لماذا تلتزم أنقرة الصمت إزاء الهجوم على سفينة تركية قبالة اليمن؟

تسبب انفجار في إلحاق ضرر بالغ بسفينة شحن تركية كانت تنقل شحنة من القمح إلى ميناء الصليف اليمني؛ الذي تسيطر عليه جماعة الحوثي الشيعية، وهي على بعد 70 ميلا من السواحل اليمنية في وقت سابق من هذا الشهر.

وقال حينها البيت الأبيض، والتحالف الذي تقوده السعودية، وكذلك مهمة مكافحة القرصنة التابعة للاتحاد الأوروبي (ناف- فور) إن الانفجار الذي ضرب سفينة الشحن التركية (إنجيه إينه بولو) في 10 مايو كان نتيجة صاروخ أطلقه مقاتلو جماعة الحوثي المدعومة من إيران. في حين أصدرت تركيا أول بيان لها بشأن هذه الواقعة في 25 مايو، أي بعد أسبوعين من حدوثها، قائلة إن أيا من أفراد الطاقم التركي المؤلف من 23 شخصا لم يصب بسوء، وإن السفينة أصيبت بالفعل بصاروخ. لكن البيان أغفل ذكر أي تفاصيل حول الجهة المسؤولة عن هذه الواقعة.

وفي يوم الجمعة الماضي، قال البيت الأبيض في بيان إن "الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء الهجوم الصاروخي الذي شنه الحوثيون ضد سفينة إنجيه إينه بولو"، وأضاف أن "انتشار الصواريخ في اليمن بات يشكل تهديدا حقيقيا لجميع الدول"، وذلك في معرض بيانه حول حادثة السفينة التركية.

كما ألقت الولايات المتحدة في بيانها باللوم في الهجوم على الحرس الثوري الإيراني، قائلة: "إننا نستنكر استغلال الحرس الثوري لثروات الشعب الإيراني بهدف تأجيج الصراعات في البلدان الأخرى وتهديد التجارة الدولية".

وكانت مسألة "الإرهاب البحري" قد تصدرت جدول الأعمال العالمي لبعض الوقت بشكل كبير، خاصة في أعقاب الهجوم الذي استهدف المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" وأسفر عن مقتل 17 شخصا وإصابة 38 آخرين في ميناء عدن اليمني في عام 2000. ومع ذلك، يظل هذا المصطلح غير مألوف إلى حد كبير في منطقة شرق البحر المتوسط التي تعج بالاضطرابات.

وقد يعود ذلك في الأغلب إلى أن معظم الحوادث التي قد تندرج تحت مسمى "الإرهاب البحري" ترتبط ارتباطا وثيقا بالصراع العربي الإسرائيلي. فمنذ السبعينيات من القرن الماضي، كانت أغلب حوادث الإرهاب البحري في البحر المتوسط تستهدف السفن والمرافق البحرية الإسرائيلية، وكان يلقى باللوم فيها في معظم الأحيان على الفلسطينيين وجماعة حزب الله اللبنانية. 

ولم تسلم تركيا أيضا من الهجمات الإرهابية البحرية على مدار السنوات الماضية، بدءا من اختطاف سفينة النقل (أفراسيا) في عام 1996 والعبارة (كارتيبي) في عام 2011، ومرورا بمحاولة تنظيم القاعدة الهجوم على سفن سياحية إسرائيلية بواسطة قارب محمل بالقنابل في أنطاليا عام 2005، وحتى الهجوم على زورق لخفر السواحل التركي بواسطة طوق نجاة مفخخ قبالة ساحل بلدة سامنداج في ولاية هطاي في عام 2016.

وفي مواجهة هذه الهجمات المتكررة، سيّر خفر السواحل التركي بالتعاون مع سلاح البحرية دوريات مكثفة للتصدي للمخاطر والتهديدات المحتملة، وإحباط كافة أشكال الأعمال غير القانونية، ومن بينها الإرهاب البحري، وحماية خطوط الاتصالات البحرية في المضائق التركية والبحار المحيطة بالبلاد.

كما لم تكتف البحرية التركية بأخذ زمام المبادرة في إطلاق عمليات بحرية مثل عملية (درع البحر المتوسط) وعملية (هارموني) في البحر الأسود، ولكن شاركت أيضا بقوة في عمليات دولية مثل عملية (المسعى النشط) لحلف شمال الأطلسي في البحر المتوسط، ومهمة عمل اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة قبالة السواحل اللبنانية، وكذلك في جهود التصدي للقرصنة في خليج عدن لتعزيز الأمن البحري العالمي.

وفي حين بدا أن تركيا نجحت بشكل كبير في تأمين مياهها الإقليمية والداخلية، لا تزال ممرات مائية حيوية تستخدمها السفن التركية بانتظام، مثل مضيق باب المندب وقناة السويس، معرضة لتهديد الإرهاب البحري.

ولا يخفى على أحد أن مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويقع قبالة الساحل اليمني، أصبح مسرحا للعديد من الهجمات الإرهابية في السنوات الأخيرة، مثل الهجوم الذي سبق ذكره على المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" عام 2002 والهجوم على ناقلة النفط الفرنسية ليمبورج عام 2002.

وقد زادت وتيرة الهجمات على القطع الحربية والسفن التجارية المدنية بالتوازي مع تفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة، واشتدت حدتها بشكل خاص بعد بداية الحرب الأهلية في اليمن. وبعدما كانت الجماعات الإسلامية المتشددة تشكل مصدر الخطر الأبرز في المنطقة، انضمت إليها في السنوات الأخيرة جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، والتي بدأت في الآونة الأخيرة استخدام أسلحة بحرية متطورة مثل الصواريخ الموجهة ضد السفن والقوارب المفخخة التي يتم التحكم فيها عن بعد.

وقبل وقوع حادثة إنجيه إينه بولو، دمر صاروخ موجه سفينة نقل تابعة للبحرية الإماراتية في عام 2016، وتضررت فرقاطة سعودية بعد اصطدامها بقارب مفخخ تم التحكم فيه عن بعد في عام 2017، كما أصيبت ناقلة نفط سعودية بسلاح مجهول في أبريل 2018.

وبعد مرور حوالي أسبوع على حادثة سفينة النقل الإماراتية، تم استهداف قوة بحرية أميركية مؤلفة من ثلاث سفن حربية أيضا بصاروخين مضادين للسفن أطلقا من أراض يسيطر عليها الحوثيون، لكن لم يصب أي صاروخ منها هدفه.

وفي الآونة الأخيرة، دمرت قوات التحالف بقيادة السعودية ثلاثة من أربعة زوارق سريعة مفخخة، كان يتم التحكم فيها عن بعد، قبل مهاجمتها ثلاث سفن تجارية كانت ترافقها سفينتان حربيتان تابعتان للتحالف في 23 مايو في البحر الأحمر.

ومن جنوب البحر الأحمر إلى شماله، تقع منطقة أخرى محفوفة بالمخاطر بالنسبة للسفن التركية، ألا وهي قناة السويس التي تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر والمياه الإقليمية المتاخمة له.
وقد استهدفت الجماعات المتطرفة المتمركزة في شبه جزيرة سيناء، وبالتحديد تنظيم الدولة الإسلامية، سفنا تجارية وقطعا بحرية مصرية في المنطقة. وسبق للتنظيم أن أطلق قذائف صاروخية (آر.بي.جي) ضد سفن تجارية كانت تعبر قناة السويس عام 2013.

كما هاجمت تلك الجماعات قطعا للبحرية المصرية بشكل متكرر في البحر المتوسط، وأسفر الهجوم الأكثر دموية بينها في مقتل ثمانية جنود على بعد 70 كيلومترا من الساحل المصري في عام 2014. كما أصاب صاروخ موجه مضاد للدبابات قارب دورية مصريا في عام 2015، ملحقا به أضرارا جسيمة.

علاوة على ذلك، يشكل الصراع بين إسرائيل وجماعة حزب الله مصدر تهديد مستمر للسفن المحايدة التي تستخدم هذا الممر المائي بكثافة. ومن المعروف أن جماعة حزب الله المدعومة من إيران تمتلك أسلحة متطورة في ترسانتها، مثل الطائرات بدون طيار والصواريخ المضادة للسفن، والصواريخ الموجهة، والقذائف متعددة الأغراض.

وحتى الآن، لم تستهدف جماعة حزب الله السفن التجارية المدنية بشكل مباشر، لكنها تسببت عن طريق الخطأ في إغراق سفينة شحن مصرية عندما حاولت استهداف سفينة حربية إسرائيلية بصاروخ مضاد للسفن في عام 2006.

ومع ازدياد احتمالات اندلاع صراع جديد بين إسرائيل وحزب الله في المستقبل القريب، من المتوقع أن نشهد حوادث أخرى مماثلة لما تعرضت له سفينة إنجيه إينه بولو التركية، ليس فقط قبالة سواحل اليمن، وإنما أيضا في البحر المتوسط.


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/navy/why-ankara-quiet-about-attack-turkish-ship-yemen