haleakay
يوليو 13 2018

لماذا الفوز حليف أردوغان؟

في الوقت الذي كانت تتجه فيه تركيا صوب الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 يونيو المنصرم، وضعت لنفسي وظيفة غريبة بعض الشيء. تمثلت هذه الوظيفة في الاستماع لكافة خطابات الرئيس رجب طيب أردوغان التي أخذ يلقيها طيلة الحملات الانتخابية. ليس هذا فحسب، بل تابعت في الوقت ذاته الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة الخاصة بمرشحي حزب العدالة والتنمية، وكذلك الحسابات الخاصة بالتشكيلات الرسمية التابعة للحزب في الولايات والبلدات المختلفة.

فعلت ذلك لعدة أسباب:

أولها أنني كنت بعيدة عن تركيا لبعض الوقت. وبالتالي فإن شخصاً بعيداً عن البلاد مثلي، كان قد اعتاد على الإحساس بالانتخابات ومعايشتها في الشارع، إن لم يتابع بهذا الشكل، سيبدأ في التفكير بأنه لم يفهم ما حدث وهو بعيد. وأحيانًا لا يفهم أيضًا.

أما السبب الثاني لقيامي بذلك، فهو سبب شخصي، وهو أنني كشخص خرج من داخل حزب العدالة والتنمية، وتربى في حي كبر فيه هذا الحزب، كنت دائمًا مفتونة بالحزب وبزعيمه، رجب طيب أردوغان.

والسبب الثالث، هو أنه على الرغم من أن الآمال آخذة في الارتفاع، إلا أنها لم تنفصل تماماً عن الواقع.

والآن، وبعد أن تبددت فيه أجواء الانتخابات، أريد أن أسوق استنتاجًا قد يغضب بعض الناس. وهذا الاستنتاج هو أن أردوغان كان سيفوز بالانتخابات حتى وإن لم تجرَ تلك الانتخابات في أجواءٍ غير عادلة، وإن لم تتم السيطرة على وسائل الإعلام.

نعم فوزه هذه المرة، مختلف، كان أكثر تواضعًا عن المرات السابقة. إذ فاز بشكل جعله يقبل بفكرة مشاركة السلطة مع أناس أكثر عقلانية. وكل هذا له علاقة بحرص أردوغان على أن تكون كافة صلاحيات السيطرة تحت يديه، وله علاقة بما لديه من رغبة ليصبح قائدًا للعالم، وكي يذكره التاريخ على أنه مؤسس الجمهورية الجديدة عام 2023.

دعوني في البداية أقول لكم إن حصول حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على نسبة أصوات اقتربت من 43 في المئة رغم الظروف التي مر بها قبل الانتخابات، يعتبر نجاحًا كبيرًا للغاية. ولا توجد أية دلالة لنسلي بها أنفسنا على اعتبار أن الحزب فقد أصواتًا. 

فهم في حقيقة الأمر لم يفقدوا شيئًا من أصواتهم. حتى إذا لم نلتفت إلى ما يقدر بنسبة 5 في المئة من الأصوات بذريعة أنها جاءت بشكل غير شرعي، فسيظل الوضع كما هو عليه.

وبقدر معرفتي يظل حزب العدالة والتنمية الحزب الوحيد الذي لا يقاطعه الناخب رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشعر المواطن بمردودها في كل لحظة من حياته. ولهذا السبب فإني أرى أنه سيكون من المنطقي بمكانٍ أن نبتعد عن التصريحات التي لا طائل من ورائها كقولنا إن الناخب صوت لذلك الحزب دون دراية، علينا أن نسلم بوجود أشياء نجح فيها العدالة والتنمية وعجز عنها الآخرون.

وإذا عدنا إلى الماضي، وتحديدًا إلى عهد حزب "الرفاه"، لوجدنا كما يقول البعض، أن الحركة الإسلامية وصلت إلى ما وصلت إليه حاليًا من خلال تنظيمها محليًا. وفي عهد العدالة والتنمية لم تُفقد هذه الروح مطلقًا، بل بالعكس أخذت طابعًا مؤسساتيًا. وهنا يمكننا أن نجد أن هناك شيئًا يفرق بين العدالة والتنمية حتى عن الأحزاب اليمينية الأخرى. وهو أن القاعدة الانتخابية لذلك الحزب تعتبر بمثابة مجال تنشئة اجتماعية في المقام الأول، وبالطبع ربما تداخلت مستقبلًا مصالح أخرى في هذا التوجه؛ لكن يبقى الحزب في المقام الأول ناديًا اجتماعيًا محليًا. وفي ظل هذا يكتسب من يعملون به هويتهم الاجتماعية. كما يوفر الحزب إمكانية التنشئة الاجتماعية المستمرة للقاعدة الانتخابية. ويستفيد من هذه الحالة الناخبون ذوو الدخل المنخفض.

ولهذا السبب فإن تصادف الانتخابات الأخيرة مع شهر رمضان كان مكسبًا للعدالة والتنمية. إذ قامت التشكيلات والأجهزة التابعة للعدالة والتنمية في البلديات، والولايات المختلفة بإعداد سلسلة من الفعاليات الخاصة لقاعدته الانتخابية، كانت بمثابة فعاليات مميزة قادرة على مخاطبة الناخب الحقيقي. أي أنها لم تكن مجرد فعاليات خاصة بموائد إفطار جماعية الهدف منها التغطية الإعلامية فحسب، بل كانت هناك أيضًا زيارات للمساجد، وجولات في البسفور. وهذا الأمر كان من شأنه تسهيل العملية الانتخابية.

وإذا ما عدنا وطالعنا الحسابات الخاصة بتشكيلات الحزب في البلدات المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال فترة الانتخابات المذكورة، لوجدتم أن الموجودة من تلك البلدات في المدن الكبرى، كانت حريصة كل الحرص على بث الفعاليات التي يقوم بها الحزب بشكل يومي ومن مختلف القنوات.

أما إذا نظرتم إلى الأنشطة التي يقوم بها المرشحون لخوض الانتخابات، لوجدتم أن كل واحد منهم كان يقوم كل يوم بثلاث جولات تفقدية على الأقل ليتحدث إلى التجار والحرفيين في مناطق عملهم، ويتقرب منهم، هذا إلى جانب زيارات أخرى للعائلات، وكانوا يوثقون هذه الأنشطة بسلسلة من الصور الفوتوغرافية التي كانت سرعان ما يجدها المتابع على الحسابات الخاصة لهؤلاء المرشحين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحكم متابعتي للأمر عن قرب وجدت أن هناك فئة من المتابعين كانت تنتقد بشدة أي تقاعس من تلك التشكيلات الحزبية عن بث مثل هذه الأنشطة على حساباتها الخاصة. ربما يرجع هذا الانتقاد إلى حالة الغموض التي كانت تكتنف نتائج الانتخابات.

لكن في النهاية أنا لم أكن في الشارع في تلك الأثناء، لكني تمكنت من متابعة تلك التطورات من تلك النافذة المفتوحة على العالم التي أوضحت لي أن العدالة والتنمية كان يعمل كخلايا النحل، أدى عمله على أكمل وجه دون تكاسل أو تقاعس. وسيكون من المفيد لتوضيح ذلك الأمر أن نعرض هذه النماذج لتقريب ما أريد قوله وتأكيده للقارئ.

وفي هذا الصدد يمكنني عرض تغريدة كانت قد نشرتها المرأة الحديدية للعدالة والتنمية، هلال قابلان، بعد الانتخابات مباشرة والتي قالت فيها: 

"ليأتِ الرد فقط من مؤيدي العدالة والتنمية: ما هي انتقاداتكم للحزب وما تريدون تغييره، وما هي توقعاتكم من الانتخابات المحلية؟"

وبالفعل جاءتها ردود على ما قالت فاقت السبعة آلاف تغريدة. ولقد قام الحزب بإعداد تقارير لدراسة هذه الردود التي تضمنت انتقادات ما لعمل الحزب في نقطة معينة، فضلا عن تطلعات الناخبين ورغباتهم التي وضعت محل اهتمام كبير من قبل الجهات المعنية داخل العدالة والتنمية. وإذا أُتيحت لكم الفرصة لمطالعة هذه الردود لأدركتم بما لا يدع مجالًا للشك أن الحزب أسطورة يمكن أن يصوت لها الناخب دون أن يرى أخطاءه.

ومن بين الشكاوى التي تضمنتها تلك الردود، ما هو متعلق بجريمة استغلال الأطفال، والظلم الذي تمارسه الدولة في مواجهتها لجماعة "فتح الله غولن"، وما إلى ذلك من مطالب أخرى كضرورة إلمام وزير الزراعة بمهنة الزراعة.

كاتبة التغريدة أخذت ما كتب من ردود لدراستها، بينما المعارضون أخذوا يرددون انتقادات لما كتب تحت تلك التغريدة، وذلك مثل قولهم "انظروا انهم ينتخبون العدالة والتنمية وهم مدركون لحجم المشاكل التي يشتكون منها".

وكان هذا سببًا في بداية تفكيري بشكل معمق في حجم الفارق الكبير في الإدراك بيننا وبين الناخبين الذين يصوتون للعدالة والتنمية. فلربما رغم كل هذا يقومون بالتصويت، وينظرون إلينا وهم يقولون مستنكرين "أنصوت لأولئك الذين عجزوا عن تشغيل نظام تتبع الأصوات ليلة الانتخابات (في إشارة لأحزاب المعارضة)؟!".  

وكي أوضح الصورة بشكل أكبر يمكنني الحديث في هذا الصدد عن شخص كنت أتابعه منذ سنوات لأنه شخصية مختلفة، لكن حدث نقاش وخلاف بيننا يوم الانتخابات. هذا الشخص قام قبل يومين من الانتخابات الأخيرة، وكتب شيئًا على المنوال التالي: "أعرف وأدرك أن المعارضة تشتكي من أردوغان. لكن لا أستطيع أن أفهم قولها إن من سيحل مكانه سيفعل الأفضل". أخشى أن تكون مثل هذه المواقف كافية لاستمرار الحاكم المتسلط.

وبالنسبة لأردوغان، فإن تصوره للانتخابات يختلف بشكل كبير وكلي عن تصور المعارضة، أي أن هناك اختلافات جد كبيرة بين الطرفين. حتى وإن كان أردوغان قد أسعدنا بسقطاته، وحكاياته الغريبة التي ألقاها على مسامعنا طيلة الحملات الانتخابية.

ففي الوقت الذي تتعب في المعارضة حالها، لتستخرج 40 نتيجة من كلمة يلقيها أردوغان أثناء السحور أمام حشد من حزبه، نجد على الطرف الآخر ناخبي المعارضة يرون في ذلك الرجل زعيمًا يعمل بكل ما أوتي من قوة وبشكل مكثف من أجل أن يبقي على حزبه نشطًا وله حضور على الساحة ضد بقية الأحزاب.

كما أنه في الوقت الذي تسخر فيه المعارضة من مشروعات أردوغان التي وصلت لمستوى مذهل، فهم يرون فيه في ذات الوقت أنه الشخص الذي يقدم لهم مقترحات وحلولًا محددة.

في السياق ذاته أنا أرى وأعتقد أن أردوغان كان موفقًا للغاية في التصور والإدراك الذي أراد أن يخلقه لنفسه في الانتخابات. ففي حين كانت المعارضة مُقِلّة للغاية في تنظيم التجمعات الحاشدة لشرح تصوراتها للناخبين، نجد على الجانب الآخر أن أردوغان استطاع من خلال تواجده المستمر بين ظهراني الناس أن تكون له بصمة جعلت الناس تتصوره من خلال عدة ألقاب دأبوا على ترديدها مثل "المعلم الكبير"، و"رجل الدولة"، و"زعيم العالم". لا سيما أن جزءًا كبيرًا من حملته الانتخابية قد قضاه في جولات عمل، وزيارات رسمية خارج الوطن.

ويكفي فيما بعد أن يوصل أردوغان لناخبيه رسالة مفادها "مهما فعلنا نحن سيهدمونه هم". وذلك لأن المعارضة مع الأسف الشديد تفتقر إلى أي فكر بخصوص ما يمكنها القيام به.

وفي هذه النقطة تقوم بالدفاع عن نفسها قائلة "لماذا علينا أن نهدم ذلك؟ فبإمكاننا أن نفعل مثله. فلو شيد جسرًا، يمكننا تشييد الرابع". وبالتالي يكون السؤال الذي يطرح نفسه للرد على مثل هذه التصريحات: "إذا كان هذا هو تصوركم، فلماذا إذن يحتاج ناخب العدالة والتنمية لتغيير من شيد الجسر بالفعل؟!".

كما تعلمون أردوغان حتى موعد الانتخابات التي جرت في 24 يونيو الماضي، كان يشير لمؤيديه إلى قمة جديدة يستعد للقفز إليها. وربما عقول هؤلاء الناس في حيرة من أمرها بشأن القمة الجديدة التي يستعد للقفز إليها بعد 24 يونيو؛ لكنه مستمر في القفز على أية حال.

وأنا هنا لست أتبنى تحديًا بأن المعارضة كانت سيئة للغاية، وأن العدالة والتنمية وأردوغان كانا عظيمين. وبطبيعة الحال لا أكتب ما كتبته وكأن الانتخابات الماضية تمت في ظل ظروف عادلة. لكنني على قناعة بأنه يتعين أن أجلس لكي أقيم مردود الحزب الحاكم ورجاله وأدائهم، ومردود المعارضة وأدائها؛ على أن يكون هذا التقييم موضوعيًا بكل ما تحوي الكلمة من معنى.

وذلك لأن الصواب السياسي، والظروف الراهنة، وحتى المشكلات والفشل السياسي الذي تشهده البلاد، كلها أمور غير كافية للفوز بالانتخابات. فهذا الأمر يقتضي أن يكون الند المنافس لحزب العدالة والتنمية، على نفس القدر من الاجتهاد والعمل كتشكيل حزبي. لا بد من الخروج للساحة لمواجهة أردوغان بمقترحات وحلول محددة المعالم والأركان.

وإذا كنتم تقولون إن أحزاب المعارضة كانت تمتلك رؤية محددة، يكفيني أن أقول لكم إن الحزب "الصالح" هو الحزب الوحيد الذي اشتغل بشكل أكبر من بقية الأحزاب الأخرى، ولكنه لم يجد الفرصة المناسبة ليعبر عن نفسه. كما أن المرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري، محرم إينجه، أدار بشكل ناجح حملته الانتخابية؛ لكن كان يتعين أن يكون مجتهدًا أكثر باعتباره مرشح حزب لم تكن له أي كلمة منذ سنوات في إدارة البلاد. لا توجد ضرورة بعد لأن يعلن أردوغان عن فريق عمل له؛ لكن يشترط أن يخرج حزب الشعب الجمهوري بفريق يتفوق على أردوغان، ويقنع المواطنين بكفاءة هذا الفريق. تحالف "الأمة" به ثلاث أحزاب قوية تبدو متحدة فيما بينها، كان يتعين منحها الثقة بأي حال من الأحوال. فهذا لم يحدث، ولا أعرف لماذا حقيقة.

لا ننسى أن هناك انتخابات محلية تنتظرنا. يقولون إنها ستكون في نوفمبر المقبل. علينا أن نجعل منها فرصة لارتقاء الآمال، والتحرك من أجل الفوز بها.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: