لماذا تركتُ الإشتغال بالأدب؟

أنا لست كاتب عمود حديث العهد. كما أن تاريخي في كتابة القصة قديم. ولكن هناك سببًا لإخفائي ماضيَّ المجيد هذا عنكم.
سأبدأ أولًا بمقدمة طويلة، ثم أدخل في الموضوع.
إن صحيفة "مرمرة" هي إحدى أقدم الصحف في تاريخ الصحافة الأرمنية، بل إنها إحدى أقدم المنشورات في تاريخ الصحافة التركية. كذلك هناك صحيفة "جامانك" التي مرت عشر سنوات أخرى بعد الاحتفال بــ 100 سنة على بداية انطلاقها في عالم النشر.
كلاهما كانتا تصدران وتعرضان على أرفف الباعة في أربع صفحات؛ حيث كان يتم تقسيم الورقة كبيرة المقاس إلى قسمين.
المواضيع التي تناولتاها هي الأحوال الداخلية للمجتمع بصفة عامة.
بطولة الشطرنج في جمعية "مخيتاريان"، أي مرشح ندعُم في الانتخابات البطريركية؟ وقف "أوج هوران" في "بك أوغلو" تبرع بعقاراته من جديد.
حذار أن تستهينوا بالأمر. هذه هي القضايا الكبرى في عالم الأرمن المُصغر.
علاوة على ذلك فقد كانت كلٌ من "مرمرة" و"جماناك" المحطة الأولى لكل أرمني أمسك بالقلم.
إن جميع الأرمن "المنشورين" الذين سمعتم أسماءهم نفذوا أول اختبار للقيادة في صحفنا هذه. لا تذكروا أسماءهم واحدًا تلو الآخر الآن؛ فأنا أقول كلهم...
على أية حال، دعونا نعود بالموضوع الذي يخصني مجددًا.
بدأت في كتابة الأعمدة في صحيفة "مرمرة". فكنت واحدًا من الشباب الذين اكتُشفوا تزامنًا مع قرار اصدار ملحق لها باللغة التركية من أربع صفحات أيام الجمعة، والذي اتخذه "روبرت هادسيان" صاحب امتياز الصحيفة ورئيس تحريرها، والتي كانت في البداية لا تهتم بصدور صحيفة "أغوس" للأستاذ والأخ الأكبر "هيرانت دينك".
والحقيقة أنه لم يكن عليهم بذل مجهود كبير من أجل اكتشافي.
كانت الصحيفة تُطبع في المتجر المقابل لمطبعتنا العريقة الموجودة في ممر "توكتليان".
لم تمر ربما 15 دقيقة بين قولي "عزيزي هل لي أن أكتب أنا أيضًا؟" وبين إدراجي في كادر الكُتّاب. 
أحدثكم عن تلك الأيام الجميلة التي قررت فيها تحدي الإمبريالية في ظل أخبار بطولة الشطرنج، بصفتي يساري سريع في الـــ 26 من عمره.
كان توزيع الصحيفة حوالي 1000 نسخة. كان قراؤها من الأرمن البالغين من العمر 60 سنة فأكثر. وكان أكبر مصدر للدخل بالنسبة للصحيفة يأتي من إعلانات الموتى أساسًا. وعلى الرغم من أن توزيع الصحيفة ينخفض واحدًا تلو الآخر مع كل إعلان مع هذا النوع، فقد كان نضالي من أجل تنظيم هؤلاء الــ 100 مُسنٍّ في صفوف الثورة جديرًا بالتقدير.
تبذل إدارة الصحيفة كل ما في وسعها من أجل إدارتي والتعامل معي، وتسعى ألا تكسر حماسي قدر الإمكان.
ولكنها كانت بين الحين والآخر تهمس في أذني "يا بُنيَّ! أكتب قليلًا أيضًا في قضايا الأدب، والبيئة، والمجتمع".
ولم يكن من السهل كثيرًا بالنسبة لي اتخاذي قرارًا بالتوقف بعض الوقت عن كتاباتي النضالية بشأن الصراع الطبقي والفاشية؛ إرضاءً لهم.
كان من المفترض أن أجد شيئًا عن الحياة أستطيع الكتابة فيه دون الوقوع في فخ الانتهازية.
لقد وجدت...
سأكتب مقطوعة غنائية عن الأشخاص المعتبرين الذين كانوا يعيشون في جزيرتنا وفقدناهم.
لست أدري كيف تكتب المقطوعة الغنائية، ولكنني تعلمت في الثانوية شكل فن الرباعيات ومبادئ القافية الناقصة.
تبدأ تلك المقطوعة هكذا:
"مات البقال "خرستو"، وأُغلق حانوته.
ما كان يستطيع حال حياته أن يبيع تلك الخمور الرائعة المتراصة فوق الأرفف.
لكن من اشتروا الحانوت لم يستطيعوا تقدير قيمة خموره العتيقة.
فنهبها السكارى بثمن بخس 5-10 ليرات، دون أن يعرفوا قيمتها..."
ولكن كيف؟
نجاح لا يُصدق في نقل المشاعر بواسطة الكلمات، ومهارة فياضة في استخدام الاستعارة، وبساطة في الأسلوب، وسعي ملئ بالعقلانية في القافية...
إنني أفوض الأمر إلى الله فيمن قالوا "ما هذا يا بُنيَّ، إنه يشبه شعر صبي في المدرسة الابتدائية". وكان باقي المقالة أيضًا رائع. كانت مقطوعة غنائية قمة في الروعة بالنسبة لكل كبارنا المعتبرين بدءًا من "مينو آبي" إلى "دلي علي"، ومن "ميموزا يوسف" إلى "بانتر" سهل القياد.
بالإضافة إلى التزامها بشكل الرباعيات والقافية الناقصة.
كانت تتم طباعة الملحق التركي للصحيفة مساء الخميس.
أنتظر في المطبعة، حتى آخذ النسخة الأولى منها فأضعها في حقيبتي وأدلف إلى الجزيرة مع آخر باخرة تتجه إليها.
عدد سكان الجزيرة في فصل الشتاء لا يتجاوز 300، فكان 280 منهم يمكثون في بيوتهم ليلًا بينما الــ 20 الباقون في مقهى "سروب" يجلسون.
كنت أريد أن لو رأيتموني وأنا أسير بفخر نحو المقهى كيف أخرج نسخة صحيفة "مرمرة" من حقيبتي وكأنني أسحي مسدسًا.
ستبرق عيون من يقرأ، ويتذكر أولئك الأشخاص بمودة ومحبة، ويشيد بمهارتي الأدبية، أنا متأكد...
في الميناء، داخل القارب الذي يأخذ الركاب إلى "بوسطانجي"، يجلس الأستاذ والأخ الأكبر "خليل".
لأذهب أولًا إلى الأستاذ خليل قبل رواد المقهى.
"أستاذي خليل! سأُريك شيئًا. ولكن دعني ألتقط أنفاسي أولًا.
ركضت قليلًا. فانقطع نفسي يا عزيزي."
أخذ الأستاذ خليل الصحيفة، وقرأ بصوت عالٍ:
"مات البقال "خرستو"، وأُغلق حانوته.
رفع رأسه، وحدّق في عينيَّ، ولم يواصل القراءة.
اعتقدت أنه سيبكي...
"أيها الأحمق، خرستو لم يمت، لقد قطعوا قدمه في مستشفى "باليقلي روم"، ولكنه بصحة جدية الآن".
لم أذهب إلى المقهى.
ما تحدثت مع أحد منذ ذلك اليوم عن هذا الموقف الذي علم به الــ 1000 شخص فحسب.
لم أكتب رباعيات مرة أخرى.
تبُّا للقافية الناقصة!
شرحت الوضع للأستاذ خليل فحسب.
"بالطبع لقد مات بالنسبة لي هذا الثوري خرستو المعارض الذي أسقط الشباب في فخ المسكرات.
فعذرًا..."
لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/guncel/edebiyati-neden-terk-ettim
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.