haleakay
مايو 18 2018

لماذا فشل "مشروع غول" وكيف؟

كانت دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في الرابع والعشرين من يونيو ضربة كبيرة لجمهور الناخبين في البلاد، والذين يعانون منذ سنوات من الإرهاق الانتخابي. فالناخبون الأتراك لم يُجبروا فحسب على الإدلاء بأصواتهم مرة كل عام تقريبا على مدار العقد الأخير، بل إنهم كانوا يجدون أنفسهم أيضا في ظروف استثنائية كل مرة يذهبون فيها إلى صناديق الاقتراع، حيث كانت كل عملية اقتراع – استفتاء كانت أم انتخابات – تُطرح على أنها مسألة حياة أو موت.

ينظر الكثيرون إلى الاستفتاء الدستوري الذي أُجري في أبريل 2017 على أنه نهاية الطريق الذي بدا أردوغان يؤَمّن فيه وضعه كحاكم أوحد للبلاد. وبدت أحزاب المعارضة ضعيفة وغير قادرة على تطوير استراتيجيات فعالة للتصدي لأردوغان الموجود في السلطة منذ عام 2003. الكثيرون منا شعروا بالتعاسة، والكثيرون منا تحدثوا عن مقاطعة الانتخابات.

لكن "مشروع غول" لاح بعد ذلك في الأفق.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام سيل من التعليقات التي طالعتنا في البداية بالأنباء الجيدة عن أن هناك احتمالاً لأن تختار أحزاب المعارضة عبد الله غول، الحليف السابق لأردوغان وسلفه في منصب الرئاسة، كمرشح رئاسي مشترك. بدأت تلك الأصوات بعد ذلك تتحدث بحماس عن الأسباب التي تجعل هذه الفكرة جيدة. 

كان الأمر قاسيا. ففي اللحظة التي بدأ الناس يعترضون فيها على الفكرة، بدأ صحفيونا الأحبة يدعون الناس إلى إحكام العقل والمنطق قائلين إن مَن يحتجون على ترشح غول يتصرفون مثل الحمقى، لأنهم يقتلون الأمل الأخير لتركيا. وقالوا إن غول هو الطريق الوحيد أمام المعارضة، لكن حكمهم على الأمور على هذا النحو كان مبنيا على استطلاعات للرأي وافتراضات لا يمكن الاعتماد عليها.

لم يكن ما يريده الناخبون مهما بالنسبة لهم، فقد كتبوا الوصفة العلاجية وانضمت جوقة من الخبراء الأتراك إلى المهرجان، ومنهم من وصف ترشح غول بأنه مناورة تغير قواعد اللعبة.

حسنا! في توضيح الكيفية التي دُفنت بها فكرة ترشح غول، يشير البعض إلى ميرال أكشينار زعيمة الحزب الصالح المؤسس حديثا، والتي أصرت على الترشح بنفسها. ويقول آخرون إن كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب رئيسي معارض، ترك الفكرة مطروحة للنقاش لبعض الوقت لكي لا يبدو هادما للذات، وظل صابرا حتى تلاشت تلك الفكرة. لكن الأمر ليس بهذه البساطة.

شهِدت على مر السنين الكثير من المشروعات السياسية مثل هذه تطرح فجأة، لكن كان مصير جميعها الفشل. بيد أنني لم أرَ أبدا مثل هذا الإخفاق التام، حيث لم يستسغ أحد نهائيا فكرة غول بعيدا عمّن اقترحوها. 

تحدثت لأناس لديهم آراء مختلفة – يساريين، وليبراليين، وحتى إسلاميين ومحافظين من المعارضة – خلال الفترة التي كان ترشح غول مطروحا فيها علينا. وكان أي شخص يسمع اسم غول تبدو عليه فجأة ملامح الذهول، فتتسع حدقتا عينيه ويقشعر بدنه.

لم يفكر أحد ممن طبخوا الفكرة على ما يبدو في أن طرح غول على ناخبي المعارضة كشخصية بيدها خلاصهم يعد إهانة.

فغول ما زال عضوا في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه أردوغان، وقد ظل عضوا بارزا ونشطا لأكثر من عشر سنوات قبل أن يهمش أردوغان دوره. والاعتراضات النادرة التي أبداها غول على أردوغان لم يرَ أحد فيها قدر من الشجاعة والإقدام سوى غول نفسه والدوائر المقربة منه.

يستميل غول مجموعة محددة من الليبراليين، لكن ترشحه كان سيعني هزيمة الآخرين، حتى ولو أفضى إلى الفوز في الانتخابات.

كما أن الحملة الداعية لترشح غول تمثل فشلا لا يصدقه عقل في استراتيجية التواصل.

ففي تركيا، لدى مجموعة بعينها من الصحفيين والمفكرين المحسوب معظمهم على التيار "الليبرالي" مشكلة كبيرة في المصداقية.

ويعارض ناخبو حزب الشعب الجمهوري على وجه الخصوص من ساندوا حزب العدالة والتنمية في سنواته الأولى – والقائمة هنا طويلة، وتشمل في بعض الأحيان مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي. ويمكن الدفع بأن بعض ما يجادل به هؤلاء الناخبون فيه إجحاف، لكن مشكلة المصداقية هذه ما زالت قائمة. ولو كانت هناك حاجة لطرح اسم مثير للانقسام مثل غول على هؤلاء الناخبين، لكان من الواجب أن يحدث ذلك بتؤدة ومن خلال أشخاص يسمع لهم ناخبو حزب الشعب الجمهوري. لكن العكس حدث، إذ كان من طرحوا الفكرة أشخاص هم أكثر من يتحسس منهم ناخبو حزب الشعب الجمهوري. وليست لدي فكرة ما إن كان هؤلاء الأشخاص على دراية بمشكلة المصداقية أم أنهم تعمدوا التصرف كما لو كانت تلك المشكلة لا وجود لها.

الأمر الثاني هو أنه لا ضمان لأن يكون من يناصرون الديمقراطية أنفسهم ديمقراطيين. من السهل الحديث عن القيم، وبخاصة الديمقراطية وما إلى ذلك. لكن الأصعب هو ممارسة تلك القيم، وخاصة إذا كنت تعتقد أنك متفوق فكريا على الآخرين. كان هذا هو الحال فيما يخص "مشروع غول". فأنت عندما تكون في مجتمع ديمقراطي، إذا أتيت بفكرة لترشح شخص بعينه تطرحها وتنسبها لنفسك وتضع اسمك عليهاـ فعلى الأقل أنت تحاول أن تكون ممثلا لتلك الفكرة وأن تتمتع بالشفافية.

لكن في حالتنا هذه تبدو الفكرة كما لو أنها سقطت من السماء، فالبعض حتى يخجل من تبنيها علنا، بل وحتى البعض يتجنبون الحديث عنها. ومن اعترضوا على وسائل التواصل الاجتماعي تعرضوا للتوبيخ إلى درجة تجعل السائل يقول ما الذي فهمه مؤيدو تلك الفكرة عن الديمقراطية. وتعرض  ناخبو حزب الشعب الجمهوري الذي احتجوا إلى نواب الحزب في البرلمان لانتقادات بسبب "نفورهم من كل اسم" يُطرح. وأي شيء أكثر ديمقراطية من أن ينخرط مؤيدو الحزب ونوابهم في مناقشة مفتوحة؟

في الوقت ذاته نحن نحاول أن نفهم ما الذي كان يحدث من الصحفيين المقربين من غول. فقد علمنا أن 50 من نواب حزب العدالة والتنمية كانوا سيتقدمون باستقالاتهم لو أنه وقع عليه الاختيار كمرشح مشترك. لقد عانينا كثيرا في تركيا خلال الآونة الأخيرة، وإن كان هذا غير واضح كثيرا من الخارج فيما يبدو. لقد شهدنا قسوة ومستوى لا يصدقه عقل من الظلم وانهيار مؤسساتنا. لقد قُلبت حياتنا رأسا على عقب، وعرفنا من هؤلاء الصحفيين أنه كان علينا أن نقدم أصواتنا رشوة لنواب حزب العدالة والتنمية غير السعداء هؤلاء الذين لم يرفعوا أصواتهم أبدا، والذين مضوا مع أردوغان في طريقه من أجل أيديولوجيتهم المحببة بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. نشكركم! 

في النهاية فشل "مشروع غول" لكن من المثير للاهتمام أنه كان لفشله كانت بعض النتائج الإيجابية غير المتوقعة.

فقد عاد الناس إلى الانخراط في السياسية بسبب غضبهم، وقرر الكثيرون ممن كانوا يفضلون المقاطعة العدول عن ذلك القرار. لقد وجد ناخبو حزب الشعب الجمهوري الخلاص فجأة في مرشح كانوا سيعترضون عليه على الأرجح لو أنه لم يترشح بعد مثل هذه العملية. فقد اختار حزب الشعوب الديمقراطي الحفاظ على كرامته وترشيح زعيمه السابق صلاح الدين دميرطاش المسجون حاليا لمنصب الرئاسة. لقد انتصرت الديمقراطية بشكل لا يصدق. في الحقيقة، لقد نجح الأمر كما كان من المفترض أن ينجح.

اتحدت مجموعات مختلفة داخل المعارضة من جديد كما فعلت في انتخابات يونيو 2015. وأسهم ناخبو حزب الشعب الجمهوري اليساريون في جمع 100 ألف توقيع كانت هناك حاجة لجمعهم من أجل ترشيح أكشينار لمنصب الرئاسة، أو لتمل كرم الله أوغلو زعيم حزب السعادة الإسلامي، والذي كان عمدة لسيواس عام 1993 عندما قتلت الدهماء 35 شخصا معظمهم من المفكرين العلويين في المدينة.

وعلى الرغم من رغبتهم في الإطاحة بأردوغان، رأينا أن ناخبي المعارضة ليسوا مجرد أشخاص لديهم هدف واحد، بل هم أكثر من ذلك. فلديهم مطالب واحتياجات وسنوات من المعاناة نتيجة لضَعف تمثيلهم. لكن هذه المرة لديهم أربعة مرشحين أقوياء يمكنهم أن يصبحوا صوتا لهم، وإن كان ذلك سيستمر لشهرين فقط. من يعرف؟

وخلاصة القول إن الناخبين الأتراك كانوا يتعرضون للضغط من أجل إرغامهم على الزواج بالإكراه من غول واختاروا الهروب مع محبوبهم. وقد يحققون نصرا في الرابع والعشرين من يونيو، أو قد يخسرون مرة أخرى. لكن من الواضح أن الانتخابات لن تحقق الاستقرار الذي يعد به أردوغان، وأنه ستكون هناك عدة جولات أخرى في هذه المباراة. وإلى ذلك الحين، يجب أن يقر الجميع بأن ناخبي المعارضة في تركيا نجحوا في اختبار الديمقراطية.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: