو في قناة آي. إم. سي.، أو قناة سمان يولو، أو أرتي تي. في.، أو في صحيفة أغوس، أو مجلة كافا، أو في مجلة أو. تي. لماذا لا أكتب في قناة دويتشه فيله الناطقة بالتركية، أو حتى في تويتر...؟

لماذا لا أكون مقدم برامج، أو أحل ضيفاً على أحد البرامج لأعلق على أحد الأخبار، أو أكتب مقالاً أو دراسة في صحيفة من الصحف؟

لماذا لا أؤلف كتاباً، أو أوضع سيناريو لمسرحية أو فيلم. لماذا لا أعكف على تأليف قصة أو رواية...؟

أنا أيضاً جاهز لأغني إذا كان صوتي جميلاً، ولم يسئ الأمر إليَّ؛ لأن ما أقوله، وما أكتبه سيظل جزءاً من تاريخنا، ولن يقتصر على السياق الذي قيل فيه. نعلم هذا، هذا ما يحدث دائماً.

عندما بدأت عملي في برنامج إخباري مع السيدة نازلي على شاشة تلفزيون بوغون تي. في لم يتفوه مدير التحرير طارق طوروس بكلمة واحدة، وأنا أعلق على ما ورد في نشرة الأخبار التي بُثت قبل قليل بقولي "اللغة التي كُتبت بها الأخبار كانت لغة حرب، إنها معادية للأكراد، لا يجب أن يسير الأمر على هذا النحو، هذا أمر معيب..."، أو في البرامج الأخرى، التي كانت تتحدث عن صلاح الدين دميرطاش، أو أوميت أوزداغ، أو أنيس بربرأوغلو.

قلت لهم، تذكروا أن الله موجود بأعلى، وأنا لن أقول الكذب، أو أي شيء ينافي الحقيقة...

وخلال عملي في قناة ميد نوجه، لم يعارضني أي من العاملين في القنوات الكردية، عندما تحدثت عن فقدان طفل كردي لحياته خلال إحدى العمليات، التي قام بها حزب العمال الكردستاني المسلح.

الشعب التركي كان شاهداً على هذا كله...

لم يختلف الأمر عندما عملت في صحيفة "طرف"؛ فلم تتحدث معي رئيسة التحرير، نشأة دوزال،  بكلمة واحدة بشأن الأسئلة، التي أعددتها من أجل الحوار الصحفي، الذي كنت سأجريه مع كمال كليجدار أوغلو، أو مقالاتي عن أمري أوصلو، أو عن فؤاد يلمازر، أو إيتيان محجوبيان..

لم يحدث في حياتي أن وجه أحدٌ النقد لأحاديثي وكتاباتي، مثلما حدث مع أخينا أيوب في قناة آي. إم. سي، والسيد أردال في صحيفة ديكان، وتولغا جانداش في مجلة كافا، والسيد أرطغرل في مجلة أو. تي، وجان دوندار في أوزغوروز، وأحمد هاكان في قناة سي. إن. إن تورك، وبال جيجك في قناة خبر تورك التلفزيونية.  

لهذا السبب، كنت أكتب، وأتحدث في كل مكان، لم أكن أعبأ بالمصالح الخاصة لصاحب المؤسسة، أو بالضغط، الذي كانت تمارسه السلطة الحاكمة في تركيا على الإعلام، لم أهتم بتوقيت معين لكتابة مقال بعينه.

لم أنظر يوماً إلى ما قد يفعله بي أردوغان من تقديمي للمحاكمة، أو نفيي وطردي من تركيا.

راعيت أن تكون كل كلمة أنطق بها، أو أي حرف أخطه معبراً عن قناعتي، ملازماً لي حتى آخر نفس يخرج من صدري. علمت أنه سيأتي يوم توزن فيه أعمالي.

رسخ في يقيني أن الخالدين هم "الذين يقفون إلى جوار الشعب، ويدافون عن حقوقه".

أنتم تقرؤون هذه السطور الآن على موقع "أحوال تركية". أود أن أحدثكم بشيء عرفته عن هذا الموقع.

أكتب في هذا الموقع بحرية واستقلالية تامة، دون أن أتعرض لأي ضغوط، أو رقابة من أحد.

ولعل أشهر ما يدل على هذا مقالي الشهير، الذي كتبته عن محرم إينجه، والذي قال عني أحمد شيخ، في معرض تعليقه عليه، إنني "عميل" للسلطة، ولأنصار أرغنكون.

وها هو الوقت يمر، والأحداث تتوالى، والمقالات تأخذ مكانها تباعاً، والفكر الناضج ينال حقه من تقدير المجتمع. وأنا هنا لأقول ما أشاء، وأدسه في عين كل معتدٍ.  

إذن ليستمر قلمك، الذي ظللت تحافظ عليه كمحافظتك على طفلك،  في الكتابة دون توقف.

عام سعيد لموقع "أحوال تركية"، ومزيد من التوفيق؛ لأنك كنت وسيلتنا للوصول إلى كل من يبحث عن الحقيقة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ahval/neden-ahvalde-yaziyorum
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.